1928م عام يحمل فى طياته علامات ودلالات تاريخية خاصة بالنسبة لتاريخ مصر المعاصر والشرق الأوسط،، سوف يتوقف عنده المؤرخون طويلا بالتناول والبحث والتحليل، ففى ذلك العام ولدت ثلاث شخصيات تاريخية لازالت كلها حية ومؤثرة حتى اليوم، ويتوقف مستقبل مصر والشرق الأوسط فى المنظورين القريب والمتوسط على ما تتخذه هذه الشخصيات الثلاث من قرارات وسياسات.

ففى يوم الجمعة الموافق 4 مايو عام 1928م ولد الرئيس المصرى محمد حسنى مبارك فى قرية quot; المصيلحة quot; بمحافظة المنوفية، وقبل ذلك التاريخ ب 67 يوما ولد أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل الحالى، حيث ولد فى يوم الإثنين 27 فبراير 1928 فى quot; كفر معلال quot; بفلسطين المحتلة ووقت أن كانت تحت الإنتداب البريطانى، و، وبعد مولد الرئيس مبارك ب 69 يوما ولد الأستاذ محمد مهدى عاكف المرشد الحالى لجماعة الإخوان المسلمين، والذى ولد فى quot; كفر عوض السنيطة quot; مركز أجا بمحافظة الدقهلية فى يوم الخميس 12 يوليو 1928، وهو نفس العام الذى تأسست فيه جماعة الأخوان المسلمين فى مصر، أى أن عمر الجماعة البالغ 77 عاما هو أيضا عمر كل من الشخصيات الثلاث: مبارك وعاكف وشارون، وقصص حياة هؤلاء الثلاثة المخضرمين هى أيضا قصة تاريخ مصر، وقصة الصراع العربى الإسرائيلى طوال ال 77 عاما الماضية!.

وإذا كانت مصادفات الأقدار قد جمعت بين مبارك وعاكف وشارون فى سنة ميلاد واحدة، وبالتالى إنتمائهم الى جيل أو أجيال واحدة إلا أن الفروق والإختلافات بين الشخصيات الثلاث أوسع وأكبر من مساحة رقعة quot; الشطرنجquot; الشرق أوسطية وأطول من أعمارهم!

الرئيس حسنى مبارك هو رئيس جمهورية مصر العربية أكبر دولة عربية بكل ما لها من تاريخ طويل، ودور ومكانة ونفوذ، وهو يختلف تماما عن أسلافه من الزعماء والرؤساء محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات ، فلا هو زعيم سياسى جماهيرى وقائد عسكرى كبير أصيب فى حرب من الحروب مثل نجيب، أو زعيم سياسى ذو quot; كاريزما quot; طاغية تخطت الحدود الجغرافية للقطر المصرى، واستطاعت مخاطبة الشعوب العربية من المحيط إلى الخليخ من فوق رؤوس حكامها وملوكها مثل الرئيس عبد الناصر، ولا هو ب quot; الرئيس المؤمن quot; والسياسى quot; الداهية quot;، الذى عانى التشرد ودخل السجون والمعتقلات فى شبابه مثل السادات، وإنما هو مواطن مصرى ذو خلفية وتاريخ عسكري كبير لا غبار عليه، شاءت الأقدار والمصادفات التاريخية أن يصبح رئيسا لمصر، وهو فى حكمه أقرب ما يكون إلى quot; رئيس مجلس إدارة quot; يحكم مؤسسة كبيرة، أو شركة كبرى من الشركات،... ليست متعددة الجنسيات وإنما بالتأكيد متعددة الهوى والهويات، وككل الشركات والمؤسسات العملاقة معظمها شركات مساهمة تتكون من حملة أسهم لهم جمعيات عمومية، ومجالس إدارات يشتركون جميعا فى حسابات الأرباح والخسائر، وبعضها الآخر شركات ومؤسسات ملكية خاصة بالكامل، وهناك أيضا شركات خاصة كبيرة تسمح بوجود أفراد مساهمين بنسبة محدودة، ولا يستطيع المرء أن يقطع على وجه التحديد أى نوع من الشركات أو المؤسسات يديرها الرئيس حسنى مبارك نظرا لتداخل بعض الخطوط وتقاطع العديد من الإختصاصات.!!، لكن الشىء المؤكد أن السلطات والإختصاصات التى يتمتع بها الرئيس المصرى تفوق السلطات التى يتمتع بها رؤساء دول وحكومات حتى فى أعرق النظم الديمقراطية فى العالم.!

والرئيس حسنى مبارك رجل ذو شخصية عسكرية من قمة الرأس إلى أخمص القدم، قوامها النظام الصارم والإنضباط الشديد فى عمله وحتى بعد خروجه من القوات المسلحة فى عام 1975 وتعيينه نائبا للرئيس السادات، ثم توليه رئاسة الجمهورية، وأعتقد أن لدى تصور أو quot; بروفيل quot; دقيق عن شخصيته ومراحل تطورها، لعبت الظروف والمصادفات دورا فى رسم معالمه وملامحه، فشاءت الظروف أن يكون لى أصدقاء منهم من تدرب على يديه كطيار حربى عندما كان حسنى مبارك قائدا للكلية الجوية، ومنهم من عمل بالقرب منه كمترجم فى قيادة القوات الجوية، ثم أتاحت لى ظروف عملى فى الصحافة والإعلام سواء فى مصر أو كندا أن ألتقى بشخصيات مصرية كبيرة عملت مع الرئيس مبارك سنوات طويلة من سفراء مرموقين الى وزراء ورؤساء وزارات،.. منهم من قضى نحبه، ومنهم من لا يزال على قيد الحياة..هذا بالإضافة الى متابعتى لرحلاته الخارجية وأحاديثه مع ممثلى رجال الصحافة والإعلام خارج مصر، كلها عوامل ساعدتنى بلا شك فى تحديد معالم هذا quot; البروفيل quot; عن شخصيته وأسلوب إدارته.

وقد خدم الطيار حسنى مبارك فى القوات المسلحة لأكثر من ربع قرن، وهو يحكم مصر قرابة ربع قرن من الزمان وحتى الآن، وهى أطول مدة حكم متواصلة لمصر منذ حكم محمد على فى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهو لا يميل إلى إتباع سياسة quot; الصدمات الكهربائية quot; أو إصدار القرارات الكبيرة المتسرعة، ولذا فهو يحيط نفسه دائما بطبقة كبيرة من المستشارين و quot; التكنوقراط quot; فى كل التخصصات، ويحسب له عدم الزج بمصر فى مغامرات عسكرية غير مأمونة العواقب، وهو لا يميل إلى التغيير إلا نادرا وقبيل quot; خراب مالطة quot; وأحيانا بعدها.،... وهو حين يتدخل بالتغيير يأتى تدخله مفاجئا وحاسما، وهو يتمتع بطول صبر وقوة احتمال قد تصل فى بعض الأحيان إلى حد الإستفزاز، ورغم ذلك ينطبق عليه المثل المصرى الدارج quot; قرصته والقبر quot;!

وحسنى مبارك أيضا شخصية عنيدة وقوية، ولا يحب الظهور الإعلامى أو الإدلاء بأحاديث صحفية بكثرة وإفراط، وأذكر أن الدكتور ممدوح البلتاجى فى لقاء معه عندما كان رئيسا للهيئة العامة للإستعلامات قد قال لى أن quot; الرئيس مبارك لا يدلى بأحاديث صحفية إلا إذا كان لديه شيئا يريد أن يقوله quot;.. وهو فى ذلك على عكس الرئيس السادات الذى كان يهوى الإدلاء بأحاديث لرجال الصحافة العالمية والإعلام خاصة مراسلى شبكات التليفزيون الأمريكية الواسعة الإنتشار.

وحول علاقات الرئيس مبارك بالصحفيين خاصة المصريين فهو يختلف فى أسلوب تعامله معهم عن الرؤساء السالفين، ولا يرتاح لفكرة quot; الصحفى الأوحد quot; ( عبدالناصر هيكل ) أو على طريقة واحد أو إثنتين من الصحفيين المقربين ( السادات موسى صبرى، والسادات أنيس منصور ) وإنما تعامل مع الكثيرين منهم حتى لا يعطى لأحد فرصة الإدعاء بأنه الصحفى المقرب أو المفضل أو quot; الأوحد quot;، وأذكر أننى فى أثناء زيارة لمصر فى عام 1998 أسر لى أحد كبار الدبلوماسيين المصريين والذى خدم عن قرب مع الرؤساء الثلاثة عبد الناصر والسادات ومبارك بأن الرئيس مبارك quot; لا يحب الصحفيين!! خاصة فى سنوات حكمه الأولى quot; ولما أبديت له دهشتى واستغرابى لما قاله استطرد موضحا : quot; لكن مع مرور الوقت أدرك الرئيس مبارك أن لهم فوائد، وان الصحافة قوة ndash; سواء المحلية أو العالمية، وأنه ليس من الحكمة أن يستعدى الصحافة والصحفيين quot;.

ولعل ما ذكره لى الدبلوماسى المخضرم يفسر لنا الحرية الغير مسبوقة التى تتمتع بها الصحافة المطبوعة فى مصر، خاصة صحف المعارضة فى السنوات العشر الماضية، فقد اختفت تقريبا كل المحاذير والخطوط الحمراء السابقة،وأصبح النقد على صفحات الجرائد يشمل تقريبا كل شىء وكل الشخصيات حتى شخصية الرئيس مبارك نفسه وأفراد عائلته!.. وبعد أن ظل الصحفيون والكتاب يشتكون سنوات طويلة من غياب حرية الصحافة الحقيقية، أصبحوا يشتكون بعد تمتعهم بحرية كبيرة من أن ما ينشرونه من فضائح وقضايا فساد ومخالفات كبيرة لا يجدوا له صدى عند الحكومة وكبار المسئولين، وأن الحكومة تتبع إزاء كل ما ينشر سياسة quot; التطنيش quot; أو quot; ودن من طين، وودن من عجين quot;!!

فى الواقع أن الإعلام الرسمى الحكومى ومعظم القيادات التى سيطرت على مؤسساته الصحفية طوال ربع قرن، بمباركة من النظام قد ساهمت فى quot; تلميع quot; الرئيس والنظام سنوات طويلة، وفى نفس الوقت ألحقت بهما أكبر الضرر، بعد أن تبين للعيان أن تلك القيادات كانت وهى تعمل فى خدمة الرئيس والنظام تعمل أيضا لحسابها بعد أن تعاملت مع المؤسسات الصحفية كما لو كانت إقطاعيات أو أبعاديات خاصة، ودون أى مراعاة لحرمة المال العام!!.. كما أن شغلها الشاغل كان منصبا على الشأن الداخلى والحفاظ على صورة quot; الرئيس quot; والنظام، ولم يكن إهتمامها بالشأن الخارجى وخاصة ما يفيد مصر كدولة وشعب فى الحسبان.!!

والرئيس مبارك الذى تغلب على شخصيته الكثير من صفات وطبائع العسكريين المحترفين كما ذكرنا من قبل ليس محنكا فى شئون السياسة الخارجية كسلفه الرئيس السادات، وهو هنا يعتمد على أقرب المستشارين إليه ألا وهو الدكتور أسامة الباز مستشار الرئيس للشئون السياسية، ووكيل أول وزارة الخارجية المصرية، ومدير مكتب الرئيس حسنى مبارك منذ أن أصبح نائبا للرئيس فى عام 1975 وحتى الآن.

والدكتور أسامه الباز خريج جامعة القاهرة، وجامعة quot; هارفارد quot; الأمريكية (فى القانون الدولى ) أرقى جامعة فى العالم، والشقيق الأكبر لعالم الفضاء المصرى العالمى د. فاروق الباز هو بحق مهندس السياسة الخارجية المصرية الأول طوال العقود الثلاثة الماضية، وأصعب مفاوض فى فريق المفاوضات المصرى فى أثناء مفاوضات قمة كامب دافيد فى عام 1978 بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة، بإعتراف الرئيس الأمريكى جيمى كارتر نفسه فى مذكراته، فقد ذكر كارتر أنه كان يضيق ذرعا بمواقف الدكتور أسامه الباز المتشددة عندما كان يناقش معه نقاط الخلاف الصعبة، وكان يفضل أن يتخطاه ويتعامل رأسا مع الرئيس الساداتquot;.

ومن المفارقات التى ذكرها كارتر أن العكس هو ما كان يحدث فى تعامله مع الطرف الإسرائيلى المقابل، فقد كان المتشدد الرئيسى فى الوفد الإسرائيلى هو مناحم بيجن رئيس الوفد ورئيس الوزراء، وأشار كارتر إلى أنه كان يتخطى بيجن عند مناقشة النقاط والقضايا الخلافية الصعبة، ويرتاح للتفاوض بشأنها مع موشى ديان وزير الخارجية، لأنه كان الوحيد من أعضاء الوفد الإسرائيلى الذى كان له قدرة التأثير على مناحم بيجين ويحعله أقل تشددا ويبدى قدرا من المرونة.

يمكن القول أن أسلوب الرئيس مبارك فى الحكم طوال الربع قرن الماضى يعتمد فى مجمله ويتوقف على الحفاظ على مجموعة توازنات دقيقة وحساسة سواء على مستوى السياسة الخارجية أو على مستوى السياسة الداخلية، وهو قد تولى الحكم فى أعقاب إغتيال الرئيس أنور السادات فى 6 أكتوبر 1981، ووسط ظروف سياسية وأوضاع غاية فى التعقيد والصعوبة، وفى وقت كانت معظم علاقات مصر مع البلدان العربية مقطوعة، إلا أنه استطاع وبمهارة أن يبحر بالسفينة إلى بر الأمان رغم شدة العواصف والأنواء.!

كما أنه تعامل مع خطر التطرف والإرهاب الذى أصاب مصر فى عقد التسعينات من القرن المنصرم بقوة وحزم، ودون هوادة أو لين.، وأما تعامله مع quot; الملف الدينى quot; سواء مع الكنيسة القبطية وقضايا الأقباط، أو مع جماعة الإخوان المسلمين فهو يبدو لكثير من المراقبين فى الداخل والخارج لغز الألغاز، على الأقل فى ظاهره، أما باطنه فيمكن فهمه فى إطار quot; لعبة التوازنات quot; الدقيقة، والتى تصب فى النهاية فى مصلحة النظام، فكل الخيوط فى يد الرئيس مبارك، ومؤسسة الرئاسة، وأول هذه الخيوط وأهمها هو خيط جماعة الإخوان المسلمين ndash; موضوعنا الرئيسى - والتى رغم علاقات التنافر والشد والجذب وأحيانا الصدام مع النظام الحاكم فى مصر منذ عام 1952 إلا أنها تظل بمثابة quot; السلاح السرى quot; فى يد الرئيس حسنى مبارك والنظام الحالى، الذى يزيده قوة، ويزيد جماعة الإخوان غموضا فوق غموضها القديم !!!، وهذا هو ما سنحاول أن نثبته ونستوضحه مع نهاية هذه الحلقات، والتى بدأناها فى الحلقة السابقة تحت عنوان : quot; الإخوان المسلمون وصراع الطبقات الجيولوجية السياسية فى مصر quot;
وللحديث بقية إن شاء الله.

مسعد حجازى
كاتب وصحفى مصرى كندى
[email protected]