محمد الحنفي
&
&

مشكلتي أنني لا اختار هويتي ولا جنسيتي، فربما - لو كان الأمر بيدي ما اخترت أن أكون عربيا ولا موريتانيا.. ربما أفضل أن أنتمي إلى قبائل "الزولو" أو "اليوروبا"، فأشرح صدغي وألتحف جلد نمر إفريقي وأتفيأ ظلال دوحة وارفة.. أشوي أرنبا بريا، وءاكل من دباءة خضراء، وأعل من رحيق الجوز، وأقضم قصب السكر..الأرض وطائي، والسماء غطائي، والغابة مملكتي.. حين أريد أن أتسلى أعد الحصى، وحين أريد أن أتمرن أسابق الغزلان..أغني على عزف الشحارير وحرير مياه الجداول، فتتمايل الأغصان طربا، وتهتز العناقيد.. بدائي في طبيعتي كحي بن يقظان.
لا أريد أن ألبس معاطف "سملتو"، ولا أن أشرب قهوتي في مقاهي "مرضية"، ولا أن أسكر في حانات "لاس فيغاس"، ولا أن ءاكل "البيتزا" في مطاعم روما، ولا أريد أن أقتني لوحة لبيكاسو ولا فان كوخ، ولا أحلم بأن أغازل جودي فوستر ولا شارون ستون، ولا يروق لي امتطاء صهوة مهرة بيضاء على مروج ميامي، ولا أستعذب النبيد البلجيكي المعتق.. لم أقرأ لجان جاك روسو ولا لفولتير، ولم يعجبني جنون سلفادور دالي، ولا ترهات سارتر، ولانجومية جوني اليدى..!
لا أعرف التاريخ، ولا أمحص الحاضر، ولا أٌنظر للمستقبل، ولا أشغل فكري بغزوات هتلر وخطابات تشرشل وبذاءات موسوليني..لا اسمع عن النظام العالمي الجديد، ولا عن خارطة الطريق، ولا عن استنساخ النعجة "دولي".
أريد أن أكون افريقيا بدائيا، سطحيا، ساذجا.. لم أناضل من أجل عنصريتهم فأكون "مانديلا"، ولم تستأصل عروقي لتغرس في مزارع " فلوريدا" فأكون "جيمس براون".. لا أفكر فيما قبل يومي، ولا فيما بعده.. لم أظلم أحدا، ولم أغمط حق احد، لا أدفع الضرائب ولا أجبيها، ولا أستقبل في بداية الشهر فاتورة الهاتف ولا الكهرباء.
لا أريد أن أكون عربيا يبتلع الأقراص المهدئة من كتابات "زيغريد هونكه"، ولا يحفظ من القرءان الكريم إلا قوله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس"، ينام وهو صغير على أقاصيص الزير سالم وعنترة بن شداد فيكبر وطموحه "أن يحرق نصف اسرائيل"..أعيش على الكبت والقهر والعجز، إذا كنت في البيت فإن أبي يضرب أمي لأن قنينة الغاز نفدت قبل أن ينضج الطعام، وفي المدرسة يضربني المعلم لأن أبي غلبه عند المقهى في لعبة "الكوتشينة"، وفي المخفر يجلدون أبي لأنه ضحك من لافتة لأحمد مطر، ولدى المخابرات يبترون أذني لأن شكل وجهي لم يعجب رئيس الدولة.. وفي اجتماع الأمم المتحدة يتم تفويض أمريكا بضرب بلادي لأنها تمتلك سلاح "الضرب" الشامل: فأبي يضرب أمي، وأمي تضرب أختي، والشرطي يضرب أبي، والمعلم يضربني.. وأمريكا تضربنا جميعا.
- "عربي أنا".. إذن فلن أتنفس هواء الحرية، ولن أذوق طعم العدالة، ولن أحترم "الآخر"، ولن أتجاوز عقبة "التقدم" الكؤود.
فهل تصنع الأمم صواريخ من معلقة عمرو بن كلثوم؟!
وهل تغزو الفضاء باللهج بـأيام "ذي قار" و" تحلاق اللمم"؟!
وستدخل عالم الصناعة بقوس حاجب بن زرارة التميمي؟!
فما ظنك بأمة لا تزال تدرس أبنائها تاريخ "ملوك الطوائف"؟!
لا.. لا أحب أن أكون عربيا، إلا إذا كنت ذلك الأعرابي الملتحف بشملة، المتتبع مساقط المطر، الذي لا يستفزه إلا أن يشيم بوارق "وادي العقيق".. لم يسمع بالأمم المتحدة ولا بمنظمة العفو الدولية ولا بالاشتراكية ولا الرأسمالية ولا العلمانية ولا العولمة.. أعرابيا ذا طمرين، لا يأبه لغير الظباء الأوابد والإبل الهجان. هو في صحرائه كالإفريقي البدائي في غابته !
كاتب وصحفي من موريتانيا