سمير اليوسف: اثارت رواية الكاتب السعودي احمد ابو دهمان "الحزام" اهتماما ملحوظا حين صدورها باللغة الفرنسية عن دار غاليمار. وقد صدرت اخيرا بالعربية عن دار الساقي بلندن.
هنا قراءة أخرى في هذه الرواية: تبعا لعرف، او لما يشبه العرف الجاري، عندنا فإن تقصي معالم الغريب المثير، او "الايكزوتيك"، في رواية مثل رواية الكاتب السعودي احمد ابو دهمان "الحزام"، لهو مما ينبغي ان يتجاوز حدود الاستجابة الى فضول عابر. فقبل ظهورها باللغة العربية (عن دار الساقي، لندن وبيروت)، كانت هذه الرواية قد نُشرت من قبل "دار غاليمار"، احدى كبريات دور النشر الفرنسية. الى ذلك فإنها ظفرت باهتمام ملحوظ، وهذا، بحسب العُرف المذكور، مما يشي بأن قيمة هذه الراوية انما تتمثل بما تنطوي عليه من عناصر "ايكزوتيك"، او اي مظاهر أخرى لا صلة وثيقة لها بالفضائل الادبية، والا لما كانت حظيت بالاهتمام الذي حظيت به في وسط غربي.
ولا شك ان الاقبال على قراءة عمل ادبي انطلاقا من هذا العُرف لا يُعنى اساسا بمكافأة جهد الكاتب. وليس ما يخفف من غلواء هذا الاجحاف الا الافلاح في دفع الشبهة المنسوبة مسبقا، كما هو غرضنا في هذه السطور. بيد ان انطلاقة كهذه لا مناص منها طالما ان العُرف المذكور ليس محض اعراب عن نزعة ارتياب متأصلة في نفوس العديد منا حيال ادنى اهتمام تبديه الاوساط الغربية بما يكتبه العرب او يُكتب عنهم. فهو لا يعدم مبررات معقولة. وبعض الاعمال الادبية العربية، المترجمة الى اللغات الاوروبية، او المكتوبة بها اصلا، تفتقر الى ادنى الفضائل الادبية التي تبرز نشرها، ما عدا توافقها المسبق، المقصود او غير المقصود، مع المعايير والصور الغربية النمطية (ستيريوتايب) للشعوب والثقافة العربيين، خاصة في ما يتصل بالمرأة. ونحسب ان هذا التوافق، ولدوافع تجارية بقدر ما هي سياسية، وحده ما يمهد السبيل لظهور اعمال كاتبتين مثل نوال السعداوي وحنان الشيخ دون الكثير من اعمال ادبية عربية اجود وارقى.
كتب احمد ابو دهمان روايته هذه، او للدقة سيرته الذاتية المبكرة وسيرة قريته، في باريس وباللغة الفرنسية. وهذه الحقائق الثلاث، اي النوع الادبي بما هو سيرة ذاتية، ومكان الكتابة ولغتها، لهي بحد ذاتها كفيلة بأن تجعل عالم الماضي ـ اي طفولة الراوي في قرية في جنوب السعودية ـ ذلك الشيء الذي يُصار الى جلبه واستحضاره، ليس الى المدينة فحسب وانما الى الحاضرة، وليس على وجه ما يُجلب الريف الى المدينة، وانما كما يُجلب الطرف، او الهامش، الى المركز، بل وقد يبدو السرد للعين غير اليقظة وكأنه يساير عملية الجلب التي يقوم بها السائح او حتى عالِم الإناسة. فبعض ما يُروى يبدو مادة مثيرة جمعها سائح او رحالة ينوي العودة الى بلاده محملا بقصص مثيرة للدهشة عن غرابة مأكل ومشرب اهالي قرية نائية. اما ما تعرض له الرواية من معتقدات وتقاليد وطقوس اجتماعية وثقافية، فإنها لتشي باهتمام طالب علم اناسة متحمس لمادة قد تتطلب دراستها العمر بأكمله.
بيد ان قراءة كهذه تقفز فوق حدود ما يسمح به السرد، بل تتجاهل البناء السردي لهذه الرواية، مفترضة وجود سرد مختلف متماسك، يمثل العالم الذي يصفه ويروي اخباره بما يجيز حلول السرد محله (اي العالم)، بينما نجد ان طبيعة السرد الذي يتوسله ابو دهمان، سواء في بنائه اللغوي او في دلائله ووصاياه انما يشدد على حقيقة انه لا يهدف ان يكون تمثيلا للعالم الذي يصف ويصور، وتحديدا ليس تصويرا يسهل من خلاله اختزال العالم المقصود الى الصورة التي يقدم.
فمن وجه اول، نجد ان فصول الرواية على درجة من الاستقلال بما يجيز قراءتها بشكل منفصل. وهذا وحده يدل على اننا لسنا امام بناء سردي محكوم بتعقيد وتطور دراميين يختصر حوادث العالم المعني وموجوداته باللحظة او بالفعل الدرامي. فتوزع السرد على فصول مستقلة الطابع انما يوحي بأن هناك الكثير مما يمكن ان يحل في المسافة الفاصلة ما بين كل فصل وآخر.
ونجد من وجه آخر، ان السرد لا يدعي اداء وظيفة التمثيل حتى حينما ينحو منحى الايضاح والتبرير: "في باريس احتميت بقريتي" يقول الراوي في مدخل القصة، "احملها كنار لا تنطفئ، ألقي السلام بصوت مرتفع، كما كنا نفعل، وعندما اكتشفت انهم لا يسمعون ألقيت السلام على السلام بصوت خفيض".
يجب ان ننتبه هنا الى ان السرد لا يسوق خبر حادثة وانما يكتفي بالرمز الى وقوع الحادثة. غير ان الرمز المعني ليس ذاك الذي يرمي الى الاقتصاد في الكلام بغية ابراز حقائق او قيم متواضع عليها، انما غايته الايحاء بما وجد او حدث عوضا عن تعريفه وتحديده، او بالضرورة تمثيله. وهذا يتوافق مع استواء السرد وفق ايقاع صوتي يجعله يمضي على حافة الشعر، لكن من دون ان يسقط في مجاهل ألفاظه المجانية. وليس من قبيل المصادفة ان الكاتب في وصفه الدافع الى كتابة ما كتب اختار عبارة "القاء السلام" مرتين: مرة بصوت عال، جريا على عوائد القرية التي ولد ونشأ فيها، ومرة ثانية، بصوت خفيض، اي بلغة المدينة التي امسى مقيما فيها. فمثل هذا الاختيار انما يبدو من قبيل التوكيد على الصوتي والايقاعي للسرد. ولعل ما يعزز تصورا كهذا وفرة الاشارات الى الشعر والاغاني في صفحات الكتاب والى اللجوء المتكرر الى المجاز والكناية في سرد يصعب الفصل فيه ما بين الصورة الشعرية والخبر: "كان لدي يقين عميق بأن النجوم ليست الا كلمات، وما على امي الا قطفها وصياغتها اغنيات".. "روت لي امي يوما ان قريتنا كانت في البدء اغنية فريدة، تماما كالشمس والقمر..".. او "كلنا شعراء، كانت امي تقولها دائما: الاشجار، والنبات، الزهور، الصخور، الماء..".. "هنا في قريتنا ولدت اول قصيدة، نبتة ذات ألوان كثيرة لا تحصى..".. "اما امي، فكانت تؤكد لي بأن الشعر وحده اخذ دور الماء ووظيفته، فهو الذي يمنح الكائنات والاشياء لونها".
ولئن اوردنا هذه الاستشهادات فمن قبيل التشديد على الطابع الشعري للسرد، ولكن ليس من باب الحض على قراءة الرواية كقصيدة، حتى وان كان لا مناص من قراءة بعض السطور والمقاطع كذلك. فقراءة "الحزام" كقصيدة لن تكون اوفق من قراءتها كخبر صرف يصور ما يوجد، او يروي ما يحدث، من ركن اهتمام السائح او عالم الاناسة. ومجمل الغرض هو التوكيد على ان من سمات ما يجعل الخبر خبرا لما لا يمكن جلبه واستعراضه امام عيون متفرجين يطمحون لرؤية الغريب والعجيب. فالراوي لا يختزل حياة الناس الذين يروي قصصهم الى لحظات درامية مكثفة، كما لا يزعم القدرة على التوغل في نفوسهم متقصيا الدوافع الداخلية التي تحكم سلوكهم. ولئن عرض للتقاليد والعادات والمناسك، فمن باب الاشارة والايحاء، وبما يُكرس الغامض واللغز الذي ينطوي عليه وجودهم. فإذا ما شئنا النظر الى الرواية كخبر، فهذا لا يكون خبر كشف اللغز او الغامض لوجود القرية، وانما خبر الانسلاخ عنه، وكنتيجة لما دخل وطرأ على عالم القرية من تغيرات دفعت بأبنائها بعيدا عنها. فالدخيل والطارئ، تحديدا المدرسة والمدينة، هما ما يؤديان بالراوي الى الانسلاخ عن القرية والابتعاد عنها مسافة تجعلها تبدو لناظريه الآن اشبه باللغز الذي لا يمكن مقاربته الا بلغة الشعر.
ونحن يمكننا تتبع وقائع قصة الانسلاخ هذه والاحاطة بها طالما امكننا تحديدها ما بين لحظتين بالغتي الدلالة: دخول المدرسة والاقامة في العاصمة الفرنسية، اي ما بين لحظتين يتسنى للراوي خلالهما اكتساب لغة، او لغات تختلف عن لغة القرية: "بدت لي اللغة في المدرسة اغنى واكثر اتساعا من كل الحقول". واللغة سبيل معرفة وتواصل غير معهودين، وفاتحة عهد جديد. يقول الراوي انه في المدرسة وحدها تعلم انه طفل: "هنا تعلمنا واكتشفنا معاني أخرى للشجاعة، للضعف، للسلطة، للدفء، للذكاء. في المدرسة اصبح حمل السكين ممنوعا. في اختصار، شكلت المدرسة لنا عالما نقيضا لحزام وعوالمه الحادة. عالما يمكن فيه ان نضحك، ان نبكي، ان نتكلم، ان نلعب، ان نكون ببساطة اطفالا لا سكاكين".
واكتساب الراوي لطفولة مغايرة والسير في طريق تفضي به اخيرا الى المدينة، حيث يقيم لحظة الكتابة، هو ما يخوله كتابة قصة (سيرة ذاتية) يمكن تلمس آثار الزمن فيها والاحاطة بجوانبها. ونشوء هذه القصة، واكتمالها، على هذا الوجه، لا يرجعان الى حقيقة ان الكاتب يوجه السرد وجهة تتبع اخباره هو ومجريات حياته (كتابة السيرة)، وانما لأنه يروي قصة قوامها خبر الالتحاق بعالم يمكن سرد ما يجري فيه والتمثيل على موجوداته بلغة متواضع عليها. فأخبار الراوي نفسه لا تنال نصيبا من السرد اوفر من نصيب شخصيات أخرى، لا سيما شخصية حزام. واذا ما جاز تحديد بطل للرواية، فإن حزاما وليس الرواي، هو من يبدو البطل. فهو الذي تكنّى الرواية باسمه، ومن الاشارة اليه تبدأ وبموته تنتهي.
مع ذلك فإن شخصية حزام تبقى اقرب الى الطيف منها الى الشخصية القابلة للتحديد او التعريف.. "حزام الذي لن تروه" يقول لنا الرواي. وعلى وفرة ما نزود به من اخبار تتعلق بحزام، فإن قصارى ما يمكننا الخلوص اليه هو الحكم بأنه رجل رافض للتغيير، محافظ، ومنغلق على معنى للحياة جوهري وثابت: "الكلمات لدى حزام لا تحمل الا المعنى الذي يريده هو".
غير ان حكما كهذا لا يقربنا منه او يقربه منا، وحتما لا يكشف سره، او سر السحر الذي ينطوي عليه ويجعل الرواي غير قادر على الابتعاد عن صورته واخباره. فحزام مظهر، بل احد المظاهر الاساسية للعالم الذي يستعيده الرواي، بعد انقضاء اعوام عديدة، وبالتالي، لما بقي ثابتا وغامضا بما يعصى على الاحاطة والتمثيل، وما استدعى استلهام لغة الشعر. ولعل هذا ما يحض على قراءة "الحزام"، كما يأمل لها كاتبها ان تُقرأ، تحية لعالم بعيد، وتحية يلقيها على عالم جديد. (عن "الشرق الاوسط" اللندنية)
هنا قراءة أخرى في هذه الرواية: تبعا لعرف، او لما يشبه العرف الجاري، عندنا فإن تقصي معالم الغريب المثير، او "الايكزوتيك"، في رواية مثل رواية الكاتب السعودي احمد ابو دهمان "الحزام"، لهو مما ينبغي ان يتجاوز حدود الاستجابة الى فضول عابر. فقبل ظهورها باللغة العربية (عن دار الساقي، لندن وبيروت)، كانت هذه الرواية قد نُشرت من قبل "دار غاليمار"، احدى كبريات دور النشر الفرنسية. الى ذلك فإنها ظفرت باهتمام ملحوظ، وهذا، بحسب العُرف المذكور، مما يشي بأن قيمة هذه الراوية انما تتمثل بما تنطوي عليه من عناصر "ايكزوتيك"، او اي مظاهر أخرى لا صلة وثيقة لها بالفضائل الادبية، والا لما كانت حظيت بالاهتمام الذي حظيت به في وسط غربي.
ولا شك ان الاقبال على قراءة عمل ادبي انطلاقا من هذا العُرف لا يُعنى اساسا بمكافأة جهد الكاتب. وليس ما يخفف من غلواء هذا الاجحاف الا الافلاح في دفع الشبهة المنسوبة مسبقا، كما هو غرضنا في هذه السطور. بيد ان انطلاقة كهذه لا مناص منها طالما ان العُرف المذكور ليس محض اعراب عن نزعة ارتياب متأصلة في نفوس العديد منا حيال ادنى اهتمام تبديه الاوساط الغربية بما يكتبه العرب او يُكتب عنهم. فهو لا يعدم مبررات معقولة. وبعض الاعمال الادبية العربية، المترجمة الى اللغات الاوروبية، او المكتوبة بها اصلا، تفتقر الى ادنى الفضائل الادبية التي تبرز نشرها، ما عدا توافقها المسبق، المقصود او غير المقصود، مع المعايير والصور الغربية النمطية (ستيريوتايب) للشعوب والثقافة العربيين، خاصة في ما يتصل بالمرأة. ونحسب ان هذا التوافق، ولدوافع تجارية بقدر ما هي سياسية، وحده ما يمهد السبيل لظهور اعمال كاتبتين مثل نوال السعداوي وحنان الشيخ دون الكثير من اعمال ادبية عربية اجود وارقى.
كتب احمد ابو دهمان روايته هذه، او للدقة سيرته الذاتية المبكرة وسيرة قريته، في باريس وباللغة الفرنسية. وهذه الحقائق الثلاث، اي النوع الادبي بما هو سيرة ذاتية، ومكان الكتابة ولغتها، لهي بحد ذاتها كفيلة بأن تجعل عالم الماضي ـ اي طفولة الراوي في قرية في جنوب السعودية ـ ذلك الشيء الذي يُصار الى جلبه واستحضاره، ليس الى المدينة فحسب وانما الى الحاضرة، وليس على وجه ما يُجلب الريف الى المدينة، وانما كما يُجلب الطرف، او الهامش، الى المركز، بل وقد يبدو السرد للعين غير اليقظة وكأنه يساير عملية الجلب التي يقوم بها السائح او حتى عالِم الإناسة. فبعض ما يُروى يبدو مادة مثيرة جمعها سائح او رحالة ينوي العودة الى بلاده محملا بقصص مثيرة للدهشة عن غرابة مأكل ومشرب اهالي قرية نائية. اما ما تعرض له الرواية من معتقدات وتقاليد وطقوس اجتماعية وثقافية، فإنها لتشي باهتمام طالب علم اناسة متحمس لمادة قد تتطلب دراستها العمر بأكمله.
بيد ان قراءة كهذه تقفز فوق حدود ما يسمح به السرد، بل تتجاهل البناء السردي لهذه الرواية، مفترضة وجود سرد مختلف متماسك، يمثل العالم الذي يصفه ويروي اخباره بما يجيز حلول السرد محله (اي العالم)، بينما نجد ان طبيعة السرد الذي يتوسله ابو دهمان، سواء في بنائه اللغوي او في دلائله ووصاياه انما يشدد على حقيقة انه لا يهدف ان يكون تمثيلا للعالم الذي يصف ويصور، وتحديدا ليس تصويرا يسهل من خلاله اختزال العالم المقصود الى الصورة التي يقدم.
فمن وجه اول، نجد ان فصول الرواية على درجة من الاستقلال بما يجيز قراءتها بشكل منفصل. وهذا وحده يدل على اننا لسنا امام بناء سردي محكوم بتعقيد وتطور دراميين يختصر حوادث العالم المعني وموجوداته باللحظة او بالفعل الدرامي. فتوزع السرد على فصول مستقلة الطابع انما يوحي بأن هناك الكثير مما يمكن ان يحل في المسافة الفاصلة ما بين كل فصل وآخر.
ونجد من وجه آخر، ان السرد لا يدعي اداء وظيفة التمثيل حتى حينما ينحو منحى الايضاح والتبرير: "في باريس احتميت بقريتي" يقول الراوي في مدخل القصة، "احملها كنار لا تنطفئ، ألقي السلام بصوت مرتفع، كما كنا نفعل، وعندما اكتشفت انهم لا يسمعون ألقيت السلام على السلام بصوت خفيض".
يجب ان ننتبه هنا الى ان السرد لا يسوق خبر حادثة وانما يكتفي بالرمز الى وقوع الحادثة. غير ان الرمز المعني ليس ذاك الذي يرمي الى الاقتصاد في الكلام بغية ابراز حقائق او قيم متواضع عليها، انما غايته الايحاء بما وجد او حدث عوضا عن تعريفه وتحديده، او بالضرورة تمثيله. وهذا يتوافق مع استواء السرد وفق ايقاع صوتي يجعله يمضي على حافة الشعر، لكن من دون ان يسقط في مجاهل ألفاظه المجانية. وليس من قبيل المصادفة ان الكاتب في وصفه الدافع الى كتابة ما كتب اختار عبارة "القاء السلام" مرتين: مرة بصوت عال، جريا على عوائد القرية التي ولد ونشأ فيها، ومرة ثانية، بصوت خفيض، اي بلغة المدينة التي امسى مقيما فيها. فمثل هذا الاختيار انما يبدو من قبيل التوكيد على الصوتي والايقاعي للسرد. ولعل ما يعزز تصورا كهذا وفرة الاشارات الى الشعر والاغاني في صفحات الكتاب والى اللجوء المتكرر الى المجاز والكناية في سرد يصعب الفصل فيه ما بين الصورة الشعرية والخبر: "كان لدي يقين عميق بأن النجوم ليست الا كلمات، وما على امي الا قطفها وصياغتها اغنيات".. "روت لي امي يوما ان قريتنا كانت في البدء اغنية فريدة، تماما كالشمس والقمر..".. او "كلنا شعراء، كانت امي تقولها دائما: الاشجار، والنبات، الزهور، الصخور، الماء..".. "هنا في قريتنا ولدت اول قصيدة، نبتة ذات ألوان كثيرة لا تحصى..".. "اما امي، فكانت تؤكد لي بأن الشعر وحده اخذ دور الماء ووظيفته، فهو الذي يمنح الكائنات والاشياء لونها".
ولئن اوردنا هذه الاستشهادات فمن قبيل التشديد على الطابع الشعري للسرد، ولكن ليس من باب الحض على قراءة الرواية كقصيدة، حتى وان كان لا مناص من قراءة بعض السطور والمقاطع كذلك. فقراءة "الحزام" كقصيدة لن تكون اوفق من قراءتها كخبر صرف يصور ما يوجد، او يروي ما يحدث، من ركن اهتمام السائح او عالم الاناسة. ومجمل الغرض هو التوكيد على ان من سمات ما يجعل الخبر خبرا لما لا يمكن جلبه واستعراضه امام عيون متفرجين يطمحون لرؤية الغريب والعجيب. فالراوي لا يختزل حياة الناس الذين يروي قصصهم الى لحظات درامية مكثفة، كما لا يزعم القدرة على التوغل في نفوسهم متقصيا الدوافع الداخلية التي تحكم سلوكهم. ولئن عرض للتقاليد والعادات والمناسك، فمن باب الاشارة والايحاء، وبما يُكرس الغامض واللغز الذي ينطوي عليه وجودهم. فإذا ما شئنا النظر الى الرواية كخبر، فهذا لا يكون خبر كشف اللغز او الغامض لوجود القرية، وانما خبر الانسلاخ عنه، وكنتيجة لما دخل وطرأ على عالم القرية من تغيرات دفعت بأبنائها بعيدا عنها. فالدخيل والطارئ، تحديدا المدرسة والمدينة، هما ما يؤديان بالراوي الى الانسلاخ عن القرية والابتعاد عنها مسافة تجعلها تبدو لناظريه الآن اشبه باللغز الذي لا يمكن مقاربته الا بلغة الشعر.
ونحن يمكننا تتبع وقائع قصة الانسلاخ هذه والاحاطة بها طالما امكننا تحديدها ما بين لحظتين بالغتي الدلالة: دخول المدرسة والاقامة في العاصمة الفرنسية، اي ما بين لحظتين يتسنى للراوي خلالهما اكتساب لغة، او لغات تختلف عن لغة القرية: "بدت لي اللغة في المدرسة اغنى واكثر اتساعا من كل الحقول". واللغة سبيل معرفة وتواصل غير معهودين، وفاتحة عهد جديد. يقول الراوي انه في المدرسة وحدها تعلم انه طفل: "هنا تعلمنا واكتشفنا معاني أخرى للشجاعة، للضعف، للسلطة، للدفء، للذكاء. في المدرسة اصبح حمل السكين ممنوعا. في اختصار، شكلت المدرسة لنا عالما نقيضا لحزام وعوالمه الحادة. عالما يمكن فيه ان نضحك، ان نبكي، ان نتكلم، ان نلعب، ان نكون ببساطة اطفالا لا سكاكين".
واكتساب الراوي لطفولة مغايرة والسير في طريق تفضي به اخيرا الى المدينة، حيث يقيم لحظة الكتابة، هو ما يخوله كتابة قصة (سيرة ذاتية) يمكن تلمس آثار الزمن فيها والاحاطة بجوانبها. ونشوء هذه القصة، واكتمالها، على هذا الوجه، لا يرجعان الى حقيقة ان الكاتب يوجه السرد وجهة تتبع اخباره هو ومجريات حياته (كتابة السيرة)، وانما لأنه يروي قصة قوامها خبر الالتحاق بعالم يمكن سرد ما يجري فيه والتمثيل على موجوداته بلغة متواضع عليها. فأخبار الراوي نفسه لا تنال نصيبا من السرد اوفر من نصيب شخصيات أخرى، لا سيما شخصية حزام. واذا ما جاز تحديد بطل للرواية، فإن حزاما وليس الرواي، هو من يبدو البطل. فهو الذي تكنّى الرواية باسمه، ومن الاشارة اليه تبدأ وبموته تنتهي.
مع ذلك فإن شخصية حزام تبقى اقرب الى الطيف منها الى الشخصية القابلة للتحديد او التعريف.. "حزام الذي لن تروه" يقول لنا الرواي. وعلى وفرة ما نزود به من اخبار تتعلق بحزام، فإن قصارى ما يمكننا الخلوص اليه هو الحكم بأنه رجل رافض للتغيير، محافظ، ومنغلق على معنى للحياة جوهري وثابت: "الكلمات لدى حزام لا تحمل الا المعنى الذي يريده هو".
غير ان حكما كهذا لا يقربنا منه او يقربه منا، وحتما لا يكشف سره، او سر السحر الذي ينطوي عليه ويجعل الرواي غير قادر على الابتعاد عن صورته واخباره. فحزام مظهر، بل احد المظاهر الاساسية للعالم الذي يستعيده الرواي، بعد انقضاء اعوام عديدة، وبالتالي، لما بقي ثابتا وغامضا بما يعصى على الاحاطة والتمثيل، وما استدعى استلهام لغة الشعر. ولعل هذا ما يحض على قراءة "الحزام"، كما يأمل لها كاتبها ان تُقرأ، تحية لعالم بعيد، وتحية يلقيها على عالم جديد. (عن "الشرق الاوسط" اللندنية)
&
&
