تساءل شاعر العربية قبل أكثر من عدة قرون قائلاً :
عيدٌ بأيّة حال عدت يا عيد لأمر مضى أم فيك تجديد
واذا ما أجبنا نحن القابضون على الجمر في فلسطين الذبيحة، على تساؤل المتنبي فإننا سنقول : نعم عندنا جديد وتجديد في عيد هذا العام، ولكنهما quot; الجديد والتجديد quot; على عكس ما كان يريده المتنبي.
فالجديد عندنا أن شعبنا يعيش حالة حصار ظالم منذ آذار الماضي أوصلته الى المجاعة، ويشارك في هذا الحصار العالم أجمع بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية الشقيقة. والحصار الخارجي جاء ليتكامل مع الحصار الداخلي، فجدار التوسع الاحتلالي قسّم الضفة الغربية الى كانتونات محاصرة من كل الاتجاهات، ولا يستطيع الانسان دخولها او الخروج منها إلاّ عبر بوابات حديدية يحرسها عساكر الاحتلال، ويفتحونها متى يشاؤون، ويغلقونها متى يشاؤون أيضاً، وقد تكون هذه المشيئة رهناً بمشيئة ومزاج جندي احتلالي، ومن كان يصدق قبل الحصار أن يقف أطباء ومهندسون موظفون في وزارة السلطة الفلسطينية في قطاع غزة ومقطوعة رواتبهم جزاء الحصار ليحصلوا على كوبون مساعدة من وكالة الغوث أو مؤسسات انسانية تؤهلهم الحصول على شوال طحين وبضعة كيلو غرامات من السكر والأرز ليطعموا ابناءهم ؟؟
والجديد عندنا هذا العام أن حصار القدس الشريف قد أصبح كاملاً متكاملاً بجدار العزل التوسعي الاحتلالي الذي يبلغ ارتفاعه تسعة أمتار ونصف، وأن العبور الى المدينة بات أمراً مستحيلاً حتى ولو كان ذلك لآداء صلاة الجمعة، حتى القرى المقدسية الواقعه خارج حدود البلدية حسب التقسيمات الادارية للاحتلال، وخارج جدار التوسع الاحتلالي مثل : أبو ديس والعيزرية وعناتا والرام وبيت حنينا القديمة والتي تبعد عن القدس أقل من خمسة كيلومترات لا يستطيع مواطنوها آداء الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، أما صلة الأرحام وزيارة الأهل للفلسطينيين المقدسيين وأبنائهم القاطنين خارج حدود البلدية فقد أصبحت سرابا لا يروي ظمأ.
والجديد في الأراضي الفلسطينية أن الأطفال هذا العام لن يلبسوا الملابس الجديدة ولن يحصلوا على الهدايا والألعاب لضيق ذات يد الوالدين، والجديد أيضاً أن بناتنا وأبناءنا الطلبة لم يبدأ عامهم الدراسي حتى هذه اللحظة نتيجة لاضراب المعلمين الذين لم يحصلوا على رواتبهم منذ اكثر من سبعة شهور، وهكذا ضاع ربع العام الدراسي على حوالي مليون ونصف المليون طالب فلسطيني، لتكتمل حلقة معاقبة الشعب الفلسطيني ولتمتد نتائجها الى أجيال قادمة من خلال تجهيل أبناء هذا الشعب الذي كان سبّاقاً بين شعوب المنطقة في التحصيل العلمي.
ولن تفرح غالبية الأسر الفلسطينية بخاروف العيد هذا العام لضيق اليد، وقد يستطيع بعضهم استبدال الخاروف بدجاجة تصيح بالعبرية الفصحى لأنها من انتاج الكيبوتسات الاسرائيلية،اما البعض الآخر فسيكتفي برغيف خبز وكأس شاي من المعونات الاجنبية،والاستثناء طبعا للصوص المنظمات غير الحكومية الذين سرقوا حتى التخمة وتلقفتهم الفضائيات لتقدمهم كقادة للشعب الفلسطيني،فهؤلاء سينحرون الذبائح وسيفتحون صناديق الويسكي،وسيظهرون بمظهر المحسنين،وربما سيصلون صلاة العيد اذا ما كانت هناك فضائيات ستغطي quot;تقواهم وورععهمquot; وسيتحدثون عبرها عن معاناة الشعب متباكين على حقوقه التي لن يستطيع احد غيره استعادتها.
وفوق هذا وذاك هناك آلاف الأسر خصوصاً في قطاع غزة التي يمر عليها العيد وهي تلتحف بطانيات الصليب الأحمر والسماء وتفترش الأرض بعد أن هدمت بيوتها تجريفاً أو تحت القصف المدفعي والصاروخي أو الجوي.
وما بين العيد الماضي والعيد الحاضر سقط مئات الضحايا الفلسطينيين الى قمة المجد ليتركوا أمهات ثكلى وأرامل في عمر الزهور وأطفالا جار عليهم الزمن، وسقط آلاف الجرحى الذي يتعانق أنينهم مع أنين المسجد الأقصى الذي نخرت الحفريات الاسرائيلية أساساته، وليتعانق مع صيحات أكثر من عشرة آلاف أسير خلف القضبان في ظروف لا انسانية.
وتبقى دول quot; العربان quot; مشاركة في حصار الشعب الفلسطيني فلا تستبشري يا قدس ولتردد مآذنك quot; وظلم ذي القربى quot; الى أن يقضي الله أمراً نأمل أن يكون قريباً.
أما التجديد عندنا يا قرّاء شعر المتنبي فهو الاقتتال الداخلي الذي نأمل أن يضع اتفاق فتح وحماس يوم الجمعة اليتيمة من رمضان خاتمة له، فهذا الاقتتال الذي حصد أرواحاً حرّم الله ازهاقها، وبعض هذه الأرواح أُزهقت في شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى ورحمة للعالمين.
ومرارة التجديد أن هذا الاقتتال جاء على خلفية الصراع على سلطة تحت الاحتلال، لا تملك من السيادة والسلطة شيئاً، وبما أن الرسول صلوات الله عليه يقول quot; لا يُقتل المسلم الاّ بإحدى ثلاث : النفس بالنفس، والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعةquot;، ويقول صلوات الله عليه بأن هدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من قتل امرىء مسلم، ويقول عليه الصلاة والسلام quot; من قتل نفساً بغير حق، فكأنما قتل الناس جميعاً quot; و مع ذلك فانه يأتي عندنا من يمارس القتل خلافاً لتعليمات الله ورسوله، وعقوقاً لشعبه ويعتبر ذلك جهاداً !! وماذا سيقول لربهم القتلة عندما يلاقونه ؟؟ أسيقولون بأنهم قتلوا الصائمين المصلين طمعا في سلطة لا سلطة لها ؟
وكلما طال الحديث عن جديدنا وتجديدنا يا عيد كلما ازدادت آلامنا وهمومنا ولن نتحدث عما يجري للشعب العراقي الشقيق فذلك يُدمي قلوبنا زيادة على ما هي عليه، ومع ذلك فإننا نقول لأبناء شعبنا وأبناء أمتنا وللبشرية جمعاء quot; كل عام وأنتم بخير quot; ونصلي لله أن لا يقع أي شعب كائناً من كان تحت أي احتلال أجنبي
جميل السلحوت
