لا احبذ كتابة المقالات التي تتناول اليومي من الاحداث، لكن فروضات الكتابة ليست خاضعة لقوانين الرغبة المطلقة والارتجال المتناكب لاشغال دَور العرض، والظهور على الخشبة. الكتابة وان كانت متعة وفن إلا ان مخاضها وهمومها اكبر بكثير. هذا في ما يخص الكتابة المسئولة الهادفة المستشرِفة لافاقٍ بعيدة للمستقبل.


كنت، بيني وبين نفسي، اراهن كثيراً على التسويف، لملامسة وملاقاة المدى الذي يرفد الينا في الشرق بالعقلانية والسلم والاتفاق على كينونة مشتركة بيننا، اننا جميعاً بشر ومن طينة واحدة. على مدار الايام والساعات احدث نفسي ان موجة عقلانية، وانسانية راقية لابدّ وان تمر بالشرق، حيث يئن تحت وطأة صراعات محلية، حزبية وقومية ودينية واقليمية وما الى ذلك.
لكن وكما ادور في تلك الافلاك من تلاوين الفكر والامنيات، تنتابني كثيراً احاسيس اليأس في طريق الحج الى ذلك.


وغريب امرنا في الشرق، شعوب تملك كل الامكانيات والثروات وهي تعيش الفقر والمعاناة والعذاب. وغربٌ وان لم يكن بمالكٍ لكنوز كتلك التي تستقر في بطون اراضينا، لكنه في دأبٍ مستمر لتفجير الجديد: كل مشروع يضيف البهاء والزينة والحياة الى الحياة.
العنصرية والتعصب من افتك الامراض المنتشرة اليوم بيننا. وعلينا تبيان ذلك، وخصوصاً ان هذا المرض لم يوفر طبقة دون غيرها او مللة دون أخرى.
بالاطلّاع على ايلاف كتّاباً وقرّاءً يتبين ان المرض المذكور منخرٌ في الاعماق.
تجد في ضفةٍ كتّاباً تكاد تلمس تشنج الاوتار في انفاسهم مكدودةً الى عباءة القومية او الطائفة او الحزب. وفي ضفة أخرى قرّاءً لا يستكين في احتفالهم صخب الهتاف والزعيق والتصفير للجماعة التي ينتمون اليها، سواء كانت قومية او وطنية او دينية او ما الى ذلك من كينونات تحولت عندنا اليوم الى ترهات، وخسائر واكلاف على كاهل الحياة والانسان معاً.


في كُردستان تحكم سلطة غارقة في فسادٍ رهيب يُمشط يومياً حياة الفقراء وآمالهم بجرافات الظلم والاهمال نحو مزابل الحرمان، لتستقر في ليالٍ حلكاء خاوية لا تمدّ الشعب الا بحرّ الصيف وبرد الشتاء.
كان هناك استنكار عظيم، وحركة عصيان ضد الفساد بدأت تتململ بين اطباق العذاب. كتابات كثيرة ضد الانحطاط السياسي، وشجب واحتقان جماهيري، وحركة ثقافية بدأت تنشط لتشدّ الانشوطة حول رقبة المستحكمين بالسلطة في تلك البقعة الجريجة: كُردستان حيث المأساة من كل جانب.
لكن كل ذلك وفي ليلة وضحاها خمد لهيبه حين بدأت جولة أخرى في حفلة العنصرية القومية، حيث ما زال الاتراك والاكراد خلف متاريس التعصب يبتهجون بالنيل من بعضهم البعض حد النشوة، والزهوّ والفرح بالانتصار/ الوهم وهم عن جوهر الحياة غافلون.
كان الاكراد في جنوب كُردستان، على وشك المواجهة مع احزابهم الفاسدة التي سلبت منهم حق الحياة كبشر. لكن اردوغان شاء ان يكون منقذاً لآل الظلم ناجياً اياهم من نقمة الشعب، فكان ان هيّج عساكره اللذين دفعهم الجوع والاجبار الى التعلق باستار العسكريتاريا، علّهم سينالون الخلاص يوماً، وكان فلتان قادة الاكراد من حسابٍ غليظ!
نسي الاكراد قادتهم الفاسدين، لان الخطر الاكبر وهو الحملة الهوجاء للجار المدمن على المضي في تلك الانفاق التي مضى فيها زعماء الشرق وسلطاته، بدأ يهدد وجودهم ومصيرهم. وهم اي الاكراد محقون في ذلك لا محال.


وكان الامر بمثابة هدية نازلة من السماء لقادة الكُرد والمسئولين، والسلطة الفاسدة التي لم تنجز في خلال سبعة عشر عاماً سوى المزيد من الكوارث، لشعب لم تنصفه الحكومات القومية/الوطنية الفاشلة والظالمة على مدى قرن من الزمان.


وفي الخفاء بدأت حفلة هؤلاء الفاسدين. لِمَ لا والشعب نسيهم في الحدث، وشلل اللصوص والمجرمين اختفت في هودج الضباب الاردوغاني البغيض في حملة فاشلة لن تجن غير الهلاك. ولكن البرهان على انفصال الشعب الكُردي من قيادته في كُردستان، ونقصد الحزب الديموقراطي والاتحاد الوطني الكُردستانيين، روحياً وسياسياً هو العدد القليل من الناس في الخروج الى التظاهر ضد الحملة التركية، بالرغم من اجماع الكُرد على التصدي للحملة والجهوزية لذلك.


في اسبوعية (ميديا) باللغة الكُردية وهي اسبوعية مرموقة في تناول الشأن الكُردي لفت انتباهي حادثان، اولهما مقابلة مع ارملة شهيد كُردي وثانيهما حال فتاة يتيمة مسكينة قضت ولم تزل، نصف عمرها في زنزانة حزب قومي كُردي وطني (اطلق سراحها آخر شهر اوكتوبر في هذا العام).
في عددها 309 في 2/10/2007 اجرت ميديا مقابلة مع ارملة (مامه ريشه) الذي سطر ببطولاته تاريخاً مشرفاً للمقاومة الكُردية. مامه ريشه الذي قاتل في صفوف الفلسطينيين شأنه شأن المئات من المقاتلين الاكراد الذين افتدوا في سبيل تلك القضية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، قُتل على يد كُردي عميل للنظام العراقي الذي لم يكف يوماً في الهتاف بقضية فلسطين، وجعلها مطية لاغراضه واهوائه. فلسطين اليوم نفسها تئن في الدماء والخراب بيد ابنائها القوميين تارة والاسلاميين تارة أخرى في حفلة التعصب والعنصرية هناك ايضاً. احدهم فلسطيني، وعلى غرار الكثيرين منهم تعصباً لعروبة فارغة ونظامٍ ميت، وقف كما كان ضد الوجود الكُردي جملة وتفصيلا، صارخاً بذلك في مقالٍ له في جريدةٍ عربية بلندن اعيد نشره على ايلاف قبل اكثر من اسبوع. الرجل نفسه الذي يعيش خريف عمره كتب في محنة الهجرة المليونية للاكراد عام 1991 ثرثرة سمّاها قصيدة، لم ينتبه في كل الحدث والمأساة تلك إلّا للمعونات الاغاثية للمشردين في الجبال والوديان: quot; يهبط الدجاج المثلج فاقداً رشدهquot; كما قالها ذلك الجهبذ في كلمات لملمها في قاع الوحل والسخف! ففي ما يقارب عقدين من زمن لم يتغير موقف (كبير المثقفين الفلسطينيين: حملاً على العمر لا العقل!) من اناسٍ لهم حق الوجود كما له ولغيره. بالطبع هناك قلة قليلة ايضاً من فلسطينيين وآخرين فضل الله عليهم بالشفاء من آفة العنصرية ويكتبون شطر الخير اينما كان.


مامه ريشه قاتل دفاعاً عن الوجود الكُردي بشجاعة يندر لها مثيل في التاريخ المعاصر، تعاني ارملته اليوم صعوبات الحياة ومعاناة البقاء: quot; لولا اعيش مع امي لما استطعت انجاز النفقة على نفسي، اعاني الحرمانquot; تضيف قائلة!


وفي نفس العدد وفي مقابلة مصورة مع فتاة كُردية ذي اربعة وعشرين عاماً تقرّ (شلير امين) انها بريئة حين اوفدها مسئول كُردي، وهي ابنة اربعة عشر عاماً، مفخخةً بالمواد المتفجرة لغرض اغتيال رئيس برلمان كُردستان السابق. المسئول الكُردي هو احد النافخين في بوق القومية والديموقراطية.
شلير امين لم تفجر نفسها وسلّمت نفسها الى السلطة آمنةً مطمئنة، وهي تشرح كيفية العملية التي رفضت القيام بها، كان ذلك عام 1997.


شلير يتيمة عائلة، لم يبق لها فيها سوى اختين تعيشان مغتربتين مع ازواجهما، ارادها المسئول الكُردي كبش فداءٍ لنزواته في الصراع الداخلي مع المشتركين معه من ابناء القومية الواحدة في (النضال القومي).
شلير اليوم كبرت في الحرمان والحزن والمأساةquot; كان علي الانتظار 20 دقيقة وانا جالس امامها ريثما تنتهي من البكاءquot; يقول الصحافي الكُردي. خضعت شلير لاربعة عمليات جراحية وهي بحاجة الى خامسة. لكنها منذ عشرة اعوام تنتظر النجاة، إلا ان المحكمة فرضت ستة اعوام سجن على شلير. والحكم اذ انقضى في ضعفين من المدة والعذاب ألا ان الفتاة اكملت عشرة اعوام رهن الأسر تجرّ الحسرة!
هذا ما تفرزه وتنتجه لنا الهلوسة القومية والصراعات الداخلية، تارة بين ابناء القومية الواحدة وتارة بين قوميتين كالاكراد والاتراك في الوقت الراهن. فالاتراك المتحمسين لمواجهة الاكراد ذبحوا في امسٍ قريب اخوانهم الترك في صراع دموي بين حزب الذئب الأغبر (القومي التركي ـ دولت باغجلي رئيساً) واليساريين الذين قادهم طويلاً الراحل بولند اجاويد. في اسطمبول احمرّت الشوارع بدماء الاتراك المراقة بأيادي الاتراك انفسهم مما دفعت بارملة السيد اجاويد قبل اعوام الى الاحتقان من تحالف زوجها مع من تلطخت اياديهم بدماء رفاق حزبها. هذه وقائع حياتنا نحن الشرقيين فهل من منتصرٍ في الحملات الهوجاء؟
قادة الاكراد الفاسدين هم المستفيدون الاوائل من الهيجان القائم. هناك مستفيدون آخرون، ولولا الاطالة لتحدثت عنهم. ولكنهم باختصار: المؤسسة العسكرية التركية الفاشلة والمتسلطة بالقوة على رقبة البرلمان والحكومة التركيين. الارمن وقضيتهم المتداولة دولياً اليوم. اليونان بقبرصه وبلغاريا. ايران في وجود متنفس آخر لها في الصراع مع امريكا. والخاسرون دوماً هم: شعوب الشرق اينما كانوا.
وليستمر المتعصبون والعنصرييون في احتفالاتهم الصاخبة، فهي لن تجلب في نهاية المطاف سوى ليلٍ احلك ظلاماً وغدٍ اثقل دهرا. ماذا ينفع فقرائنا واناسنا انتصار جيوشنا وميليشياتنا في ساحات الخراب؟!

علي سيريني

[email protected]