في صيف 2005، زار أردوغان مدينة ديار بكر، (كبرى مدن كردستان تركيا)، وقال في حشد جماهيري: quot;القضيَّة الكرديَّة هي قضية الديموقراطيَّة، وهي قضيتي، وسأحلُّها بالسبل السلميَّةquot;، واعترف بأخطاء الدولة حيال الأكراد. وكان لهذا التصريح، بالغ الأثر على أكراد تركيا، واعتبروه مؤشِّراً إيجابيَّاً لقرب طيّ الملف الكردي بالوسائل السلميَّة، بدلاً من العنفيَّة المسلَّحة. فازدادت شعبيَّة أردوغان بين الأكراد، ونجح في استمالة قطاعات واسعة منهم في انتخابات 22 تموز 2007. وجرى حديثٌ كثير وغزير عن مساعي ومشاريع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته في إيجاد حل القضيَّة الكرديَّة في تركيا، وتمَّ الترويج والتسويق له على أنه quot;عرَّاب الحلول السلميَّةquot;، وإنه quot;منفتح وديموقراطيquot;، لكن، معطيات الحال، أشارت لخلاف ذلك. والحقٌّ، إنه أينما اتَّجه أردوغان، يجد الملف الكردي له في المرصاد. فإنْ اتَّجه نحو الداخل، لمعالجة أزمته مع المعارضة، بشقِّيها العسكري والسياسي، يجد أن القضيَّة الكرديَّة هي أحد أهم مفاعيل الأزمة. وإنْ اتَّجه نحو أوروبا، يجد الملف الكردي قد بات أهمّ العراقيل التي تعيق انضمام تركيا للمحفل الأوروبي، إن بقي هذا الملف دون حل سياسي. إذ كيف لأوروبا أن تقبل استقرار تركيا في الفضاء الأوروبي، ولا زالت القضيَّة الكرديَّة مشتعلة فيها، ما يعني أنها ستصبح شأناً أوروبيَّاً، إن لم تجد تركيا لها مخرجاً سلميَّاً سياسيَّاً. وهذا ما عبَّر عنه رئيس المفوضيَّة الأوروبيَّة باروسو أثناء زيارته لتركيا مؤخَّراً.

الخوف من ديار بكر
بعد أن أعطت حكومة أردوغان التفويض للجيش باجتياح كردستان العراق، لملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، ومصادقة البرلمان على التفويض، وبدء الاجتياح في 20/2/2008، وانسحاب الجيش دون علم أردوغان في 29/2/2008، أكثر من مرَّة، صرَّح مكتب زعيم العدالة والتنمية بأنه سيزور مدينة ديار بكر، إلا أنه يعدل عن القيام بالزيارة. بعد المراقبين فسَّروا ذلك، بأنه الخشية من ردَّة فعل الجماهير الكرديَّة في المدينة على تنصُّله من وعوده، ومعاداته للحقوق الثقافيَّة الكرديَّة، واصطفافه إلى جانب العسكر...الخ، ما من شأنه، كشف الغطاء عن تهدور شعبيته بين الأكراد. وكان من المفترض أن يزور أردوغان ديار بكر يوم 22/3/2008، لحضور مؤتمر الجناح النسائي لحزبه في المدينة، لكنه غير مساره واتَّجه لزيارة مدن quot;سيرت، روها، وباطمانquot;. وصَّرح مستشاره السابق محمد متينر لجريدة الصباح التركيَّة، بأن أردوغان سيزور ديار بكر يوم 6/4/2008، لحضور مؤتمر جناح الشباب لحزبه في المدينة، وسيدلي بتصريحات هامَّة، إلا أنه زار مدينة ملاطيا لحضور مؤتمر جناح الشباب لحزبه الذي عقد في 6/4/2008 في صالة أتاتورك الرياضيَّة المغلقة، وكرر نفس تصريحاته التي تغازل ذهنية العسكر والأحزاب الأتاتوركيَّة، فيما يتعلَّق برفض الحقوق الكرديَّة، حيث قال: quot;يوجد في تركيا 36 مجموعة قوميَّة وعرقيَّة، ولن نسلِّم الدستور الجديد للأقليَّات القوميَّة والأثنيَّة المحليَّة. لقد قلنا: لا للعنصريَّة الاثنيَّة. لن نتيح فرصة للنعرات الانفصاليَّة بالانتعاش في تركياquot;. وبديهي أن هذا الكلام موجَّه لديار بكر وللأكراد الذين يطالبون بتضمين الحقوق الثقافيَّة في الدستور، من جهة، وللقوى التي تتهم أردوغان بأنه quot;مساند للحقوق الكرديَّةquot;، من جهة أخرى. والجدير بالذكر هنا، إن المبادرة الوطنيَّة الكرديَّة الحرَّة في ديار بكر، التي تضم اكثر من 30 منظمة أهليَّة، أصدرت بياناً، دعت فيه أهالي المدينة لمقاطعة ورفض زيارة أدروغان، أيَّاً كان موعدها.

أزمة حوار
قبل فترة، استضاف أردوغان ممثلي 16 منظمة من مؤسسات المجتمع المدني في ديار بكر، يترأسه رئيس غرفة المحاميين في المدينة، سزكين تانركأوغلو. وكان الوزير الكردي السابق مهدي أكين، ونوَّاب حزب العدالة والتنمية عن مدينة ديار بكر، ضمن الحاضرين في الاجتماع. وحين انتقد تانركأوغلو سياسة أردوغان فيما يتعلَّق بالملف الكردي، بالقول: quot;عندما تطرحون مشاريعكم لحل مشاكل المنطقة (جنوب شرق تركيا)، تكتفون بتناول الجانب الاقتصادي وحده. والمسألة الكرديَّة، ليست مشكلة اقتصاديَّة وحسب، وبل سياسيَّة أيضاً. فلا يمتلك الكردي حق التعلُّم بغلته الأم، ولا يلقَ هذا الحق دعماً من مؤسسات الدولةquot;. فاستشاط أردوغان غضباً، وردَّ عليه: quot;حق الأقليَّات التعلُّم بلغتها الأم محفوظ في تركيا. بدليل، هنالك دورات تفتتح في هذا السياقquot;. فعقَّب عليه تانركأوغلو بالقول: quot;هذه المقاربة ليست في محلِّها. هذه دورات محدودة وخاصة، ولا تلقى دعماً من الدولة. يجب تدريس اللغة الكردية في مدارس ومعاهد الدولة. إذن، لماذا دعيتم ألمانيا لدعم حقّ التعلُّم باللغة التركيَّة للأتراك المتواجدين على أراضيهاquot;. فلم يتمالك أردوغان نفسه، ولم يستطع إخراجها من الورطة والحرج الذي أوقعها فيه تانركأوغلو، ما دفعه لإهانة رئيس غرفة محاميين ديار بكر، قائلاً: quot;أنت كاذب وصدقيتك مطعون فيهاquot;. فردَّ عليه تانركأوغلو: quot;لستُ من يضع صدقيته للتجربة والاختبار أمامك. ولستُ من يقبل منك الإهانة والاحتقارquot;. وخرج من قاعة الاجتماع. وتضامناً معه، خرج وفد ديار بكر بكامله، وبقي فقط نوَّاب حزب العدالة والتمنية. وفشل النائب عن الحزب، الكردي الأصل، مصطفى كورت إقناع تاركأوغلو بالعودة للقاعة.

بعد لقاء الوفد الكردي برئيس أحد كتل المعارضة في البرلمان التركي، زعيم حزب الشعب الجمهوري دنيز بايكال، وتقديمهم مذكرة لحل القضيَّة الكرديَّة في تركيا له، علَّق سزكين تارنكأوغلو للصحفيين عن أزمة الحوار مع أردوغان: quot;حتى اليوم، لم أضع صدقيتي تحت الاختبار أمام احد، ولن أفعلها. وحين عبَّرت عن رأيي أمام رئيس الحكومة، اتهمني بالكذب!. لذا، لم استطع إكمال الحديث معه. كان أسلوبه خاطئاً وغير لائق. قلت له: القضيَّة الكرديَّة، ليست مشكلة تنمية واقتصاديَّة صرفة، هي مشكلة سياسيَّة بالدرجة الأولى. وقد يكون هذا الرأي بالنسبة له خاطئ؟. إلا أنه لا يملك الحقّ في التحدُّث إلى رئيس غرفة محامين بهذا الشكل!. فلا انا عضو في حزبه، ولا موظَّف عنده حتى يتطاول عليَّ بتلك الطريقة!.quot;.

مقايضة خاسرة
علَّق محرر صفحة الشؤون الدوليَّة في صحيفة quot;آزاديا ولاتquot; الكرديَّة الصادرة في ديار بكر، حقّي بوطان، على ما بدى من أردوغان وقتها بالقول: quot;لقد انكشفت كل أوراق أردوغان. في البداية، استمال الأكراد بالوعود، والدين الإسلامي، وبعض المغريات الماديَّة، كمنحهم القروض الميسَّرة. وسيطر على خيارهم الانتخابي لصالحه في انتخابات تموز. والآن يقول: خصصنا 12 مليار دولار لمشاريع التنمية في المنطقة الكرديَّة. هذا الأموال ستصرف لزيادة شعبية أردوغان وليس لخلق الاستقرار في تركيا. بدليل، أن أردوغان يتنكَّر حتى لحقِّ تعليم اللغة الكرديَّة في المدارس والمعاهد الحكوميَّةquot;. وأردف بوطان: quot;يبدو أن أردوغان قد اتخذ قراره بوضع القضيَّة الكرديَّة على طاولة المقايضة مع خصومه من الأتاتوركيين، لإثبات أنه أكثر منهم أتاتوركيَّة، لكن، بنكهة إسلاميَّة. في مسعى لإنقاذ حزبه من الحظر. فالأزمة بين أردوغان والقوى الأخرى، هي أزمة سلطة وليست أزمة أفكار ومشاريع. والقضيَّة الكرديَّة هي بيضة القبَّان في هذه الأزمة. لذا، فهذه المقايضة خاسرة برأيي. لأن أردوغان، إنْ خسر الأكراد، فسيخسر السلطةquot;.

مقاطعة
وبعد طول انتظار، والإعلان عن مواعيد كثير حول زيارته لمدينة ديار بكر، جاءها أردوغان يوم 27/5/2008، وبصحبته حشد عرمرم من الوزارء ونوَّاب حزبه. وقاطعت الفعاليات السياسيَّة والمدنيَّة (أكثر من 30 منظمة أهليَّة) في مدينة ديار بكر، وعمدة المدينة، ونوَّابها، ورؤساء بلديتها من حزب المجتمع الديموقراطي، وجماهير المحافظة، هذه الزيارة. وجلُّ الذين كانوا حاضرين في صالة ضياء غوكألب الرياضيَّة في المدينة، كانوا من موظِّفي الدولة والأمن وتوابعها. وقال عمدة ديار بكر، عثمان بايدمير، عن زيارة أردوغان: quot;مللنا من وعود أردوغان. زيارته تندرج ضمن الدعاية لحزبه، والتهميد للانتخابات البلديَّة القادمة. عليه إيجاد حل سياسي للمسألة الكرديَّة، بدلاً من إبقاء الملف الكردي في عهدة العسكرquot;.

كشف أردوغان عن تفاصيل خطَّة إنمائية لمناطق جنوب شرق تركيا، ضمن مشروع يعرف اختصاراً بـquot;GAPquot; (مشروع جنوب شرق الأناضول). وهذا المشروع، مضى عليه أكثر من 30 سنة، ولم ينجز منه حتى الآن غير 80 بالمئة. وهو عبارة عن سدود ضخمة على نهري دجلة والفرات وفروعهما، وقنوات ري. وأضاف أردوغان لمشروع الـquot;GAPquot; سلسلة من الإجراءات والمشاريع الاقتصاديَّة الأخرى في قطاع التجارة والصناعة والسياحة. وكشف أن ميزانيَّة هذه الخطَّة الإنمائيَّة تبلغ 12،5 مليار دولار. وسيتم الانتهاء منها سنة 2012. وعلَّق رئيس فرع حزب المجتمع الديموقراطي في ديار بكر، نجدت أتلاي على زيارة أردوغان ووعوده: quot;لم يعد بإمكانه خداعنا. منذ 50 سنة، ومشروع الـGAP، هو مادة انتخابيَّة لحكومات عديدة. ألا يسأل رئيس الوزراء، لماذا تضاعفت معدلات النمو الاقتصادي في مناطق التركيَّة المحاذية للبحر الأسود 14 مرَّة، والأكراد يعيشون تحت سقف الفقر؟!. المشكلة الكرديَّة ليست مشكلة معيشة، بل مشكلة هويَّة، ولغة وثقافة، وحقوق سياسيَّة، لا تحل السبل العسكريَّة والاقتصاديَّةquot;. وصرَّح رئيس فرع ديار بكر لمنظمة حقوق الإنسان، محرَّم أرباي، حول هذه الزيارة: quot;يتضح من جدول أعمال زيارة أردوغان لديار بكر، أنه يخاطب رجال الأعمال. ويظهر هذا للعلن فحوى أجندته، وموقفه من انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة، وكأنَّ منشأها اقتصادي. المنطقةquot;.

مشروع الـquot;GAPquot; الذي اعلن عنه أدروغان، والسدود الكثيرة والعملاقة المشيَّدة على الأنهار، ينظر إليه بأنها ستوظَّف تدفق مياه هذه الأنهار كسلاح ضد سورية والعراق وكردستان العراق على وجه التحديد في المستقبل القريب، إن لم تمتثل هذه الدول للأجندة التركيَّة. وينظر بعض المراقبون الأكراد إلى أن القناة الرسميَّة التي ستبثُّ برامجها باللغة العربيَّة والكرديَّة والفارسيَّة، هي أيضاًَ ستستخدم كسلاح للترويج للسياسة الرسميَّة التركيَّة لدى الشعوب العربيَّة والفارسيَّة والكرديَّة. يعني، الهدف من إطلاق هذه القناة، هو سياسي، موجَّه للداخل التركي وللمحيط الإقليمي، فضلاً عن كونه، تدعيم للموقف التركي لدى أوروبا التي تطالبها بإجراء إصلاحات من شأنها فكِّ الخناق عن الثقافات المحليَّة، والأخصَّ، الكرديَّة. والمطروح هنا: وسط استمرار الصراع الكردي _ التركي، وحالة الحرب، والاشتباكات بين الجانبين، كيف يمكن ضمان نجاح مشاريع إنمائية، بمنأى عن إصلاحات سياسيَّة جذريَّة للمسألة الكرديَّة؟.

هوشنك أوسي