إسرائيل هي اليهود واليهود هم إسرائيل
منذ قيام دولة إسرائيل الحديثة هاجر من حول العالم ما يقرب من ثلاثة ملايين يهودي ليمارسوا حياتهم في أرض الميعاد، ومن ضمنهم 10 آلاف يهودي أسترالي، حفّزهم على ذلك الحنين لكي يكونوا جزءاً من الدولة الناشئة، محقّقين بذلك الحلم الذي طُبِع في أذهانهم على موائد الطعام بواسطة ثقافة يهوديّة خاصّة، وبزيارات كانت تطول وتقصر حسب الظروف للدولة الوليدة. وسّميت عمليّة الهجرة تلك: quot;إليا ـ Aliahquot; وتعني بالعبريّة: quot;العودة ـ الإياب ـ الرجوعquot;.
ومثّلتْ تلك الهجرة المثل الأعلى للحركة الصهيونيّة في تحقيق التزامها بتأسيس وحماية ونصرة أرض الميعاد اليهوديّة القديمة حسب quot;المجلس الفيدرالي الصهيوني الأستراليquot; المناط به المساعدة في عمليّة الإستيطان، والتأقلم.
والجدير ذكره فإنّ نسبة المهاجرين من أستراليا تفوق تلك التي من أي بلد أوروبي آخر، وقد يبدو هذا الأمر محيِّراً بالنسبة للمراقبين أن يعمد اليهود الأستراليّون إلى استبدال حياتهم الوادعة في ضواحي سيدني وغيرها من المدن الأستراليّة بحياة في أرضٍ غريبة غالباً ما يشاهدون عنفها وإرهابها على شاشات تلفزيوناتهم من دون أن ينتبه أولئك المراقبون أن ذلك ناشئ عن ارتباط عقيدي ونفسي يكمن في قلب الهويّة الثقافيّة الإثنودينيّة لليهود.
وقد أفرز ذلك الولاء المطلق لأرض الميعاد إرادةً جامحةً للدفاع عن أمن إسرائيل لا حدود لها، وأدّى ذلك أيضاً إلى خنق أي نقاش داخل الجماعة حول صوابيّة سياسات إسرائيل الخارجيّة والداخليّة سواء بسواء.
هذا ما تعتقده quot;لويز أدلرquot; رئيسة دائرة المطبوعات في جامعة مالبورن، ويشاركها الإعتقاد إيّاه مجموعة من الشخصيّات اليهوديّة البارزة أمثال الصحافي quot;أنطوني لونستينquot;، والمفكّر quot;بيتر سينغرquot;، والقاضي quot;روبرت ريتشارquot;. وقد وجّه جميع هؤلاء نداء لإجراء نقاش أكثر انفتاحاً حول معاملة إسرائيل للفلسطينيين عموماً.
وأشارت صحيفة quot;أخبار يهود أسترالياquot; إلى أن لغة النداء المذكور تشبه نداء الأمّهات لأبنائهنّ الأطفال... على عكس الضجّة التي أثارها في أوساط الجالية اليهوديّة حول بعض تلك الأسماء كونها توحي بأنّ يهود أستراليا يغيّبون أي نقد لسياسات إسرائيل، ويعمدون إلى تهميش وإخراس منتقدي تلك السياسات.
إنّها المرّة الأولى ومنذ وقت طويل تعمد جماعة من اليهود الأستراليين إلى المطالبة بمساءلة سياسات الدولة اليهوديّة والتي كان سبقهم إليها مجموعة من اليهود البريطانيّين كان منهم الممثّل quot;ستيفن فرايquot;، والكاتب المسرحي quot;هارولد بينترquot; بنشرهم لرسالةٍ مفتوحة قالوا فيها إنّ سياسات إسرائيل تضع مصلحتها فوق الحقوق الإنسانيّة للفلسطينيين.
وسريعة أتت الإدانة من أستراليا على لسان المدير التفيذي لمجلس إدارة quot;شؤون اليهود وإسرائيلquot;، متّهماً الموقّعين بأنّهم يستغلّون خلفيّتهم اليهوديّة لتسميم الجالية اليهوديّة المنظّمة، ولنزع الشرعيّة عن دولة إسرائيل.
وبعد عدّة أيّام على نشر تلك الرسالة عمدت شخصيّات يهوديّة معروفة إلى تقديم أجوبة رسميّة باسم quot;الفيدراليّة اليهوديّة الأستراليّةquot; كجوابٍ على الهجمات اللاعقلانيّة على الجالية اليهوديّة ودولة إسرائيل في وقتٍ واحد، ومن تلك الشخصيّات وزير المواصلات في ولاية نيو ساوث ويلز quot;إريك روزندالquot;، وعضو البرلمان الفيدرالي quot;مايكل دنبيquot;، وقاضي المحكمة العليا السابق في ولاية فيكتوربا quot;هاورد ناثانquot;.
لم يتّفق يهود أستراليا على رأي موحّد بالنسبة لدولة إسرائيل، تقول المؤرِّخة الدكتورة quot;سوزان راتلاندquot; رئيسة quot;دائرة الدراسات العبريّةquot; في جامعة سيدني، ففي الأربعينات من القرن الفائت دعا الحاكم العامّ الأسترالي آنذاك quot;إسحق إسحقquot;، وكان معادياً للصهيونيّة، إلى قيام دولة فلسطينيّة علمانيّة واحدة، بينما دعا الصهيوني الشابّ quot;جوليوس ستونquot;، وكان أستاذاً جامعيّاً، إلى تقسيم فلسطين لدولتين: واحدة لليهود، وأخرى للفلسطينيين.
والجدير بالذكر أن أسحق توفّي سنة 1948 أي في عام قيام دولة إسرائيل، وقُدِّر لآراء quot;ستونquot; أن تعيش وتستمرّ.
وفي السبعينات شهدت جامعات أستراليا استقطابات سياسيّة كبيرة حيث دعم quot;اتّحاد طلبة أسترالياquot; منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وكان في ذلك الإتّحاد بعض اليهود ممّا أدى إلى صدامات مع أعضاء quot;الإتحاد الأسترالي للطلاّب اليهودquot;، وكانت تلك الصدامات أمراً غير عادي لأنّ أي نقد أو حتى مساءلة للممارسات العسكريّة الإسرائيليّة يعتبر مادّة على درجة كبيرة من الحساسيّة، كما ويعتبر من المحرّمات في أوساط جاليات الشتات اليهودي، كما وينظر إلى نقاش المسألة الفلسطينيّة ـ الإسرائيليّة بكونها أمراً يعني أولئك الذين يعانون بشكل شخصيّ ومباشر تبعات الإرهاب، وأولئك الذين يؤدّون الخدمة العسكريّة في الجيش الإسرائيلي، وتضع إحدى الشخصيّات اليهوديّة المعروفة في سيدني القضيّة على الشكل التالي: يمكن لولاية تزمانيا أن تستوعب ثلاثة أو خمسة بلدان مثل إسرائيل، فلو افترضنا أن الشرق الأوسط هو ملعب quot;فطبولquot; فحجم إسرائيل ليس أكبر من حجم طابع بريدي، وهكذا، فإنّ هناك أناس أقرب إلى مدينة سيدني من ضاحية ماروبرا يريدون قتلك... هذا ما يصنع مواقف اليهود في أستراليا ومفاهيمهم، ولعشرين سنة خلت كان لهذه المفاهيم أن تتطرّف أكثر.
وتعتقد الأستاذة راتلاند أن هذا الإنعطاف نحو اليمين السياسي أعقب الإنتفاضة الفلسطينيّة سنة 2000، وهجمات 11 سبتمبر الإرهابيّة سنة 2001. والزعم بأنّ إسرائيل ارتكبت مجزرة شنعاء في جنين سنة 2002 ضاعفت لمرّات عديدة مشاعر العداء لليهود في أستراليا، وفي الوقت ذاته اشتدّت العصبيّة اليمينيّة في أوساط اليهود الذين هم بطبيعتهم أكثر تزمّتاً في الدفاع عن معتقداتهم وعن دولة إسرائيل، كما وتعتقد راتلاند بأنّ ذلك إحساس إنساني طبيعي فيما يعتقد إنسان بأنّه يواجه أخطاراً كثيرة أن يصبح أكثر تخفّظاً وأكثر يمينيّة، وهذا أمر يشمل غالبيّة يهود أستراليا، فإذا ما كنت يساريّاً تنادي بدولة واحدة عوضاً عن اثنتين فسوف يتمّ تهميشك في هذه البيئة.
كما ويعتقد أدلر بأنّ واجبات يهود الشتات هي دعم دولة إسرائيل، أكانت إسرائيل محقّة أو غير محقّة، لأنّ الإرتباط العاطفي الشديد بفكرة إقامة دولة يهوديّة قويّة يرتبط بشكل مباشر بذكريات مؤلمة استغرقت قروناً عديدة من الإضّطهاد، ولكن تلك الذاكرة الجماعيّة تعتِّم على النقاش في بلدان الشتات وتخلق إحساساً دائماً بأن إسرائيل تعاني أخطاراً داهمة ودائمة، وهي تحت حصار لا يرحم.
وتقول أدلر بأن تجّار الكتب تعرّضوا إلى حملات ترغيب وترهيب كبيرة لمنعهم من بيع كتاب لوينستين quot;سؤالي لإسرائيلquot;، وكان هناك الكثير من الإحتجاجات لعميد جماعة مالبورن ضدّ الكتاب كما وتعرّض الصحافيّون لحملات ضغط كبيرة هدفت إلى التعتيم على الكتاب إيّاه، ويقول لوينستين بأنّه يتلقى بشكل يومي رسائل حقد ألكترونيّة. إنّ كلّ ذلك هو جزء من حرب إعلاميّة حيث يتم تهميش النقّاد واتّهامهم بالخيانة بينما يقول الآخرون أنّهم أصوات سياسيّة لديهم اهتمام أكبر بتوطيد أواصر الجماعة من خلال إحلال سلام عادل في الشرق الأوسط.
ومن ناحيته فإنّ السيّد روبينشتاين لا يعتقد ذلك على الإطلاق ويضيف أن كل تلك الأصوات المنتقدة هي ليست أكثر من أصوات عبثيّة ولا أحد يريد أن يخرسها والدليل على ذلك أن عريضة بهذه الضآلة والتي مثّلت أقليّة قليلة quot;454 توقيعاًquot; في جالية يزيد تعدادها على المائة ألف وتمّ نشرها في الصفحة الأولى لأخبار يهود أستراليا وبشكل واسع في الصحافة المطبوعة والإذاعات ومحطّات التلفزة المحليّة. ومع مشاعر العداء للسامية المتصاعدة على المستوى العالمي يصبح من الصعب أن نحمّل الجماعة بسبب ازدهار ثقافة المؤامرة اللوم في افتراضهم أن هناك صهاينة يحاولون السيطرة على النقاش وضبطه. وأضاف روبنشتاين أن المطالبة بنقد منطقي تمّ الخلط بينها وبين المراقبة على الإعلام، ومن الصعب أن نفاجأ بأن بعض الأفراد في الجماعة مستاؤون لأن هؤلاء الأفراد انفسهم لم يقوموا بأي جهد أو مساهمة في حياة الجماعة، ولم يقدّموا أي دعم لمؤسّساتها، وبالتالي لا يحقّ لهم أن يدّعوا أن هذه المؤسسات لا تمثّلهم.
لقد رفض أعضاء quot;المجلس اليهودي في نيو ساوث ويلزquot; التعليق على هذا الموضوع، وروبن شتاين لم يقدّم أيّة ملاحظات. ويعتقد الكثيرون في الجالية اليهوديّة بأن المعترضين قد أُعطوا الكثير من الأوكسجين الإضافي ويريدون للنقاش برمّته أن يموت موتاً طبيعيّاً. إنّ عنف النقاش وطبيعة اللغة المستخدمة تدلّ بوضوح على مقدار انفعال اليهود وحساسيّتهم عندما يتعلّق الأمر برؤيتهم لإسرائيل لكونها الأرض الموعودة. إن النفي والإبعاد إلى مصر، بابل وآشور، والعودة إلى القدس وإسرائيل لا يشكّل فقط حجر زاوية الرواية اليهوديّة بل قافية صلواتهم اليوميّة ومسوّغ عطلاتهم الدينيّة. وهناك الكثير من الجراح النفسيّة التي على يهود أستراليا التعاطي معها وفي أساسها ذاكرة مبنيّة على ألم إبادة حوالي ستة ملايين يهودي أثناء الحرب العالميّة الثانية.
تُعتبر أستراليا من أكثر البلدان التي استقبلت ضحايا المحرقة، ومدينة مالبورن تحديداً، بحيث أن معظم الزعماء اليهود هم أبناء وأحفاد الناجين من المحرقة الذين اصطحبوا معهم إلى المناخ السياسي الأسترالي عقليّة الناجين وذهنيّتهم، ولقد أشار الكثيرون من اليهود بأنهم لا يستطيعون التعبير عن آرائهم حول إسرائيل مخافة أن يجرحوا مشاعر كبار السنّ منهم الذين ما زالوا يعانون من جراح المحرقة الجسديّة والنفسيّة.
ويلفت أندرو بنيامين الأكاديمي في جامعة التكنولوجيا إلى أن quot;إسرائيل هي اليهود واليهود هم إسرائيلquot;، هذا ما تسمعه منذ يوم ولادتك، ويمكن لي أن أقول أن ذلك ليس صحيحاً، ويمكنني القول أيضاً بأن مستقبل اليهوديّة يعتمد على اللاحقيقة هذه. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر بلغت العلاقة الخاصّة بالأرض الموعودة درجة الذوبان والتماهي مع الصهيونيّة ومع المحرقة، وأصبحت الأرثوذكسيّة اليهوديّة المتزمّتة هي التعريف الطبيعي لدولة إسرائيل الحديثة. تُعتبر إسرائيل في الطقس اليهودي نُور كلّ الأمم، ولكنّ الذي حدث هو أن فكرة إسرائيل قد تمّ دمجها مع الدولة الحاضرة. والنبض الأخلاقي للديانة اليهودية هو استقبال الغرباء، وهذا ما تمّ تناسيه بكلّ مأساويّة.
ويَعتبر الدكتور جورج فوستر رئيس quot;الجمعيّة الأسترالية اليهوديّة للناجين من المحرقة والمتحدّرين منهمquot; والذي بدوره وصل إلى أستراليا وله من العمر سنة واحدة أن المحرقة لا يتم استحضارها لدعم دولة إسرائيل فقط بل بسبب طبيعة الحدث الفظيعة والغير مسبوقة تاريخيّاً. إن التذكّر مهم جداً، لأن أعداء إسرائيل يريدون تدميرها، ولذلك يحاولون العبث بذكريات المحرقة للوصول من خلال ذلك إلى نزع الشرعيّة عن دولة إسرائيل الحديثة. إن الخطر الوجودي بالنسبة لدولة إسرائيل لم يكن أبداً أكثر وضوحاً منه في أيّامنا هذه بحسب روبنشتاين، إن الزعماء الإيرانيين يسعون حثيثاً لحيازة الأسلحة النوويّة، ولا يعترفون بالمحرقة على الإطلاق، ويريدون تدمير دولة إسرائيل. والمنظمات الفلسطينية التي تمولها إيران لن تقبل أبداً بوجود دولة إسرائيل لأسباب دينيّة، ولن تتخلى عن العنف لتدميرها.
إنّ موقف إدارة quot;شؤون إسرائيل ويهود أسترالياquot; يقلّل من أهميّة التناقض الذي تعانيه الجالية اليهوديّة من حيث رؤيتها لنفسها كأقليّة محاصرة في المجتمع الواسع الذي ينظر إليها كأقليّة متضامنة فعّالة ومزدهرة، ومن الناحية الأخرى تُعتبر إسرائيل قوّة سياسيّة وعسكريّة في الشرق الأوسط محاصرة بقوى تسعى إلى تدميرها بكلّ الأشكال. والملفت أنّ كلتا الحالتين تتغذيان من بعضهما البعض. فبمقدار ما يكون النقد بعيداً عن المنطق بمقدار ما يتعاظم ثقل الرفض الإجتماعي، وبقدر ما يزداد يهود أستراليا تضامناً.
وفي استفتاء أخير على المستوى العالمي شمل 28 ألف نسمة في 27 بلداً تبيّن أن إسرائيل وإيران هما البلدان الأكثر تلقياً للسباب والشتيمة من غيرهما. كما وتبيّن أنّ استخدام إسرائيل للقوّة العسكريّة المفرطة ذو تأثير سلبي كبير على العالم بأسره. وعلى كلّ حال فإن عرائض الإحتجاج في بريطانيا وأستراليا تكشف أن هناك قلق إثنوثقافي في أوساط يهود الشتات الذين لا يميلون إلى التعريف عن أنفسهم كمواطنين يهود يعيشون في الخارج. وسيكون من الخطأ الإفتراض بأن الموقف اليهودي السائد على وشك أن يتغيّر.
وقد عمدت الدكتورة راتلند بالتعاون مع quot;صول أنسولquot; إلى القيام بدراسة واسعة النطاق للزعامات اليهوديّة شاملةً الشباب، استنتجت من خلالها بأن الزعامات اليهوديّة للجيل المقبل لن تكون أقل دعماً والتزاماً بدولة إسرائيل. وعلى ما يبدو فإن العولمة تحرّك من جديد الهويّة الثقافيّة اليهوديّة في أوساط الشباب خلال سعيهم الدؤوب لإيجاد موطئ قدم لهم في هذا العالم.
حسن الشيخ حسين
