عمـاد فـؤاد من بروكسل: قبل ثلاثة أسابيع فقط قدمنا في "إيلاف" ترجمة لأحد فصول هذا الكتاب الذي أصبح الآن الكتاب الأكثر مبيعاً في بلجيكا وهولندا، بعد أن اكتسح جميع قوائم الكتب الأكثر قراءة وإقبالاً بين القراء البلجيكيين والهولنديين، وربما يكون ذلك بسبب تناوله للموضوع الأكثر سخونة على الساحة الدولية الراهنة، ألا وهو الأحداث الحالية في عراق ما بعد صدام حسين، وربما لأن كاتبه هو الروائي البيروفي الشهير "ماريو بارغاس يوسا"، صاحب العديد من العلامات الروائية الهامة والبارزة في الرواية |
العالمية الراهنة، ومن أبرزها روايات: "في مديح زوجة الأب" و"مدينة الكلاب" و"دفاتر دون ريغو بيرتو" و"حفلة التيس"، وهو ما يدعونا هنا إلى تقديم قراءة شاملة للكتاب الذي أصبح الآن مرشحاً للعديد من الجوائز الدولية، بوصفه واحداً من الكتب القليلة التي تناولت ما يحدث الآن في العراق من ناحية أدبية ونسجتها بما هو سياسي.
"جعلتنا الحرب في العراق نرى كيف ستكون صورة الحروب في العالم القادم والعصور الغامضة المقبلة، الحرب التي لم تعد مجرد جيشين متقابلين كل في مواجهة الآخر، وإنما أصبحت حرب المجتمعات التي تزعم أنها ديموقراطية، في مواجهة التنظيمات الإرهابية التي تدخل صناعة الحروب بأموالها، هذه التنظيمات التي من الممكن لها أن تطيح بأرواح الآلاف من الأبرياء في سبيل فكرة تعتنقها كما حدث مع ضحايا تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001". |
هذا هو الرأي الافتتاحي الذي يطالعه القارئ في بداية هذا الكتاب المثير والذي جاء نتيجة رحلة استمرت إثنى عشر يوماً فقط، قام بها الروائي البيروفي الشهير "ماريو بارغاس يوسا" إلى العراق، بدأت في 25 يونيو وانتهت في السادس من يوليو 2003، ورغم أن هذه اليوميات التي جمعها "يوسا" تحت عنوان "يوميات من العراق" وصدرت في الأسبانية أواخر العام الماضي، لاقت اهتمام العديد من وسائل الإعلام العالمية ونشرت في عشرات المجلات والصحف سواء في أوربا أو في أمريكا اللاتينية، إلا أننا لم نسمع بها في عالمنا العربي حتى هذه اللحظة، على الرغم من ترجمة الكتاب إلى العديد من اللغات الأخرى منها الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، السويدية، الإيطالية، والهولندية التي كانت آخر هذه الترجمات والتي صدرت في منتصف شهر مارس الماضي عن دار نشر Meulenhoff بأمستردام، وهي الترجمة التي نقدم قراءة لها في السطور التالية.
كتب "يوسا" هذه اليوميات بسرعة شديدة على حد تعبيره في مقدمته للكتاب، ولكنه عندما عاد إلى أسبانيا حيث يعيش حالياً، أدخل عليها العديد من التعديلات والإضافات، ونشرها مسلسلة في البداية في صحيفة "الباييس" الأسبانية واسعة الانتشار في شهر أغسطس 2003، ولأن كثير من الجرائد التي أقدمت على نشر يوميات "يوسا" فيما بعد لم تكن أمينة على نصه كما فعلت "الباييس"، حيث حذفت الكثير من الصحف والجرائد الأجنبية التي قامت بعضها بترجمة حلقات يوميات "يوسا" عن الصحف الأسبانية العديد من الفقرات الهامة التي تضمنت آراءه في الحرب الأمريكية البريطانية على العراق، فقد رأى صاحب "دفاتر دون ريغو بيرتو" و"مديح زوجة الأب" جمع يومياته العراقية في كتاب، كي تكون آراءه واضحة كما يريد لها، وأضاف على اليوميات التي تتكون من ثمانية فصول أربع دراسات له عن الحرب الأمريكية على العراق، كان قد نشر ثلاثاً منها قبل قيامه بالرحلة، والرابعة كتبها بعد الاعتداء على مركز الأمم المتحدة في بغداد في أغسطس الماضي، ومن يقرأ الكتاب كاملاً سيجد أن "ماريو بارغاس يوسا" يعبر عن رأي مناقض تماماً لما عرف عنه قبل الغزو الأميركي للعراق، حيث لم يعد يقف ضد هذه الحرب كما كان يعلن قبل قيامه برحلته هذه من خلال مقالاته الأسبوعية في الصحف الأسبانية، وهو التغير الذي يفسره الكاتب في يومياته من خلال شروح عديدة ومستفيضة، فهو يشير في افتتاحيته للكتاب مثلاً إلى أن أحد أهم أسباب قيامه بهذه الرحلة إنما كان ليختبر صحة موقفه المعارض للغزو الأمريكي البريطاني للعراق، والذي اتخذه من قبل وأعلنه في مقالاته الأسبوعية في صحيفة "الباييس" الشهيرة، ويخلص "يوسا" في كتابه إلى أنه لم يعد يعارض غزو قوات التحالف للعراق، لكنه يعارض الأسلوب الذي تم به هذا الغزو الذي حدث دون مشروعية دولية، فلا الأمم المتحدة أقرته، ولا كان هناك إجماع دولي حول طريقة القيام به، لكنه يلمح بأن من الأخطاء الكبرى التي ارتكبتها أمريكا وبريطانيا لتبرير حربهما على العراق زعمهما بأن صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، وأنه على علاقة بقيادات تنظيم القاعدة ومنفذي تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهو ما لم تستطع أمريكا أو بريطانيا إثباته حتى الآن.
قسم "يوسا" كتابه إلى جزأين رئيسيين، الأول يضم يومياته في العراق، والتي جاءت في ثمانية فصول، كانت عناوينها على النحو التالي: "الحرية البربرية"، "الناس في بغداد"، "المتدينون"، "ناهبون وكتب"، "فاصوليا بيضاء"، "عطيل .. من اليمين إلى اليسار"، "الأكراد"، "الرجل الثاني"، أما القسم الثاني فضم دراساته الأربع عن الحرب على العراق، والتي حملت عناوين: "كوارث الحرب"، "بقّ الوبر"، "ديموقراطية الأطلال"، "ميت في درعه"، كما ضم الكتاب العديد من الصور الفوتوغرافية التي التقطتها "مورجانا" ابنة "يوسا"، والتي كانت فيما يبدو سبباً آخر لقيام الكاتب العالمي برحلته هذه إلى العراق، حيث كانت تعمل في بغداد قبل شهرين من قيام والدها برحلته، والمعروف أنها مصورة صحافية من مواليد العام 1974، عملت في العديد من الصحف الشهيرة في أسبانيا وفرنسا وبريطانيا، منها "الباييس" و"باريس ماتش" وغيرها، كما عملت لعدة سنوات في منظمة اليونيسيف العالمية، وفي العراق كانت "مورجانا بارغاس يوسا" تعمل ضمن فريق مؤسسة Iberoamérica-Europa كمصورة فوتوغرافية لأحداث الحرب الأمريكية البريطانية على العراق.
يكتب "يوسا" يومياته العراقية بحس شديد الواقعية أقرب إلى الأسلوب الصحفي منه إلى الأدبي، مبتعداً عن أسلوبه الروائي المعروف عنه، والذي تبدى بشكل واضح في رواياته التي صنعت له مكانته الخاصة في الأدب العالمي الراهن، بدءاً من رواياته الأولى "من قتل بالومينو موليرو" و"في مديح زوجة الأب"، وصولاً إلى رواياته الأحدث "دفاتر دون ريغو بيرتو" و"حفلة التيس"، بل أنه يضمن يومياته العراقية هذه حواراً صحفياً أجراه مع المرجع الشيعي "آية الله محمد باقر الحكيم" والذي اغتيل بعد أسابيع قليلة من زيارة "يوسا" للعراق، ومن خلال هذا الأسلوب أستطاع "يوسا" أن يقدم صورة حقيقية عن عراق ما بعد سقوط صدام حسين، من خلال منظور سردي قلما نجده في الكتابات السياسية التي نطالعها يومياً عن الأحداث في العراق، فهو يكتب في أول فصول الكتاب والذي عنونه بـ"الحرية البربرية" عن مشاهداته اليومية في قلب بغداد، راصداً كافة الصور الحياتية التي يقابلها حتى ولو بدت تافهة أو بلا معنى بعين أدق من الكاميرا الفوتوغرافية، فهو يرصد إقبال الشباب العراقيين على محلات الانترنت كافيه في شوارع بغداد، وعدم قدرة الشعب العراقي على التأكد من صحة المعلومات التي تبثها المحطات الفضائية على الرغم من تعدد وكثرة الصحف العربية الموجودة على الأرصفة في كل مكان، مشيراً إلى الجنون الذي لمسه عن قرب من كل ما هو إسرائيلي أو يمت بصلة إلى هذا الكيان، مؤكداً أن العراقيين يستيقظون كل يوم على تفجر شائعات جديدة تزعم شراء رجال أعمال إسرائيليين للعديد من المباني العراقية الحكومية، ويسخر "يوسا" من هذه الشائعات قائلاً إن العراقيين إذا رأوا أجنبياً يرتدي ملابس أنيقة في مكان ما ظنوا أنه إسرائيلي، ويختتم أول فصول يومياته بإشارته إلى إن بغداد بدت له مدينة شديدة القبح في ظل الخراب الذي ضربها في كل مكان، على رغم شهرتها في الخمسينيات كواحدة من أجمل المدن العربية، فالحرب خلفت أنقاضاً وحرية، لكنها الحرية التي أدت إلى نهب كل شيء، وهو ما دفع "يوسا" إلى تسميتها بـ"الحرية البربرية".
في الفصل الثاني من اليوميات يكتب "يوسا" تحت عنوان "الناس في بغداد" عن عدد من العراقيين الذين تعرف إليهم عن قرب خلال رحلته، فيكتب عن رجل الجيش العراقي "نوفل عبدالله الدلامي"، وكيف أنهى خدمته في الجيش ليصبح حارساً للصحفيين الأجانب الذين يعملون في العراق، وهو العمل الذي جعله مسئولاً عن حراسة "يوسا" وابنته "مورجانا" خلال طوافهما في شوارع في بغداد، ومن خلال حديثه المستمر مع هذا الحارس، يرسم "يوسا" لنا صورة عن العراق في ظل حكم صدام حسين في ذهن رجل الشارع البسيط، وكيف يمتزج ما هو حقيقي مع ما هو أسطوري أو مزيف، من خلال ما يرويه له رجل الجيش عن أفعال "عدي" نجل صدام حسين حين كان يقطع شوارع بغداد بسيارته المحاطة بالحراس المدججين بالسلاح بحثاً عن فتاة جميلة، تختفي في أحد قصوره شهرين أو ثلاثاً قبل أن يلقي بها من جديد في الشارع، كما يسرد قصة لقاءه بـ"حسن رشيد" المترجم الذي رافقه وابنته خلال رحلتهما في العراق، وهو أستاذ اللغة الأسبانية في جامعة بغداد الذي تلقى دراساته في أسبانيا قبل أكثر من عشر سنين.
وتحت عنوان "المتدينون" يخصص "يوسا" الفصل الثالث من كتابه لمقابلته وحواره الطويل مع المرجع الشيعي "آية الله محمد باقر الحكيم" والذي التقى به في مدينتي النجف وكربلاء، وكصحفي مخضرم يضع "يوسا" في مقدمته للمقابلة كافة التفاصيل عن حياة الإمام الشيعي الكبير، وصعوده إلى مكانته الراهنة، أما الفصل الرابع ففيه يعود الكاتب من جديد إلى بغداد، مشيراً إلى أن رحلته السريعة إلى النجف وكربلاء كانت أشبه ما تكون بالعودة إلى العصور الوسطى، فبغداد رغم خرابها البشع إلا أنها لم تزل مدينة تتجمل لسكانها في المساءات كفتاة ليل؛ بنات بلا أحجبة وملابسهن على أحدث الطرز الغربية، مقاهي مفتوحة رغم أصوات القصف التي تضرب في كل مكان، يعنون "يوسا" فصله هذا بـ"ناهبون وكتب"، إذ يحكي فيه عن مقابلته الأستاذ الجامعي "ضياء نافع حسن" عميد كلية الآداب واللغات بجامعة بغداد، والمتخصص في الأدب الروسي، والذي يحكي لـ"يوسا" كيف تم تدمير العديد من المكتبات العامة في بغداد إثر إلقاء القبض على صدام حسين، وكيف أفسدت سلبية الأمريكان في التصدي لبربرية الشعب التي نهبت الكتب والمكتبات فرحة العراقيين بهذا التحرر من الطاغية، لذلك لم يخرج الكثيرون من منازلهم خشية أن تنهب ممتلكاتهم كما نهبت الأماكن الحكومية وقصور صدام نفسه.
يخصص "يوسا" الفصل الخامس من يومياته العراقية لسرد عدد من قصص الاختفاء والاعتقال والتعذيب التي سمعها من أفواه ضحاياها، فيحكي عن مقابلته مع "قيس علوي" (37 عاماً) الذي حين يرى طبقاً من الفاصوليا البيضاء يشعر برغبة في القيء، ذلك لأنه حين اعتقل وهو ابن تسعة عشر عاماً تم تعذيبه وصعقه بالكهرباء في سجن أبو غريب بطريقة بشعة (ربما لا تختلف كثيراً عما يفعله الأمريكيون الآن ضد المعتقلين العراقيين في السجن ذاته) وكان الحراس المكلفين بتعذيب "قيس علوي" يأكلون الفاصوليا البيضاء كل يوم وهم يسومونه ألوان العذاب، ويحكي "يوسا" كيف ظل "علوي" في السجن نفسه ثمانية أعوام دون أن يرتكب شيئاً، من العام 1987 حتى 1995، والفصل كله يستمد معلوماته عن الذين اختفوا ولا تعرف عائلاتهم أين هم حتى الآن من المحامي "قمر باسيل" الذي يحكي لـ"يوسا" قصص هؤلاء مدعمة بالصور والوثائق، كما يخبره بالمقابر الضخمة التي كان صدام حسين يدفن فيها معارضيه السياسيين أحياء.
ربما يكون هذا الكتاب نقطة فاصلة في مسيرة "ماريو بارغاس يوسا" الأدبية، فهو إذا كان تطرق من قبل إلى الموضوعات السياسية في عدد من رواياته، أبرزها روايته الأخيرة "حفلة التيس" والتي تناول فيها الحكم الدكتاتوري في الدومنيكان على مدى واحد وثلاثين عاماً، من العام 1930 حتى العام 1961، للجنرال رافائيل ليونيداس تروخييو مولينا، وهي الرواية التي ربما أوصلت صاحبها قريباً إلى جائزة نوبل للآداب، فإن ديكتاتورية صدام حسين التي بنت أسطورتها على أرض العراق ربما جذبت إليها أنظار كاتبنا لتشابهها مع ديكتاتورية رافائيل ليونيداس تروخييو مولينا في الدومنيكان، فما رآه "يوسا" في العراق هو نفسه الذي حكاه من قبل في "حفلة التيس"، فالفرح الناقص والمبتور الذي تملك الناس بعد اغتيال "تروخييو"، هو ذاته الذي وجده "يوسا" في العراق، حيث لا زال قانون الرعب والخوف يتسلط على رقاب الشعب رغم القبض على الديكتاتور، ولا يحاول "يوسا" في يومياته هذه إقامة أي نوع من المقارنة بين جنرال الدومنيكان وبين جنرال العراق، بل يربط أحياناً كثيرة بين فيدل كاسترو وصدام حسين، مشيراً إلى أن ما حدث في العراق لن يحدث في كوبا، ولكن ستتحول كوبا بعد موت كاسترو إلى ديموقراطية حقيقية، وهو ما يوضحه "يوسا" في واحدة من دراساته الأربع التي ضمنها الكتاب والتي حملت عنوان "ديموقراطية الأطلال"، حيث أشار إلى أن كاسترو استخدم المناقشات الدولية حول مدى مشروعية الحرب على العراق في تمكين سيطرته على الأوضاع الداخلية في بلاده، وألقى القبض على عشرات المعارضين له ووضعهم في السجون، وهو ما يفعله بدأب يحسد عليه خلال سنوات حكمه الأخيرة، بل أن الكاتب يبدأ في هذه الدراسة الطويلة برسم صورة لما سيكون عليه العراق بعد خروج الأمريكيين منه، قائلاً إن على العراق أن يصبح بلداً تتجاور فيه الأعراق والأديان مثل بلجيكا أو سويسرا، فالأولى تضم عرقين بشريين هما الفلمنكيين والوالون ولكل منهما لغته المختلفة عن الآخر (الهولندية والفرنسية)، أو سويسرا التي تتحدث ثلاث لغات هي الألمانية الفرنسية والإيطالية.
"ميت في درعه" هو عنوان آخر الدراسات التي يضمنها "يوسا" كتابه، والتي كتبها بعد عودته من العراق، ويتناول فيها لقاءه بثلاث شخصيات تعرف عليها والتقاها خلال رحلته، وقتلت بعد عودته من العراق، وهم "آية الله محمد باقر الحكيم" المرجع الشيعي في النجف وكربلاء، "سيرجيو فييرا ديميلو" المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى العراق والذي لقى مصرعه في الهجوم الإرهابي الذي استهدف مبنى الأمم المتحدة في قلب بغداد في أغسطس 2003، وراح ضحيته أكثر من عشرين شخصاً، وكابتن مانويل مارتا أوار قائد قوات المارينز الأسبانية في العراق الذي مات بعد عودة "يوسا" إلى أسبانيا بأسبوعين فقط، ويعتبر "يوسا" أن الذين تسببوا في مقتل هؤلاء المقاتلين الذين مات كلا منهم في درعه، هم من يريدون أن يظل العراق غارقاً في الفوضى والخراب خوفاً من مجيء عراق ديموقراطي حر.
&



