ما حكم المرتد في الإسلام هل يجب قتله؟ أم إن هذا يدخل في باب حرية الإعتقاد ولا يجوز لأحد كائن من كان أن يمنع أي إنسان من إتباع أي دين يراه صحيحا ومقنعا.
قبل أن نجيب على هذا السؤال يجب أن نعلم بأن كل الناس قد خلقوا على أمور فطرية يستندون إليها في حكمهم على ما يجوز وما لا يجوز مما يواجههم من مواقف وأحداث في حياتهم ويعبرون عن فطرتهم وعن ما يتوافق معها بالقول هذا منطقي أو هذا طبيعي أو بديهي أو ما شابه وما اختلف مع فطرتهم يقولون هذا غير منطقي أو غير طبيعي أو غير بديهي وغيرها من التعبيرات والتي تجري بألفاظ مختلفة بإختلاف لغات العالم لتعود وتتشابه في معانيها ودلالاتها.
فجميع الأديان جاءت لتؤكد هذه الفطرة وتظهرها ولتمسح الغبار عنها وعما لحق فيها من خلل وتغيير والإسلام واحد من الأديان الذي أكد على أهمية الفطرة واعتبرها الدليل على ما جاء وفيه والحجة على من كفر به فها هي آيات القرآن الكريم تؤكد ذلك وتستشهد فيه ومنها
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: 30]
فهنا جاء لفظ الفطرة واضح جلي لا لبس فيه وتم التأكيد على أن جميع الناس قد فطروا عليها، وهناك الكثير من الآيات التي أشارت وتطرقت إلى الكثير من الامور التي فطر الله عليها الناس ومنها
َلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت: 61]
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [العنكبوت: 63]
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [لقمان: 25]
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: 38]
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: 9]
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف: 87]
كل هذه الآيات جاءت تحمل أسئلة لا يملك الناس عليها إلا جوابا واحدا وهو أن هناك خالقا قد خلق كل شيء ومن خالف فطرته وادعى بغير ذلك فلا يستطيع أن يقنع نفسه ولكن قد يستطيع ان يحتال عليها وهو حر بذلك وليطمئن فلن يحاكمه أحد بتهمة الإحتيال والتزوير ولكنه لن ينجو من طوفان التناقضات التي ستثور بداخله ولن تهدأ بعده أبدا ولن يرتاح إلا بتخدير نفسه للتقليل من نشاطها ومن كثرة تساؤلاتها والتي لا تجد عليها جوابا يشفيها ويقنعها
ولكن ما علاقة الفطرة بحكم المرتد؟ وهل الفطرة بداخلي وداخلك لديها جواب عن حكم المرتد في الإسلام أو في غير الإسلام؟ نعم لديها جواب ولكن تأكد قبل كل شيء بأنك تستنطق فطرتك وليس شيئا آخر غيرها وحتى اتأكد من أنك سوف تعود لفطرتك سوف يكون سؤالي للمسلم ما حكم من ترك دينه ودخل في الإسلام؟ وسيكون سؤالي للمسيحي ما حكم من ترك دينه ودخل في المسيحية؟ ونفس الأمر لليهودي والبوذي والمجوسي وغيرها من الديانات
أنا متأكد بان الغالبية سيبارك من يدخل في دينه لان هذا شيء فطري وسوف ينفر ممن يرتد عن دينه ولكن لن يصل فيه النفور إلى حد قتله وهذا أيضا أمر طبيعي وفطري ولكن الغير فطري هو أن يقوم بقتل من ارتد عن دينه ليسلب الآخرين حريتهم لا لشيء ولكن لتعصبه للدين الذي يراه صحيحا وهذه هي المشكلة
كما أكدنا سابقا فإن الإسلام جاء يتماشى مع الفطرة ومن أكثر الأمور الفطرية هي الحرية فكل إنسان حر بما يعتقد حر بما يؤمن ولا يجوز لأحد أن يجبر الناس على الإيمان بما يراه صحيحا حتى لو كان هذا الشيء صحيح
ولعل الآيات التالية توضح هذا المبدأ بشكل واضح وجلي:
لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 256]
هذا هو المبدأ الذي نادى فيه الإسلام والذي لا يتعارض قيد أنملة مع فطرة الله التي فطر عليها الناس
فكما ترى بأن لكل إنسان الحرية في تبني ما يراه وما يريده في الدنيا ثم يحاسبه الله في الآخرة وليس نحن فالله سيحاسب الجميع عن معتقداتهم وأفكارهم يوم القيامة وهذا من سنة الله إذ أن الله قد أعطى لكل إنسان الحرية في إختيار طريقه وبناء على هذه الحرية في الإختيار فقد استحق المؤمن الثواب واستحق الكافر العذاب
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان: 3]
وهناك الكثير من الآيات التي اكدت بأن الله هو من سيحكم بين الناس فيما اخلفوا فيه ومن هذه الآيات:
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [البقرة: 113]
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الحج: 69]
أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر: 3]
قد يقول البعض أن جميع ما ذكرناه صحيح لغير المسلم أما لمن كان على الإسلام وارتد عنه فلا تنطبق عليه كل هذه المسلمات وهو غير حر في تبديل دينه إذ أنه قد فقد حريته بكونه مسلما ولعل هذا انتقاص للإسلام فمتى كان المسلم يخسر حريته بإسلامه ومتى كان للمسلم ان يكون أسيرا وهو يعلم بأن دينه هو دين الله الذي فطر عليه الناس فالمسلم هو أكثر الناس معرفة بحرية الدين والإعتقاد فالإسلام لم يمارس السطوة والإرهاب و الإجبار ضد أي أحد لإعتناق الإسلام وإنما بعض المسلمون هم من قاموا بذلك وألصقوه بالإسلام والإسلام منه براء
وإليك عزيزي بعض الأدلة من آيات القرآن الكريم
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً [النساء: 137]
فالله لم يأمرنا بقتلهم ولا سلطة لنا عليهم فهم أحرار وحسابهم عند الله عز وجل وبعد هذا يخرج علينا البعض ليتشدقوا بتمسكهم وحرصهم على تنفيذ شرع الله في المرتد بقتله ولا اعلم من أين جاؤوا بهذا الشرع.
ولمزيد من التوضيح والشمولية دعونا نستعرض هذه الآية:
وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ [التوبة: 12]
َلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ [التوبة: 13]
هذه الآية تشير إلى وجوب قتال من ينقذ عهده مع المسلمين وليس بوجوب قتل من كفر من المسلمين إذ لم يقاتلنا لأن كلمة أيمانهم (بفتح الهمزة) كما جاءت في الآية 12 أعلاه من سورة التوبة تعني العهد وتختلف عن كلمة إيمانهم (بكسر الهمزة) والتي تعني الإيمان بما أمرنا الله فيه هذه من ناحية ومن ناحية أخرى كلمة قاتلوا تعني المشاركة في القتال وهذا لا يكون إلا في الحرب والمعركة ولو كانت الآية تشير إلى حكم قتل المرتدين لكانت كلمة اقتلوهم أوجز وأبلغ.
فسبحان الله كيف يستشهد بغض العلماء والشيوخ بهذه الآية والتي لا صلة لها من قريب أو بعيد بحكم المرتد عن الإسلام بل على العكس هي دليل دامغ على خطأ ما يدعونه
وأخيرا بقي أن أشير إلى أن البعض يستشهد بالروايات والتي لا يملك ذو العقل الراجح ان يلقي لها بال ولا قيمة وأستغرب ممن يصدقون الروايات ويتركون وراء ظهورهم هذا الدليل القرآني المحكم والمتناسق والمتناغم بين آياته والتي جاءت موضحة ومبينة لقانون آلهي لم تجد النفس السوية أي مشكلة في تقبله وتصديقه بعد ان وافق فطرتها وارتاحت له بال ونفس المؤمن
أحمد الأحمد
كاتب أردني
