لقد درج الباحثون لدى الحديث عن فلسفة فيورباخ، على تقسيمها الى ثلاثة مراحل متعاقبة ndash; المرحلة
الهيجلية، المرحلة الأتسانوية، المرحلة المادية - الا ان هذا التقسيم صوري و شكلي لا ينسجم تماما
مع البعد الفلسفي لرؤية فيورباخ الذي يعد بحق المفصل التاريخي بين نهاية الفلسفة الكلاسيكية
الألمانية المتمثلة ب ndash; هيجل ndash; وبداية الفلسفة المادية كنتاج بشري تراكمي، متمثلة ب ndash; ماركس -..
لذلك يقول ndash; انجلس ndash; بعمق موضوعي في مؤلفه ndash; لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية
الألمانية ndash; ان الطريق من ndash; هيجل ndash; الى ndash; ماركس ndash; يمر بالضرورة عبر ndash; فيورباخ -...
ان ndash; فيورباخ ndash; الذي ولد عام 1804 -1872 كرس نفسه للاهوت المسيحي والاهوت البروتستانتي
تحديدا. وأشفق على آراء ndash; مارتن لوثر ndash; التي أصابها الوهن في عصر سيطرت عليه العقلانية
البحتة، التي طالت حتى اللآهوت لدى بعض اللاهوتيين أمثال ndash; بولوس وداوب ndash; الا ان الأخير اعتقد
انه ضمن اطار الفلسفة الهيجلية امكانية مصالحة ما بين الفلسفة والدين وبين العقل والايمان...
لذلك أتجه ndash; فيورباخ ndash; صوب ممثلي اللاهوت البروتستانتي ndash; شليرماخر، مارهاينيكي، شتروس،
تندر ndash; لكنه أعلن حيرته ndash; كنت أشعر بضرورة التضحية اما بالفلسفة من أجل اللاهوت واما باللاهوت من أجل الفلسفة ndash; وفي النهاية يختار الفلسفة... في أختياره للفلسفة، أتجه بالضرورة نحو ndash; هيجل ndash; أسوة ببقية أقرانه ndash; ماركس، برونو باوير، ماكس شتيرنر، آرتولد بروغه ndash; ودافع عن ndash; هيجل ndash; ضد ndash; باخمان ndash; الذي هاجم الطابع المجرد التأملي لفلسفة ndash; هيجل ndash; وأيد ما ذهب اليه ndash; بيار بايل ndash; من ان ndash; هيجل ndash; أكمل ndash; فيخته ndash; ازاء الفكرة الأخلاقية.. الا انه يختلف عنهم قاطبة حيث لم يرى نفسه هيجليا بل أنتقده في بداياته ففي مؤلفه ndash; أفكار حول الموت والخلود ndash; يؤكد انه ينبغي على ndash; هيجل- الذي يربط الروح بتاريخ العالم أن يعترف بنهاية عصر من عصور تاريخ البشرية وأبتداء عصر عظيم جديد. وهذا العصر الجدبد بالنسبة ل ndash; فيورباخ ndash; هو ميلاد الأنسانوية من خلال مفهوم جديد للكينونة. ولكي يتسنى لنا أدراك ذلك وبالتالي نقده علينا عرض مجمل المحطات المهمة الفيورباخية... أولا: فيورباخ واللاهوت: ينطلق ndash; فيورباخ من نقطة دينية ويردد مثلما فعل ndash; كيركجارد ndash; ان المسيحية [ واهنة، متحللة، مريحة، حرفية، ابيقراطية ]. وهو يقصد المذهب الكاثوليكي. فليست البروتستانية لاهوتا بل هي بشكل أساسي علم المسيح، أي أنتروبولوجيا دينية، ويؤكد في مؤلفه ndash; المبادئ - لقد كانت البروتستانية النمط الديني للأنسنة فالرب الذي هو الأنسان، الرب الأنساني، أي المسيح، هو وحده اله البروتستانية التي لاتهتم كما تفعل الكاثوليكية بما هو الرب في ذاته أي ليس لها أتجاه تأملي.. ويتعمق أكثر في هذه المسألة فيقول في كتابه ndash; جوهر المسيحية ndash; فبأيماني بالرب يصبح لدي اله، بمعنى ان الأيمان بالرب هو الذي يكون اله الأنسان لذلك فان جوهر الرب هو جوهر الأيمان وكأنه يردد عبارة ndash; لوثر ndash; الشهيرة، كما تؤمن بالرب تمتلكه. أما حين لاتؤمن به فأنت لاتملك منه شيئا. وهذا ما يقربه من كل من ndash; لايبنتز -، والقديس ndash; غريغوريوس ndash; حيث الكائن الألهي ليس شيئا آخرا غير الكائن البشري، أو بالأحرى غير كينونة الأنسان وقد تخلصت من حدود الأنسان الفردي... فيقول ndash; لايبنتز ndash; [ المقدمة ] ان ضروب كمال الرب هي ضروب كمال أرواحنا وهو وحده يمتلكها بغير حدود.....وأما القديس غريغوريوس فيقول [ في الروح ] أن كل ما يميز الروح الأنسانية ينتمي كذلك الى الكائن الألهي.... أما ndash; فيورباخ ndash; فلايلغي الألهي انما ينقله الى الفؤاد الأنساني، أي يحاول أنقاذ الألهي بأعطائه شكل أنساني واعي من خلال اللاهوت المسيحي وهذه هي أنسانوية ndash;فيورباخ ndash; لأنه لا يسائل النصوص الدينية ليستخلص منها الحقيقة التاريخية أو المحمول الفلسفي، بل لكي يتطلع الى اللاعقلانية للطبيعة الأنسانية.وهو بهذا ينتقد كل من ndash; شتراوس ndash; و ndash; برنو باور ndash; فيقول عن ndash; شتراوس ndash; الذي منح المعتقدات رؤية أسطورية في كتابه [ حياة يسوع ] انه ينتقد التاريخ الدوغمائي للاهوت....ويقول عن برونو باور، الذي طبق على المسيحية معايير ما بعد المسيح في مؤلفه [ في نقد التاريخ الهيجلي ] انه ينقد التاريخ الأنجيلي أي اللاهوت الأنجيلي.. أما هو ndash; فيورباخ ndash; فيقول يجب البحث عن اللاهوت المسيحي، الفلسفة... ويقصد بذلك اللاهوت البروتستانتي..لذلك يقول ndash; كارل بارث ndash; في مقالته [ اللاهوت والكنيسة ] عن أتجاه ndash; فيورباخ - أنه واقعي يناسب التقاليد المسيحية العريقة، البروتستانتية... واذا كان اللاهتيون البروتستانتيون أمثال ndash; هانزاهرنبرغ، كارل هايم، كارل بارث ndash; ينجذبون نحو أنسانوية ndash; فيورباخ ndash; فلأنه أولا يموضع نفسه في خط أيمان- لوثر ndash; وثانيا لايطرح المشكلة الدينية عند المستوى التاريخي بل على مستوى التطلعات الأبدية للروح الأنسانية. ولهذا السبب تحديدا يقول ndash; كيركجارد ndash; [ في مصلحة الأنسان ] أن ndash; فيورباخ ndash; يمثل آخر تشكيلة حرة مفيدة للمسيحية البروتستانتية.... ثانيا: فيورباخ والطبيعة: الى جانب تأثر فيورباخ باللاهوت، تأثر بالطبيعة كدالة ومفهوم فلسفي، فالفلسفة تعي وتدرك علم الواقع في شموليته، والأسرار الأكثر عمقا تكمن في الأشياء الأكثر بساطة. فأحتقارالطبيعة من قبل الفلسفة الحديثة ما هو الا نتيجة من نتائج اللاهوت الأنجيلي. لذلك نراه يؤكد ان كل العلوم المجردة تمزق الأنسان أما العلوم الطبيعية تمنعه من الأغتراب... وقريبا من هذا يقول ndash; كليمونس الكسندر ndash; في [ الكتاب الثالث ] من بين كل العلوم، وعي الذات هو أكثر عظمة، فيه يعرف الرب..ومن هنا منح ndash; فيورباخ ndash; في مؤلفه [ ضد أزدواجية الجسد والروح ] الأولوية للجسد ونجح في جعله ndash; وبالتالي الطبيعة ndash; محمولا حقيقيا. وهذا ما أكده ndash; غوتفر كيلر ndash; من ان العالم جمهورية، لايحتمل لا الها مطلقا ولا الها دستوريا وعقليا...لكن ndash; فيورباخ ndash; وان رفض الأله المطلق الدستوري والعقلاني فأنه أعترف بالطبيعة المؤلهة...لذلك يقول ndash; غوتفر كيلر ndash; لقد عرف فيورباخ كبف يلتقط الطبيعة. ولهذا يعاتبه ndash; ماكس شترنر ndash; في مؤلفه [ الفريد وخاصيته ] لأنه تخلى عن المذهب الأنسانوي وأتجه صوب الطبيعة المدقعة. وهكذا تورط في نتيجتين أثنتين. الأولى: أن الطبيعة المؤلهة في مؤلفه [ جوهر الدين ] تحل محل الأنسانوية في مؤلفه [ جوهر المسيحية ]. والأنثروبولوجيا تفقد معناها لمصلحة الفيزيولوجيا. وبالتالي يبلغ نتيجة بعيدة كل البعد عن مقدماته وهي أن الأنسان هو ما يأكل في مؤلفه [ الثورة والعلوم الطبيعية ]. وهذه الرؤية تقترب جدا من رؤية ndash; جاكوب مولوشت ndash; في مؤلفه [ نظرية أغذية للشعب ]، أن غذ اء الأنسان هو أساس ثقافته وحالته الذهنية، فاللأنسان هو ما يأكل... والنتيجة الثانية: وهي الأخرى بعيدة عن مقدماته وتمثل حلقة مفرغة ما بين الطبيعة المؤلهة و الأنسانوية. وهاهو يقول في مؤلفه [ أنساب اللآلهة ] أن ما لا بكونه الأنسان حقا، لكنه يرغب في أن يكونه، يجعل منه إلهه أو يكون هو إلهه بالفعل...أو كما يقول ndash; هنري آفرون ndash; قل لي ماذا تعبد، فأقول لك ما الذي ترغبه. أي أن البحث عن السعادة هو ما يؤسس ~ الدين ~.. ثالثا. حسية فيورباخ: إنه يميز بين ذات الحقيقة والتصور الذي يحمله الأنسان عنها. فالكائن البشري لايدرك الأشياء إلا بعد أن يتصورها لإن العقل يذهب من المرئي المكشوف إلى الواقع المستبطن، و خلال هذه العملية ثمة ثلاثة درجات تتعاقب:التلقي ~ الحس ~ الحب ~... فالتلقي هو المياشر العفوي الظاهري الخارجي ويقابل الأنفعال السلبي....والحس هو الذي يمنح عمقاً للتلقي ليتجاوز الأنفعال السلبي من خلال بداية ثتائية تقليدية ~ الداخلي والخارجي ~ الجسد والروح ~ الشيء وأنا ~ فالكائن المحسوس هو الكائن الحقيقي والواقعي وهو موضوع الحس. والحواس هي وحدها التي تجعل من الأنا اللاأنا، أو حسب تعبير ~ فيخته ~ ليس لي أنا، بل للاأنا الذي هو داخلي. وعندما ينتقل اللاأنا إلى داخل الأنا يتحول النشاط إلى نشاط موضوعي لإن أناي يتحول إلى أناك، وهذه هي الدرجة الثالثة في حسية فيورباخ.... الحب: ينطلق ~ فيورباخ ~ من نقطتين مند مجتين، فالحب بصورة محضة هو المعيار الموضوعي للكينونة وكذلك هو معيارها الذاتي، فما قيمة ~ التلقي والحس ~ إذا لم تقترن بالحب فعندما لاتحب كأنك لاتكون لإن جوهر الأنسان لايوجد إلا في الجماعة. وعلى هذا، المعادلة لدى ~ فيورباخ ~ هي ~ [ الفيلسوف الأنسان، أنا الأنسان مع الآخر] ~ أي ~ [فيورباخ، أنا مع الآخر] ~ بعكس المعادلات السابقة مثل ~ [ المفكر، الحقيقة هي أنا ] ~ { الملكية المطلقة، الدولة هي أنا } ~ { الرب، الكينونة هي أنا } ~...لذلك يقول ndash; فيورباخ ndash; في { مبادئ 63} الديالكتيك ليست مناجاة داخلية بل هي حوار بين الأنا والأنت. فالفكر المجرد الخالي من الشعور والعاطفة يلغي الفارق الذي يميز الكائن عن اللا كائن. أي أن الحب هو الدليل والبرهان الأنطولوجي الحقيقي على قيمة الوجود.. وهذا ما يؤدي بنا إلى النتائج الآتية.الأولى: الألم.في الحب يصل الحس إلى كمال وسمو الوجود. فالحب عاطفة وليس سوى العاطفة رمزاً للوجود. وهذا هو تطابق الكينونة مع نفسها، لكن عندما نتألم فلإن اللاكينونة لا تتطابق مع الكينونة. فأتألم وألمي يبرهن على لا وجود الكينوتة، وأحب وحبي يبرهن على الكينونة. النتيجة الثانية: أنا والآخر.إن عملية الأنتقال إلى المذهب الآخروي عن طريق الحب هو المبدأ الحقيقي للكينونة والفكر لوجود أتحاد بين الأنا و الأنت. فواقع الأنت هو الذي يبرهن على واقع الأنا. وعندما أعي وجود أناس خارج أناي فذلك دليل على وجود أناي.... النتيجة الثالثة: الأغتراب. الحب هو الذي ينهي الأغتراب لدى ~ فيورباخ ~ وهذه نتيجة لم يدركها ~ هنري آفرون ~ فالإرادة المؤلهة التي تفصل الأنسان عن إلهه هي بداية الأغتراب. وهنا ينبغي أن نفرق بين الرب الأنساني المتغرب والرب في ذاته. ولكن الغريب في الأمر، يعتقد ~ فيورباخ ~ إن الحب بنهي الأنشقاق المؤلم ويصالح الأنسان مع الرب، وهو يقصد في الحقيقة ndash; كيلا يتناقض ndash; أن الحب يصالح الأنسان مع الأنسان المغترب... النتيجة الرابعة: الأيمان..الحب هو الجوهر السري في وحدة الكائن الألهي مع الكائن البشري. فالحب يماهي الأنسان مع الرب والرب مع الأنسان.ولذلك نقرأ بصدد النبي ~ زكريا ~ { إن كل من يمسك ndash; به - يمس بؤبؤ عيني الرب } وهو الجزء الأكثر حساسية في جسم الأنسان والذي يحميه الرب على حد تعبير ~ سالفاسيوس ~ أو ز أن الرب يسهر على دروب القديسين على حد تعبير ~ كالفن ~ ولهذا فإن الرب على زعم ~ لوثر ~ لابؤجل إلى المستقبل عقابه للكفرة والهراطقة مثلما حدث للهرطوقي ndash; سبرنت ndash; وللهرطوقي ndash; آريوس -. فالحب الأيماني يولد الكره أيضاً مع العقاب فيقول ~ سيبريان ~ إن أي واحد ينكر المسيح، سينكره المسيح..وهوما يوافق عليه ~ برتاردوس ~ أنني أكره يا سيدي أولئك الذين يكرهونك.. رابعا: مشكلة الكينونة لدى فيورباخ. إذا كان ~ هيجل ~ قد أنطلق من الفكرة، الروح، المطلق.فإن فيورباخ أنطلق من الكينونة التي لايمكن أن تشكل إتحاداً حقيقياً مع الفكرة إلا من خلال الأنسان الملموس الذي من خلال حسه ~ الحبي ~ يبلغ ما فوق المحسوس. وهذه هي النقطة الجوهرية لدى ~ فيورباخ ~ والتي تؤدي إلى اتحاد الفكر والكينونة لمنع الأغتراب الفلسفي الذي يحطم الكائن لمصلحة الفكر البحت، ولمنع الأغتراب الديني الذي ينسب إلى الرب ما هي خصائص الجوهر الأنساني. لذلك يقول في مؤلفه { مساهمة في نقد الفلسفة الهيجلية }إن مشكلة الفكر والكينونة أتت لتندد بالطابع التأملي الذي ارتدته المشكلة في منظور هيجلي مثالي. ومن هنا يؤكد ~ كارل لوفيت ~ في مؤلفه { الفرد في علاقاته مع الآخر } إن فيورباخ في ndash; مبادئ فلسفة المستقبل ndash; يطرح المشكلة المثالية الأساسية، الذات والموضوع، على مستوى جديد.. وما هو هذا المستوى الجديد؟؟؟ يقول ~ فيورباخ ~ في { مبادئ فلسفة المستقبل } إن جوهر الأنسان يستند إلى العلاقة ما بين الأنسان و الآخر فالجدلية الحقيقية هي الحوار بين الأنا والأنت. ومن جهة أخرى يقول في مؤلفه ~ جوهر المسيحية ~ ميثاق الأنسانية الملحدة، ان جوهر الموضوعي للدين المسبحي ليس شيئاً آخراًغير جوهر الفؤاد الأنساني و خاصة الفؤاد المسيحي.. ولكن كيف يصل ~ فيورباخ ~ إلى هذه النتيجة؟؟؟ بعلل ~ فيورباخ ~ إن فلسفة ~ هيجل ~ لم تتجاوز تناقض الفكر مع الكينونة. والكينونة التي تبدأ الفينومنولوجيا بها ليست أقل تناقضاً مع الكينونة الحقيقية من الكينونة التي يبدأ المنطق بها. وفلسفة ~ هيجل ~ هي ألغاء التناقض بين الفكر والكينونة، ذلك التناقض الذي عبر عنه ~ كانط ~ بشكل خاص. وهذا تناقص داخل التناقض ف ~ هيجل ~ بجعل.الفكر هو الذات والكينونة هي المحمول. وفي الواقع ~ حسب قيورباخ ~ الكينونة هي الذات والفكر هو المحمول.. والفكر يتأتى من الكينونة لا العكس. الكينونة هي التي تكون واللاكينونة هي العدم واللامعنى، فالكينونة هي معنى وضرورة وعقل وحقيقة... لذلك بؤكد ~ فيورباخ ~ { خطاْ } في أطروحة رقم 46 حيث يتوحد الوجود بالجوهر والحدس بالفكر والسلبية بالفاعلية، أي ما معتاه المادية الفرنسية ~ ديدرو، فولتير ~ بالميتافيزيقية الألمانية ~ شيلنغ، فيخته ~ تكون هناك الحياة والحقيقة والكنه الخاص... ويتمادى فيورباخ أكثر في ~ مبادئ رقم 51 ~ الفلسفة لايجب أن تكون مجردة بل كائنة حية، فموضوعها هو اللاأنا وليس الروح المطلقة أو العقل اللوغوسي وحده لذاته، بل كينونة الأنسان. أي أن ~ فيورباخ ~ يقلب الديالكتيكي الهيجلي، لاسيما في مؤلفه ~ مساهمة في نقد فلسفة هيجل ~ وهذا ما يؤدي بنا إلى أن نسجل عدة نتائج: النتيجة الأولى: الخلود. إن فيورباخ ينكر كل خلود شخصي لكنه يضيفه إلى النوع، وهو لايفرق هنا بين النوع والعقل، فالعقل يسمو علىالأفراد ولذلك يكتسب الخلود من خلال النوع الذي لا يٌحد بعكس الفرد المحدود. من هنا يقول ~ ريتشارد فاغنر ~ في ~ السيرة الذاتية ~ إن فيورباخ تجاوز المذهب الألحادي الذي نتج عن ذلك القصور الذي يزعم بخلود العقل وحده..... فأهمية الوجود لدى ~ فيورباخ ~ يتأكد من خلال محتواه المرتبط حصراً بالكينونة الأنسانية ضمن سياق ونسق النوع، وليس الفرد.. النتيجة الثانية: الزواج. إذا كان اللاهوت الأنجيلي يؤكد ~ التضحية بالحب الزوجي لصالح الحب الديني ~ فإن فيورباخ يجزم أن المسيحي يفتقر إلى المثال الديني ككينونة النوع. وهذا ما يفسر التشدد الديني للطلاق الذي هو ألم للحب الكنهوي الذي هو رباط مقدس وكينونة أكيدة. وبالعكس نرى في كتاب ~ زند آفيستا ~ المثال الديني حيث الأبن هو الأب العائد للحياة. ولم يكتف الكورد بذلك بل إن قسماً منهم أعتبر عدد الأطفال هو واجب وفعل ونشاط ديني ~ كالطقوس ~ مع ~ أهورامزدا ~ ضد ~ أهريمن ~. ولقد أنتقلت هذه المفاهيم إلى بلاد الهند ~ الهندوس ~ وبلاد العجم ~ الفرس ~ أما اليونانيون فيشكل ~ زيوس، هيرا ~ لديهم، على سبيل المثال النموذج الأكبر لكل زواج وهو زواج غنوصيولوجي ما ورائي. لذا يقول ~ فريدريك شليجل ~ حين يقترب الزوج من امرأته يكون قد عاد وآب إلى الحياة عن طريق تلك التي بفضله أصبحت أماً.... نقض مفهوم الكينونة: إن فيورباخ الذي يرفض الجانب المجرد لفلسفة ~ هيجل ~ يركز بشدة على الجانب المحسوس والملموس للكينونة التي هي بالنسة إليه ليست أكثر من معارضة ضد الفكر الهيجلي لذلك فإنه لايقر بها إلا من خلال ثلاثة درجات متعاقبة لحسيته، وهي التلقي والحس والحب. ولكن لإنه أسير ~ هيجل ~ من جهة وأسير اللاهوت البروتستانتي من جهة أخرى، فإنه يرى في الحب سلامة الكينونة ووجودها. ومن هنا نراه ينتقل إلى نقيض الحب ~ بالنسبة لفيورباخ ~ عندما تذوي الكينونة أو عندما تتحول الكينونة إلى اللاكينونة. وهذا النقيض هو الألم الذي هو في النهاية مقولة جثمانية تخضع لكافة الأحتمالات ومنها تلك التي ربما لم ينتبه لها فيورباخ نفسه. وهنا يبرز السؤال الجوهري ألا وهو هل نجح ~ فيورباخ ~ في انقاذ فلسفته من التجريد الهيجلي عندما تمسك بالكينونة الملموسة؟؟ ومن ثم هل بلغ ما كان يسعى إليه ألا وهو الأتحاد بين الفكر والكينونة؟؟ في الحقيقة. لاأعتقد. سيتضح ذلك من النقاط التالية: - النقد الأول:عندما أعرب فيورباخ عن أنسانويته من خلال مذهبه الحسي فإنه لم يكتف بما يشغله الحس من حيز ملموس ومحسوس، بل دفع به إلى ما فوق المحسوس من خلال منظومة توحد ما بين المدرك والمحسوس، أي الهيولى والعقل المقولتين الأساسيتين لدى ~ أرسطو ~ لإنه عند دفاعه عن المادة فإنه لايلغي الفكر البحت، الفكر السابق للكينونة أو حتى الفكر الذي يلغي الكينونة. ولذلك يعارض ~ بالانتي ~ في مؤلفه { مشكلة الكينونة لدى فيورباخ } آراء كل من ~ بولان، وجودول، وماركس، وأنجلز ~ في أصول فيورباخ الهيجلية.. السبب الرئيسي لتردده إزاء المادية... ndash; النقد الثاني: عند دراسة متمعنة لمؤلفه ~ جوهر المسيحية ~ نتأكد من إنه لم ينتقد النصوص المقدسة من خلال منظم فلسفي إنما ليستدل منها على آفاق أبعد وأعمق. لذا هو لم يرد أطلاقاً تحطيم المسيحية، إنما بالعكس حاول الحفاظ على ما هو أكثر جوهرياً فيها. ومن هنا يقول ~ هنري آفرون ~ بحق إن إنسانوية فيورباخ لا تتمتع بالصلابة النقدية التي تتمتع بها إلحادية ~ نيتشه ~ وما يؤكد هذه الرؤية إنه لايعتبر المذهب البروتستانتي لاهوتاً. وهو لا يعتبره كذلك لينفي عنه الجانب التأملي في اللاهوت الكلثوليكي. وهذا ما يفسر تهربه الدائم من مفهوم ~ الرب في ذاته ~ وألتجائه إلى مفهوم الرب الأنساني..... النقد الثالث: لقد راود كافة الفلاسفة حلم بلوغ تحقيق أتحاد الكينونة والفكر لكن كان الفشل من نصيبهم. وفي محاولة من فيورباخ تحقيق ذلك ألغى الخلود الشخصي لمصلحة الخلود النوعي. لماذا؟؟ ببساطة لكي لايغتال منظومه الفلسفي في الكينونة الشخصية مصدر الأنفصال بين الفكر والكينونة، فأقر بكينونة النوع أعتقاداً منه إن ذلك ينجيه من الفكر البحت من جهة، ومن المادية المحضة من جهة أخرى فيتحقق بذلك أتحاد الفكر والكينونة. لكنه وجد نفسه كما قلنا أمام تجريد آخر وإزاء مفهوم غامض ومقولة لا تمت بصلة إلى المحسوس إلا كنتيجة نظرية للكينونة المشخصة.. النقد الرابع: هل الكينونة سابقة للفكر؟؟ أم إن الفكر سابق للكينونة؟؟ أم ثمة أتحاد بين المقولتين؟؟ يؤكد ~ بليخانوف ~ الذي هو في مجال الدين وريث ~ هولباخ ~ أكثر مما هو وريث ~ هيجل، و ماركس ~ إن جوهر الأنسان هو أتحاد الكينونة والفكر..ولكن لايوضح وفق أي ميكانيزم يتم ذلك. أما ~ هنري آفرون ~ فيؤكد إن الكينونة لدى فيورباخ هي التطابق بين الذات والمحمول. ولقد شاهدنا إن هذا غير فعلي في منظومة فيورباخ الفلسفية. أما فيورباخ فيؤكد إن ~ هيجل ~ ألغى الكينونة لمصلحة الفكر، أما هو فيلغي الفكر لمصلحة الكينونة شريطة قبول الكينونة سابقة للفكر. ولقد رأينا إن هذا القول عديم المعنى في نسق الفلسفة الفيورباخية..أما ماركس فيؤكد في مؤلفه ~ الأيديولوجية الألمانية ~ 1946 إن النشاط الأنساني الملموس يحقق الأتحاد بين الفكر والكينونة، لذلك فإن الفصل ما بين الكينونة والفكر يؤدي إلى عواقب وخيمة، فمرة تحرم الكينونة من كل دينامية، ومرة أخرى تنزع عن الفكر الواقعية. وماركس نفسه هنا لا يبدو دقيقاً مع مذهبه العام حيث اسبقية المادة على الفكر وفق مقولتي ~ البنية التحتية و البنية الفوقية ~ إذن ما الأمر بالنسبة لفيورباخ؟؟ ثمة أرتباك أكيد. إنه في الحقيقة لايعترف لا بالكينونة ولا بأسبقية الكينونة للفكر أو بالعكس. لأنه يشترط على الكينونة كي توجد أصلاً توفر شرط الوجود ~ ركنه الوحيد ~ وهو الحب. فالحب يدل على الكينونة والألم يدل على اللاكينونة أو على لاوجود الكينونة. فالكينونة ~ حسب فيورباخ ~ ليست مقولة مستقلة لأنها تفقد ماديتها لمصلحة مفهوم الحب.... النقد الخامس: يقول فيورباخ بصدد الأغتراب إن الحب، أي الكينونة، ينهي هذا الأنشقاق المؤلم ويصالح الأنسان مع الرب. إن هذا القول غير دقيق تمشياً مع فلسفة فيورباخ نفسه..إذ من المفروض القول ~ ويصالح الأنسان مع ألأنسان ~. ونستشف من ذلك مدى مغالطاته الأخرى حول اللاكينونة أو لاوجود الكينونة حيث كان من المفروض القول ~ لتتطابق الكينونة مع نفسها، وحينما لاتتطابق يحدث ألأستلاب، الأغتراب كما هو في حالة الألم ~.... ملاحظة: يعد فيورباخ بحق ضحية للفكر الهيجلي المجرد دون أن يدري. كما إنه قد يعتبر ضحية لللاهوت. لذلك يقول ~ لانجه ~ في مؤلفه ~ تاريخ المادية ~ هنالك سمة تتأتى من الفلسفة الهيجلية تعمل على فصل فيورباخ عن الماديين...
هيبت بافي حلبجة
