أمجد ناصر
لا يفتأ المتنبي يعود. لا يكف عن الحضور، حتي وان كان مطالعو ديوانه قلة، لا تفتأ تتناقص. لم يعد سهلا، في زمننا السهل، قراءة شاعر صعب كالمتنبي. هناك جفوة في المعجم، وفجوة في الزمن والمشاغل وتغير في الذائقة يسميه البعض انحطاطا . لكن المتنبي، مع ذلك، يبقي، في التداول العام، بأبيات جامعة مانعة، يستدل المترنم بها علي واقع حال عام أو خاص. وبهذا المعني يتحول الشاعر، في هذا النوع من الترنم، الي حكيم أو عراف اخترق حجب الزمن والأحوال واختص كل حال ومقام ببيت يختصره ويسري عبر الأزمنة. وليس حضور المتنبي في أبيات متفرقة (كثيرة حقا) عيبا في شعريته. فشعرية ذلك الزمن قائمة علي البيت. تلك واحدة من خصائص القصيدة العربية الكلاسيكية. فلم يعرف شعر تلك الازمنة ما نسميه اليوم الوحدة العضوية . هذا مفهوم معاصر فضلا عن انه غربي المنشأ. فللقصيدة العربية الكلاسيكية تراتب في القول والموضوعات قلة هم الذين نأوا بشعرهم عنه. لكن هذا ليس موضوعنا. انه المتنبي نفسه. شعره الضخم ونفسه المتقلبة ومقاصده الغامضة، واندراج شعره في قيم زمنه.
ہ ہ ہ
تنتابي مشاعر متناقضة حيال المتنبي بين ادراكي عبقريته الشعرية وغموض مقاصده، وضيقي بما يمكن أن نسميه تسوله بالشعر، ووضع عبقريته الشعرية في خدمة أغراض وممدوحين لم يكن يمكن ان يذكرهم التاريخ لولا انهم وردوا في شعره. انسوا سيف الدولة، كافور، أبا العشائر، هؤلأ كبار قياسا بـ مختاري قري ودساكر مر بها المتنبي في رحلته الغامضة وترك لنا اسماءهم في مدونته الشعرية المبكرة. تحدث عدد من الشعراء العرب الحداثيين، أخيرا، عن المتنبي: كيف يرونه؟ وهل أضاع شعريته في المديح والسعي غير المفهوم وراء السلطة؟
يأخذ السؤال علي المتنبي، كما هو واضح، وضع طاقته الشعرية في ما هو غير شعري . قال بعض الشعراء انه متسول، مداح، متنفج، وان الشعر شيء والبحث عن السلطة شيء آخر. أظن أن معظم تلك الاجابات متسرع. فقد نسي الذين قالوا ذلك القول انهم حاكموا المتنبي، ابن الامس، بمفاهيم اليوم. حملوا زمننا علي زمن المتنبي. ولكن ذلك فهم متعسف، لا يجدي نفعا في فهم ظاهرة المتنبي ولا الشعر العربي القديم. فنحن نملك اليوم مفهوما للشعر يبدو الشعر العربي القديم، في منظوره، متخلفا، بعيدا عن مقاصد الشعر الكبري، مجرد مهارات لغوية وبلاغية. لكن العرب لم يفهموا الشعر علي هذا النحو. علينا ان نتذكر ان العرب، بعد قيام امبراطوريتهم الممتدة من الهند الي جبال البرانس اقبلوا علي نقل علوم السابقين من دون شعور بالنقص، باحساس حقيقي الي حاجتهم لتلك العلوم والفلسفات ولكنهم، قط، لم ينقلوا شعر غيرهم. كانوا يرون أن الشعر لعبتهم وفنهم. إنه، في نظرهم، الابن الطبيعي للغتهم. فالعربية، في ذلك الفهم، كانت هي لغة الشعر، والعرب هم امته. هذا يفسر لنا، ربما، لماذا نُقلت فلسفة اليونان ولم يُنقل الشعر اليوناني.. لذلك انكتب الشعر العربي في فضاء نفسه. انه سابح وحيد في فضاء شاسع. لم يكن هناك شعر آخر ليقارنوا به شعرهم. لا أعرف إن كانت المتون الادبية العربية التي رافقت الانفتاح علي فلسفة وعلوم الآخرين قد أشارت الي شعر تلك الأمم (اليونان، أو الفرس مثلا). كان يمكن لعرب تلك الايام أن يجدوا أوجه مقارنة مع نص الآخر في الميتافيزيقيا، وكان يمكن لهم أن ينقلوا التفلسف والنظر والطب أو أن يتثاقفوا معها. أما في الشعر، فكلا. هناك تساؤل طرحه أحد المثقفين العرب (لعله المغربي عبد الفتاح كليطو) في هذا الصدد: ماذا كان سيحدث لو أن العرب القدامي ترجموا الالياذة و الاوديسة ؟
ولكن من يستطيع المغامرة بالاجابة علي هذا السؤال الافتراضي؟
ہ ہ ہ
وجود المتنبي علي قائمة القراءة والتداول العربيين طول هذا الوقت ليس بلا وجاهة، وليس بلا سبب. أحتار، شخصيا، في فهم حضور المتنبي عربيا في كل العصور التي تلت ظهوره كالبرق الخاطف في التراث الشعري العربي: هل سببه تلك اللغة المنحوتة، قوة الصوغ، تبلور الشخصية واعتدادها، الغموض الذي يطبع المقاصد الحقيقية لشعره ومسعاه، حكمته حينا، حزنه حينا آخر، اختراقاته النفسية الساطعة، الفخامة المخيفة لبلاغته؟
قد تكون كل تلك العناصر مجتمعة. قد تكون، أيضا، وقع شعره علي واقع حال لم يتغير كثيرا. مناسبة بعض شعره لواقع متلقيه في لحظات تخلخل كيانية كبري. لعله، كذلك، تضارب الروايات حول شخصه. لكن المؤكد أن شاعرا عربيا غيره لم يحظ بهذا الحضور قط. ولا يمكن أن يكون كل هذا الحضور مجرد صيت أجوف. المؤسف ان الدراسات العربية التي تأخذ بالمناهج النقدية والمعرفية الحديثة قليلة عن المتنبي. شخصيا لم أجد (وقد أكون مخطئا وغافلا) دراسة عربية تتجاوز ما جاء به الفرنسي بلاشير. من الممكن ان تكون مثل هذه الدراسة موجودة ولكنها لم تستطع ان تكون، في فضاء التلقي العام، صورة تخرج المتنبي من التنميطات السائرة.
0
