حماس فاتر لفيلم بيدرو المودوفار
قصي صالح الدرويش من كان: شنَّ بعض النقاد الفرنسيين هجوما شرسا على فيلم لارس فون تراير antichrist فقد وضع له 8 نقاد من أصل 15 درجة quot;ضعيفquot; وفق التقييم الذي تصدره يوميا quot;مجلة الفيلم الفرنسيquot; أثناء المهرجان ويشمل الأفلام المعروضة من داخل المسابقة الرسمية أو من خارجها، بينما
منحته مجلة النقد السينمائي الجدية quot;دفاتر السينماquot; ثلاث نقاط وهو تقييم جيد وكذلك فعلت مجلة quot;برومييرquot; المتخصصة في الفن السابع. وما زال هذا الفيلم يثير الجدل حتى بين المعجبين بعبقرية فون تراير على مستوى التصوير والإيقاع وإدارة الممثلين، إذ أن الفيلم يطرح أسئلة مثيرة مقلقة لم يخف المخرج نفسه حيرته إزاءها، لكن هذه الأسئلة المحيرة والمحرجة لا تقلل شيئا من أهمية الفيلم ومن هنا كان عنوان لارس فون تراير بين العبقرية والجنون. ويذهب البعض ومن بينهم الصديق الناقد إبراهيم العريس إلى القول بوجود حسابات سياسية للتأثير على لجنة التحكيم كي تميل كفة الترجيح لصالح الفيلم الفرنسي quot;نبيquot; عله يفوز بالسعفة الذهبية، هذا مع العلم بأن الفيلم الفرنسي المذكور كان موضع إعجاب معظم النقاد من الفرنسيين وغيرهم، بغض النظر عن الموقف من فيلم فون تراير.
من جهة ثانية، جاء في مقالة لصحافي عربي أن فيلم quot;نبيquot; يتناول بالتعريض العرب والمسلمين في فرنسا، والحقيقة إننا لم نعلق على عنوان quot;نبيquot; لأن الكلمة استخدمت في سياق لا يتعلق بالدين ولا يتناول التقاليد العربية والإسلامية. فمرتكبو الجرائم في الفيلم سواء دارت داخل السجن أم خارجه هم ممن يعيشون في فرنسا بغض النظر عن هوياتهم العرقية أو الدينية، الفيلم إدانة للسجون الفرنسية في المقام الأول فالبطل المغاربي دخل هذا العالم وهو فتى لم يقو عوده والأغلب أنه كان بريئا من التهمة التي أوصلته إليه، لكن السجن حوله إلى مجرم في حين أن الغاية هي الإصلاح لكي يخرج منه وقد أتم عقوبته مواطنا صالحا. والسبب أن قانون الغاب يسود في السجن أيضا وهو ما اضطر الشاب المسلم إلى الانضواء تحت حماية زعيمه الكورسيكي وإطاعة هذا الأخير في قتل سجين مسلم كان يحب المطالعة والثقافة. وزعيم العصابة الكورسيكي ليس مسلما وهو أكثر الشخصيات شرا في الفيلم، كما أنه ليس إيطاليا حسبما جاء في المقال المذكور، فكورسيكا جزيرة فرنسية شديدة الخصوصية، ومع أن فيها تيارا انفصاليا يدعو للاستقلال عن فرنسا لكن لم يسمع من قبل أن كورسيكيا ادعى بأنه إيطالي وإلا لكان أشهر أبناء الجزيرة نابليون بونابارت من قادة إيطاليا التاريخيين فهو من مواليد كورسيكا!!! ولو كان فيلم quot;نبيquot; يتناول الجالية العربية المسلمة في فرنسا بالتعريض لما أجمع نقاد السينما بمختلف مشاربهم على تحية فيلم عنصري ولما تمنوا له الفوز بالسعفة الذهبية.
عودة إلى المهرجان لنشير إلى أن فيلما للمخرجة الفلسطينية شيرين دبس وهو من إنتاج
مشترك أمريكي كندي وكويتي تم عرضه في تظاهرة نصف شهر المخرجين. والفيلم هو أول تجربة روائية للمخرجة ويحكي عن غربة الإنسان الفلسطيني، غربة داخل وطنه بسبب الاحتلال تدفعه إلى الرحيل لغربة في بلاد الغربة الأمريكية، خاصة في ظل الحرب على الإرهاب. شارك في تجسيد شخصيات هذا الفيلم كل من نسرين فاعور وهيام عباس وعليا شوكت. كما عرض في إطار تظاهرة أسبوع النقاد الفيلم الكردي العراقي quot;الصفير مع الريحquot; للمخرج شاهرام أليدي.
أما في إطار المسابقة الرسمية فقد شهد يوم الثلاثاء عرض أحدث أفلام المخرج الإسباني بيدرو المودوفار quot;عناق محطمquot; الذي لقي حماسا من قبل البعض ولم يكن بمستوى التوقعات المعولة عليه بالنسبة للبعض الآخر من النقاد الذين شاهدوا الفيلم في كان أو في عروض خاصة جرت في مدريد وباريس. لكن هذه الخيبة الجزئية لم تصل في أية لحظة إلى حد الرفض الذين شاهدناه بعد فيلم لارس فون تراير. وقد وصف أحد النقاد المودوفار بأنه يتسلى بموهبته في تصوير فيلمه الجديد، فقد سبق للمخرج الإسباني أن وعد بعد quot;فولفرquot; بفتح صفحة جديدة في السينما وبأنه سيصور فيلما تاريخيا، لكنه عاد بفيلم ترجع أحداثه إلى 14 عاما خلت.
في فيلم quot;عناق محطمquot; نتابع عبر لقطات quot;فلاش باكquot; الجميلة بينلوبي كروز في دور لينا السكرتيرة التي لا تتردد في ارتياد الرجال كبائعة هوى خارج الدوام والتي عندما ينكشف أمرها لدى مديرها المنتج السينمائي الثري العجوز تصبح عشيقة له ويحاول المنتج الثري الزواج منها لكنها فضلت أن تظل علاقتهما مفتوحة. لينا تلتقي لاحقا بمخرج يبحث عن وجه جديد لفيلم يستعد لتصويره فيختارها ويرتبط معها بعلاقة حب بالتوازي مع علاقتها بالمنتج الثري الذي تبين أنه منتج نفس الفيلم وأنه بدافع من غيرته يحرض ابنه على تصوير فيلم تسجيلي عن الفيلم الذي تقوم لينا ببطولته وفي الحقيقة هو يريد من ابنه أن يراقبها. وبالنتيجة يكتشف علاقتها بالمخرج فتثور غيرته ونراه يدفعها على سلم في مشهد غضب فتسقط أرضا وتكسر رجلها ويحاول استرضاءها إلا أنها تشترط عليه أن يواصل إنتاج الفيلم حتى نهايته لكن دون أن يتوقف عن مراقبتها خلال رحلة لها برفقة المخرج، رحلة تنتهي بحادث سير عنيف يودي بحياتها بينما يفقد حبيبها بصره وذاكرته أو يفرض على نفسه محو هذه الذاكرة.
على امتداد 14 سنة ينتحل المخرج الأعمى اسما مستعارا يوقع به كتابات سيناريو بمساعدة صديقة قديمة وفية كانت تعمل في مجال الإنتاج وابنها الشاب دييغو، إلى أن يأتي يوم يبدأ فيه باستعادة شريط أحداث الليلة القاتلة ليكتشف أن الحادث لم يكن مدبرا كما كان يعتقد وبأن دييغو هو ابنه، فيما يعيد له ابن المنتج الصور المفقودة من فيلمه مع لينا لأن هذا الأخير يريد تصوير فيلم تسجيلي حقيقي. ومع الذكريات العائدة بشكل كتلة من الصور الممزقة تجمعه مع لينا يسترجع المخرج اسمه الفني الحقيقي.
الفيلم جميل من حيث التصوير وأماكنه في لانزاروت إحدى جزر الكناري الجميلة، لكن أحداثه المتشابكة والممزقة تجعله يبدو وكلعبة مسلية تفتقد الحرارة،
كما أن ألمودوفار أنهى فيلمه بذكريات إضافية بعد نهايته على امتداد عشر دقائق يمكن كتابتها ببضعة سطور، مما أفقده شيئا من الحيوية التي عودنا عليها ألمودوفار، لا يغير من ذلك أن أداء الأبطال كان متفوقا سواء بالنسبة لبينلوبي كروز أو باقي الممثلين.
مهارة المودوفار وموهبته لم تسعفاه في صنع فيلم رائع والسبب يعود إلى تعقيد الأحداث وتداخلها لكنه من مخرجي كان المدللين وهو أعلن في المؤتمر الصحافي أنه سيسافر بعيدا عن فرنسا بعد عرض الفيلم كي يثبت أنه لا يسعى إلى الجائزة التي لم يحصل عليها حتى الآن، لكنه أضاف ممازحا بأنه مستعد للعودة يوم الأحد لتسلم أي جائزة للسيناريو أو الممثلين، فهل تكون الجائزة من نصيبه فعلا أم أنها ستذهب لبينلوبي؟
المرأة الجميلة جدا التي قد تنافس بينلوبي هي الايطالية جيوفانا ميزوجيورنو التي تؤدي دور البطلة التراجيدية أو السر المكتوم لزعيم الفاشية الايطالي موسوليني في فيلم quot;انتصارquot; للمخرج ماركو بيللوشيو الذي يعد اليوم أحد أعمدة السينما الايطالية وهو في السبعين من العمر.
الفيلم يروي وقائع حقيقة أكدها المؤرخون عن هذه المرأة الجميلة ذات الأصول النمساوية الهنغارية، ايدا داسلر، والتي ولدت عام 1880 لعائلة ثرية وتابعت دراسة جامعية قبل أن تصبح مسؤولة عن أحد صالونات التجميل حيث تعرفت على موسوليني شابا متحمسا في الحزب الاشتراكي ووقعت في غرامه وعايشت تحوله السياسي من اليسار إلى الحركة الفاشية، بل ساعدته ماليا في إصدار جريدة شعب ايطاليا التي أصبحت لاحقا لسان حال الحزب الوطني الفاشي. وقد تزوج موسوليني وإيدا في سبتمبر 1914 وأنجبا مولودا ذكرا بعد عام أطلقا عليه اسم بينيتو البينو موسوليني، لكن الزوج الشاب اختفى من حياة إيدا إبان الحرب العالمية الأولى وظهر بعد سنوات متزوجا من أخرى، فأنكر ابنه كما قام بمحي زواجه من السجلات المدنية. لكن إيدا لم تتوقف عن مطالبته الاعتراف بها زوجة شرعية وبابنها ابنا بكرا، لكن حبيبها السابق الذي أصبح الدوتشي أبعدها في كل مرة حاولت الاقتراب كما فصل ابنها عنها قسريا ووضعه في إحدى المؤسسات. وانتهت إيلدا التي لم واصلت المطالبة بحقها إلى مستشفى للأمراض النفسية كمختلة عقليا ولم تجد محاولاتها في الهرب ولا تعاط السكان معها وقناعتهم بأنها ضحية ظلم، ولم يكن مصير ابنها بأفضل حالا إذ انتهى بدوره إلى العزلة في أحد المشافي، وبالتوازي تتطور الأحداث وتقع الحرب العالمية الثانية وينتهي الأمر بسقوط الفاشية.
الفيلم غني بالأحداث السياسية والدرامية والوثائق التي تثبت صحة الوقائع التي يتناولها وهو فيلم جميل جدا لكن طابع الأحداث التاريخية وما فيها من مشاهد تسجيلية قد اضعف الوحدة الدرامية فبدت مبعثرة، وفي كل الأحوال كان أداء البطلة رائعا وهي تستحق بدورها جائزة التمثيل، كما أن بيللوشيو شارك في خمس دورات سابقة لمهرجان كان ولم يحصل على السعفة الذهبية لكنه جدير بها بغض النظر عن هذا الفيلم.
فيلم انتصار وعشيقة موسوليني الجميلة
هذا المقال يحتوي على 1269 كلمة ويستغرق 7 دقائق للقراءة
