إن الاعتقاد بالمهدي المنتظر مسألة غيبية شائكة و ظاهر العقيدة هو موضع اتفاق ليس بين السنة والشيعة فحسب بل بين الأديان والمذاهب، ولكن بواطن العقيدة وتفاصيلها هي موضع خلاف بين البشر عامة وبين أبناء الدين الواحد بل وبين أبناء المذهب الواحد أيضا.
والخوض في هذه المسألة يشبه الخوض في بحر لجي ما له قرار وقد يقع معها محذورات يمكن الاستغناء عنها لو تم التمسك بالظواهر فقط، فالخلاف عميق وقديم يعود إلى قرون عديدة وقد تمتد لقرون أخرى يستهلك جهود الأمة ووقتها وطاقاتها في أمر قد لا يفيد أحدا سوى المتربصين بنا الدوائر، وصارت تفاصيل هذه العقيدة مادة دسمة لأهل الأهواء والكلام وصار الناس في ذلك إما إلى جفاء وإعراض تام أو إلى غلو وإفراط، في الوقت الذي يأمرنا القران الكريم بعدم الغلو كما في قوله : يااهل الكتاب لا تغلوا في دينكم.
وصار أهل الكلام يخرجون الناس من مطب ويدخلونهم في غيره وقال احدهم لعن: لعن الله عمرو بن عبيد فانه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا ينفعهم في الكلام، وان الناس كانوا على قول واحد ودين واحد حتى نزغ الشيطان بينهم فألقى بينهم العداوة بالاختلاف فتباينوا وفي هذا يعجبني كلام للإمام مالك بن انس قال : من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب المال بالكيمياء أفلس ومن طلب غريب الحديث كذب.
وكان الإمام الشافعي يصف كتب الكلام بأنها ليست من العلم واشتهر عنه قوله : لو أردت أن أضع على كل مخالف كتابا كبيرا لفعلت ولكن ليس الكلام من شأني ولا أحب أن ينسب إلي منه شئ.
والحقيقة انه كما في الآيات القرآنية محكمات وأخر متشابهات يتبعها الذين في قلوبهم زيغ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله في حين انه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، فكذلك هناك في الأحاديث والروايات عدد هائل من المتشابهات التي أصبحت مادة غنية لمن في قلوبهم زيغ ويتبعونها لا لشئ إلا ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل، وهناك من أهل العلم من يتجرأ فيرد السقيم ولا يخوض في المتشابهات لان في الروايات المحكمة متسع لكل طالب، وهناك من يتخوف من رد الروايات استنادا لبعض النصوص فيبحث لها عن تأويلات ومخارج او ما يسمى بالتوجيه.
المهم في هذا الموضوع هو اتفاق المسلمين على ظهور المهدي في آخر الزمان وانه من ولد فاطمة عليها السلام وانه يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا، وان الأمة في انتظار ظهوره، وقد ثبت عند علماء الطرف الآخر بان المهدي هو من ولد الإمام الحسن وانه لم يولد بعد وان اسمه يواطئ اسم جده الرسول عليه الصلاة والسلام، و انتظاره على الطريقة الشيعية ليس من العبادات التي يؤجر عليها الإنسان، لذا نرى ان مؤلفاتهم في هذا الباب ليس بالكثير الوفير وهي مؤلفات تفيد العلم وليس العمل إذا صح التعبير، وعلى الطرف الآخر نجد الشيعة قد وقفوا على النقيض تماما وأولوا هذه العقيدة اهتماما منقطع النظير وألفوا ومازالوا يؤلفون فيها الكتب ويسطرون المقالات، حتى وقع بعضهم في محاذير بسبب كثرة الروايات واختلاط صحيحها بسقيمها وتوقف البعض عن إبداء الرأي فيها صراحة فاحتاجوا إلى التوجيه كما أسلفت فصار الانتظار من أفضل العبادات ووضع الفقهاء كيفيات لهذه العبادة كأن يكون الإنسان كما في منتهى الآمال للشيخ القمي مهموما ومغموما للامام المهدي سلام الله عليه ويدعو لحفظه من شر شياطين الجن والانس، وإعطاء الصدقة عنه لحفظه في أي وقت والحج عنه والاستنابة عنه.
وقد صاغ البعض عن الإمام روايات أشبه ماتكون بالأساطير، منها ما يتعلق بمكان سكناه وزواجه وذريته وما سيفعله عند ظهوره منها انه يقطع أيدي بني شيبة وانه يهدم المسجد الحرام ويعيد بناءه مرة اخرى.
ومما يذكر انه لما ولد عليه السلام عق عنه ابوه ثلاثمائة رأس من الغنم، وقال الذي ذكر الرواية : لعل هذا هو السر في عمره الطويل.
ومن الروايات الغريبة أقوال منسوبة للائمة يحتار المتخصص في توجيهها منها انه يقوم بالانتقام من اشخاص صدرت منهم امور في صدر الاسلام فيحملهم اوزارا لم يفعلوها.
وهناك إشكالية أخرى يمكن للعوام والخواص الاستغناء عنها دونما عناء ودون ان تترتب عليه تبعة وهي ادعاء الرؤية جهرة أو في الأحلام مع وجود رواية صريحة واخالها صحيحة وهي : من ادعى الرؤية فكذبوه ) وأهمية هذه الرواية تتجلى في كونها تقطع الطريق أمام مئات بل آلاف المدعين بالمهدوية والتاريخ حافل بذكرهم ومازال مدعو المهدي يظهرون في بقاع مختلفة من العالم، ففي صدر الاسلام أشاع أتباع محمد بن الحنفية انه المهدي المنتظر مرورا بما نسب إلى محمد بن النفس الزكية في زمن الإمام الصادق عليه السلام ووصولا إلى مهدي هذا العصر وهو الأشهر اعني نبي قاديان مؤسس الحركة القاديانية الذي ادعى بانه المهدي المنتظر والمسيح الموعود في ان واحد ومازال أتباعه ينعتونه بالمهدي مع انه قد مات واندثر قبل عشرات السنين دون ان يملأ جزءا واحدا من الارض قسطا وعدلا، وحتى ارض السودان لم تخل من مهدي، وفي الديار السعودية كلنا نتذكر محمد بن عبد الله القحطاني الذي ظهر مع عضيده جهيمان العتيبي داخل الحرم المكي قبل حوالي عقدين من الزمان وهو سلفي العقيدة فاعتصم مع انصاره وكانوا من جنسيات مختلفة في الحرم.
وهناك من لم يجرؤ على ادعاء المهدوية صراحة فادعى انه الباب إلى الإمام ومن أراد الإمام فليأت الباب وظل يستغفل البسطاء لتحقيق مآربه. أقول إن رواية من ادعى الرؤية فكذبوه ضرورية جدا لتسيير الأمور وفق الخط المرسوم لها ولكن ماذا نفعل أمام ما نقل عن الثقاة التقاة من كبار العلماء حول الرؤية ؟
وأعود إلى حالة أخرى وهي كثرة رؤية الإمام في الأحلام من قبل الموالين وعامة الناس وما زلت اسمع من فلان وفلان انه رأى الإمام في المنام يبشره أو ينذره أو يوجهه لفعل كذا وكذا ولا يريد البعض ان يصدق بان جل ما يرى في الأحلام هي انعكاسات للتفكير النهاري يخرجها العقل الباطن في عالم الأحلام هذا العالم السحري المدهش، والظريف باني التقيت بأكثر من واحد ومنهم علماء قالوا بان الإمام جاءهم في المنام يبشرهم بقرب ظهوره وانهم سيكونون من ضمن أنصاره وجنوده، على انني لا ألوم هؤلاء لانهم متأثرون ومحكومون بروايات تزرع فيهم هذا الأمر.
والحقيقة انا لم أجد في أحلامي ما يدلل على ان الظهور قريب، اعني بالقرب سنوات معدودة مع ان الظهور حاصل لا محالة ولكن ليس في المستقبل المنظور فالدنيا لم تملأ بعد ظلما وجورا بالكامل، كما ان هناك أكثر من مئة علامة تسبق ظهوره منها الأعور الدجال والسفياني وشروق الشمس من المغرب وغير ذلك.
لقد انقسم الناس في تفسيرهم للانتظار إلى مذاهب شتى بعضها غريبة وأغربها هو الدعوة إلى ملء الأرض بالفساد والظلم وأنواع المحرمات للتعجيل بظهوره، و لا ادري لماذا يتعجلون الأمر بهذا الشكل، وأما أجمل ما قيل في هذا الباب :ان الإمام المهدي عليه السلام هو الذي ينتظرنا لنكون على قدر المسئولية لكي يظهر باعتبار انه يحتاج إلى أناس يعتمد عليهم لهم مواصفات خاصة تؤهلهم ليكونوا أنصارا له، وأما أعقل ما قيل في هذا الباب هو ان الانتظار لا يعني الخنوع والخضوع للواقع وترك الحبل على الغارب، بل انه ممارسة الشئون الحياتية بالشكل الطبيعي والعمل على اقامة العدل والنظام وكل ما يفيد الإنسانية، في حين ان المسألة لا تتعدى كونها امرا غيبيا وهناك ساعة معينة لا يعلمها إلا الله تعالى واذا جاء أمره فلا يستقدم ولا يستؤخر، وعلينا ان نعيش حياتنا العادية و الإمام ليس في ضيق من أمره وانما هو منفذ مطيع لارادة الله تعالى. ثم ان هناك سؤالا ملحا وهو هل سنكون حقا من أنصار الإمام اذا ظهر ؟ فالامام علي ابن ابي طالب سلام الله عليه كان ظاهرا فلم ينصر بالشكل المطلوب من الناس حتى قتل شهيدا في المحراب والامام الحسن عليه السلام لجأ إلى ما لجأ اليه لقلة الناصر وكذلك الإمام الحسين سلام الله عليه كان ظاهرا فلم ينصره سوى قلة قليلة، وعندما علم الأئمة الآخرون ديدن الناس وأمانيهم انصرفوا عن السيف إلى القلم.
وانا شخصيا أميل إلى عدم الخوض في عمق التفاصيل واكثار نقطة العلم كما يقولون والاكتفاء بالظواهر لان ذلك يقربنا من عقيدة أهل السنة في الانتظار خاصة وان العالم كله في انتظار لان هذه العقيدة ليست شيعية بحتة وان اخواننا السنة حتى المتشددين كالشيخ ناصر الدين الألباني يؤمنون بها والجماعة الذين ينكرون وجود المهدي ليسوا هم فئة من أهل السنة وحدهم وليس هو احمد الكاتب بل حتى جعفر أخ الإمام العسكري والمشهور بالكذاب كان ينكر ذلك اذن فلا الايمان بهذه العقيدة جديدة ولا إنكارها جديد.
أقول لسنا وحدنا في الانتظار فحتى الدروز واليهود والنصارى ينتظرون بل وحتى الإنسان الذي لا دين له ولا معتقد ينتظر بالفطرة لصبح مشرق ويحدوه الأمل بغد أفضل بلا مشاكل وينقضي عمره دون ان تخبوا عنده جذوة الأمل.
مشكلتنا هي اننا امة ابتليت بالخوض والجدال والمراء واكثر جهدنا ينصب في هذا المنحى واذكر مرة سألني شاب كان مسكونا بالشبهات عن مصير الإمام المهدي عليه السلام وهل صحيح ان امرأة من بني تميم تقتله فنصحته بعدم الخوض في تفاصيل معرفتها لا تنفع وجهلها لا يضر والاكتفاء بالظواهر لان ذلك قد يجر إلى محذورات والى اسئلة ليس لها جواب، وقد قبل الشاب مني النصيحة بعدم الخوض في أمور لا نسأل عنها يوم القيامة. قال تعالى: وان جادلوك فقل الله اعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون.
نحن في الحقيقة نحتاج إلى تعلم فن التعامل مع المجتمع واخذ الأمور المشتركة في عقيدة المهدي عليه السلام وجعلها أساسا للتوحد وليس للتفرق والامام المهدي ليس امام الشيعة بل انه امام المسلمين اجمع ويكفيني من اخي السني انه ينتظر ولا يهمني ان كان يعتقد بان المهدي مولود ام انه سيولد فهو مستور عنا جميعا في كلتا الحالتين، ويحضرني هنا قول للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر رحمة الله عليه : ليس المهدي تجسيدا لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب بل هو عنوان لطموح اتجهت اليه البشرية بمختلف اديانها ومذاهبها وصياغة لإلهام فطري أدرك الناس من خلاله - على تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب ان للانسانية يوما موعودا على الأرض تحقق فيه رسالات السماء مغزاها الكبير وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للانسان على مر التاريخ استقرارها وطمأنينتها بعد عناء طويل.
نعم نحن نحتاج إلى المهدي عليه السلام ونريده ان يظهر، ولا سيما في زمن العولمة الذي نعيشه حيث محطات البث التلفزيوني وأجهزة الاعلام تنشر لنا يوميا صورا مفزعة واخبارا مروعة تصور قسوة الإنسان تجاه أخيه الإنسان وممارساته لأبشع صور الظلم والقتل والتشريد والعدوان، قتلى هنا جرحى هناك، تفجيرات وتهجير واراقة دماء بين أبناء الدين الواحد والقومية الواحدة والوطن الواحد بل في البيت الواحد وارسل الله تعالى مئة وعشرين الف نبي لهداية البشرية ولكن الناس ضيعوا جهود هؤلاء وتمسكوا بقشور الرسالات وانه على اي حال دفع الله الناس بعضهم ببعض ولو شاء ربك لجعلهم امة واحدة ولكنه تعالى يأمرنا بان لانكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، ولتكن هذه العقيدة الشريفة جامعة لنا عملا بقوله تعالى ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين.)، والفصل بين الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا يكون في يوم القيامة.
أقول ان عقيدة الانتظار عقيدة جميلة تروي ظمأ الأرواح وتنعش النفوس المتعبة واسال الله ان يجعلنا من أنصاره اذا قدر له الظهور ونحن أحياء وان يجعل عواقب أمورنا خيرا ان لم ندركه.
[email protected]
الخلاف حول المهدي وهم مفتعل
هذا المقال يحتوي على 1691 كلمة ويستغرق 9 دقائق للقراءة
