في كتاب صدر عن أخبار اليوم
لوتس عبد الكريم تكتب السيرة الذاتية لملكة مصر
محمد الحمامصي: كثيرون من أهل مصر والبلدان العربية جميعها ربما لا يعرفون عن الملكة فريدة سوى أنها آخر ملكات مصر. وأنها ماتت فنانة تشكيلية تقيم معارضها خارج مصر وداخلها فى quot;قاعة الشموع quot; التى خصصتها لها صديقتها الكاتبة والاديبة د. لوتس عبد الكريم، والتى فيما بعد أنجزت عنها كتابا تحكى فيها ذكرياتها معها، خصوصا أن الملكة التى كانت تسكن فى حى ثكنات المعادى (جنوب القاهرة) قريبا من فيلا د. لوتس عبد الكريم كانت شبه مقيمة معها فى السنوات الخمس الأخيرة من حياتها. وقد صدر أخيرا في القاهرة كتاب جديد ثان للدكتورة لوتس عبد الكريم عنوانهquot;الملكة فريدة وأنا-سيرة ذاتية لم تكتبها ملكة مصرquot;عن سلسلة كتاب اليوم الشهيرة التي تصدرها مؤسسة أخبار اليوم.. الكتاب يقع في مئة وسبعين صفحة من القطع فوق المتوسط متضمنا صورا ووثائق تنشر للمرة الأولى,كما تضمن أسرارا من شأنها تعيد النظر فيما يخص العائلة الملكية في مصر وكذا علاقتها بضباط ثورة يوليو.
من أبرز ما ذكرته د. لوتس عن الملكة فريدة هو أنها ذهبت إلى د. عاطف عبيد رئيس وزراء مصر الأسبق قائلة له بغضب ومحتجة: هل يعقل أن ملكة مصرية تحصل على معاش فى نهاية القرن العشرين (حقبة الثمانينات حتى وفاتها) قدره(200 جنيه مصرى ndash; 35 دولارا امريكيا) فأجابها: إنه أكبر معاش يمكن أن تحصل عليه، فردته: هل تحصل زوجات الرؤساء على معاش مماثل، فأجابها: إن لهن مخصصات فقالت: ألم تكن آخر ملكة لمصر ويحق لها مخصصات مالية مثل غيرها(تحية عبد الناصر،جيهان السادات) تعصمها من العوز والفقر والحاجة.
وانقطع الحوار لأن د. لوتس رأت أنه لا طائل من حوار كهذا مع رئيس وزراء مصر.
أما الأمر الآخر فهو اقدام بنات الملكة فريدة اللواتى أتين من أوروبا عقب وفاتها، وقمن بحرق صور وأوراق ومذكرات أمهن الملكة فريدة، وكل ما يتعلق بالمرحلة الملكية مع أبيهن الملك فاروق، وما بعده، حارمات بذلك مصر والتاريخ بشكل عام من مذكرات وسيرة ملكة احترمها الشعب المصرى وقدرها كثيرا. فهل كانت تحوى اسرارا تخجل منها بناتها، ولا يردن لأحد أن يعرفها؟.. تقول د.لوتس عنها:quot; إن لها عطرا خاصا خفيفا كالسحر يتضوع حول خطواتها قبل أن تخطو وبعد أن تغيبquot;؟ وكانت دائما متحفظة متوجسة أن تمس أناسا ما زالوا على قيد الحياة، وأناسا فارقوها، لهم مكانتهم ودورهم فى حياتها، وكانت شحيحة فى البوح معتزة بماضيها أيا كان ما لحقها منه. وكانت حياتها قيمة، الخوض فيها ينتقص من شأنها، وتاريخها قدس الأقداس لا تطأه قدم لكيلا تدنسه أو تغيره. كانت ملكة فى سلوكها وتصرفها، كما عرض عليها من أجر من دول عربية وأجنبية لتذيع اسرار حياتها مع الملك فاروق، لتكتب مذكراتها وتصحح التاريخ وهى فى أشد الحاجة الى المادة. كانت ترفض بإصرار وعناد كبيرين.
وكان تقول: اذا تكلمت فسوف أجرح الكثيرين. إنها كنز مغلق، وحسن منيع لا يقترب من أبوابه إلا أخص الخاصة.
وبعد تعب وكفاح وإخلاص وحوار وشك مرير تأنس قليلا، وتفتح قلبها وتدلى ببعض الاسرار وبلا تعليق، أتظاهر بالنسيان وعدم الاهتمام حتى لا تندم ولا تحزن، ولم تكن فعلا تهمنى معرفة اسرارها الا بقدر من الفضول قد يساعدنى على حل لغز شخصيتها.
تقول د. لوتس عبد الكريم في كتابها quot;الملكة فريدة وأنا ndash;سية ذاتية لم تكتبها ملكة مصرquot;: إنه ذات يوم اتصل بى أحد الناشرين من هولندا وعرض عليها أن ينشر كتابا يضم أعمالها الفنية ومراحلها باللغتين الفرنسية والانجليزية وقالت فرحة: quot;هذه فرصة ذهبية لا تعوض وصدقتهquot; ولم أصدقه لا أنا ولا quot;نيفلquot; ndash; صديق الملكة فريدة ndash; وجاء ودعانا جميعا الى العشاء مع بعض اصحاب دور النشر. وبدت الملكة فريدة مرحة سعيدة تضحك وتتكلم، وطالت السهرة والهولندى يصول ويجول ويتلون فى حديثه وأسئلته ويراوغ فى أجوبته،وهى مقبلة على الاجابة والحوار بصراحة وبساطة الاطفال، ولم أسترح لطريقته وشعرت أنه يهودى مراوغ يبحث عن مكاسب معينة بطريقة لا تخدم العمل. ولم أخف عنها شكوكى ونحن فى طريق العودة، لكنها سخرت من أفكارى وأصرت على إجابته لما يطلب وبعد أن قطعنا شوطا فى إعداد الصور والرسومات وسؤال الخبراء فى الطبع والنشر، فوجئنا به يأتى ذات مساء ومعه مسجل صغير قائلا لها: اذا كنت متعبة بوسعك استعمال هذا المسجل وأنت فى سريرك. ما عليك الا ان تتحدثى اليه كل مساء عن ذكرياتك وكل أحداث حياتك وسنترجم حديثك بعد تفريغه الى كل اللغات وأجفلت وقلت لها: أرايت أنه لا يريد فنك كما تصورت، بل حياتك الخاصة وهى مادة غنية كما ترين مطلوبة، وهذه الشرائط المسجلة وثائق تاريخية مهمة، إنه تاجر ماهر وبوسعك مساومته إن أردت تنفيذ فكرته. واقترحت عليها أن تقوم بتلك التسجيلات التى هى ضرورية للتاريخ لحسابها وفور انتهائها تعهد بها الى احفادها للذكرى والمصلحة ايضا.
ولكنها أجفلت وكان رفضها حاسما وقرارها باترا ولم نعد نرى الهولندى ثانية.
ولكن بعد موتها اتصل بى شقيقها الفنان شريف ذو الفقار وسألنى ان كنت اعرف شخصا يدعى quot;دجمةquot; هولندى الجنسية ويعمل بالنشر وأخبرنى أنه حضر الى مصر مرتين واتصل بالاسرة واخبرهم أنه يمتلك صورا ومذكرات خاصة بالملكة فريدة وأنها كانت قد طلبت اليه نشرها وصرحت له بذلك ndash; وبالطبع أفهمته القصة، وأنه أفاق كاذب، وأن الملكة طردته من بيتها ولم يحصل منها على شئ، وربما كانت له وسائله الخاصة التى لا ندرى عنها شيئا، وبدوره رده الفنان شريف ذو الفقار بما يستحق، وردته الأميرة فوزية (ابنة الملكة فريدة) حين حاول الاتصال بها فى سويسرا وهكذا أسدل الستار على آخر محاولة من الملكة لنشر فنها وهى على قيد الحياة.
تقول د. لوتس عبد الكريم في كتابها الجديد: إن الملكة فريدة كانت تقول دائما إن quot; الملك والتاج يزولان لكن الفن خالد باق دائم مادامت الحياةquot;. وهذا هو السر الذى جمعنا. هو القوة التى ربطت أواصر صداقتنا فاستمرت حتى الموت. وتضيف: ومع ذلك فالملكات أحزانهم أكبر من أحزان البشر والملكات خبراتهن تفيض بالثراء وأنا أحب الحزن وأحب الثراء. ورغم ذلك فقد كون هذا الثنائى (الفنانة والملكة) مزيجا رائعا لإنسانة غير عادية تركت فى حياتى أثرا بل اثارا لا يمكن أن تزول. كانت مدرسة وكانت فلسفة وكانت حياة زاخرة صاخبة وعالما يموج بمختلف الأحاسيس وسيمفونية مختلطة الأنغام والالوان.. وكانت لونا من النساء لا يتكرر. كانت ملكة فى فنها، وفنانة فى ملكها وهذا ما سهل عليها التضحية به فى سبيل مبدأ وقيمة وكرامة لا توجد بسهولة، تلك المأاة التى تخلع بيديها التاج، تهجر العرش والمجد والثراء فى سبيل الكبرياء. لا توجد بسهولة من تقول لا للترف والجاه وبذخ الحياة. ولا توجد بسهولة من تشترى كرامتها بتلك التضحية وذلك الثمن الباهظ الفادح الكبير.
وتقول د. لوتس عبد الكريم في كتابها الذي يعد آخر شهادة عن الملكة فريدة: إن الملكة فريدة quot; كانت تزعجها الأصوات العالية والكلمات النابية والموسيقى الرخيصة والأغانى القبيحة والالوان الصارخة، تحب النظام والدقة والانضباط الى حد الوسوسة، تحب الموسيقى الكلاسيك والالوان الهادئة والادب والاحتشام، ذات حس مرهف وذوق رفيع وثقافة وذكاء حاد وشفافية وحدس لا يخيب. تحب الاصالة والبساطة، تمقت الكذب والنفاق، قليلة الثقة بالناس، ذات نزعة صوفية عميقة وزهد وايمان راسخ بالله خالق المعجزات. تحيط بيتها وكتبها وملابسها وحقائبها بالمصاحف والأحجبة والادعية والتعاويذ وكانت أيضا الى جانب القرآن تحتفظ بالانجيل وتحفظ كثيرا من كلماته. رسمت لفظ الجلالة فى لوحاتها كثيرا بصور شتى وكانت تقول أنا أول من رسم لفظ الجلالة وبعدها قلدنى الكثيرون.
تقول د. لوتس عبد الكريم إن الملكة فريدة وهى فى لحظاتها الأخيرة كان جسدها الجميل مسجى وعيناها مسبلتين وشفتاها مفتوحتين نصف فتحة، تتردد بينهما الانفاس الأخيرة، يداها الجميلتان تتلقيان فى استسلام طعنات الحقن المتصلة بأنابيب المحاليل فى الاصابع، فى المعصم، فى الذراع، فى الرقبة، وهى على غير عادتها لا تعترض، لا تصرخ، لا تتأثر، لا تتأوه، وقبل أسبوع فقط من رحيلها، يوم وصولها الى مصر من رحلة العذاب فى سويسرا، كانت تتكلم وتشكو وتخبرنى بكل ما حدث فى رحلتها التى لم تكن فى الحسبان، والتى منعها منها سائر الاطباء وعلى رأسهم د. ياسين عبد الغفار وقد صارحها بخطورة حالتها، ولكنها _ ايضا ndash; كعادتها لا تستمع الى النصائح وتصر على ما تريده:quot; أريد أن أرى بناتى وأحفادىquot;.
وتروى د. لوتس عبد الكريم ذكرياتها مع الملكة فريدة متحدثة في كتابها اللافت عن رحلة مرضها قائلة: كانت قد تحسنت تحسنا ملحوظا بعد مجهود وصبر ورعاية من د. ياسين عبد الغفار وكل من عالجها هناك، وظنت أنها شفيت لمجرد وقوفها على قدميها فصاحت تصر على مغادرة المستشفى الى منزلها وهناك أنهت كل اجراءات السفر وكانت تبدو نشيطة، وكأن المرض غادرها الى غير رجعة، وسافرت.رغم قلقى الشديد عليها لم أستطع مرافقتها كما أرادت، لانها ستكون بين أولادها وهم أحق برعايتها وأوصيت لها بخادمة فلبينية (دوريس) أخذتها معها قائلة:quot; تكفينى هذه ولن يخدمنى أحدquot; تركتها بين يدى الله وأنا أعلم أنه على وجه هذه الأرض ليس هناك من يرعاها سوى الله تعالى. فهذه المسكينة لم يحبها حتى أقرب الناس إليها ولم يكن يتمنى لها الرحمة أو الحياة أحد. وهناك أمرت الاميرة فوزية (ابنة الملكة فريدة) بإدخالها المستشفى وعلاجها على حساب التأمين الصحى ndash; كما علمت أن لها بطاقة تأمين فى سويسرا لكنها لم تكن تحب العلاج هناك واتصلت بمنزل الاميرة فادية ابنتها واخبرنى زوجها بمكانها وشكت لى سوء معاملة الممرضات السويسريات لها، وغلظة الاطباء، وندمت ndash; كما توقعت- على تركها المستشفى فى مصر، ظللت على الاتصال بها طوال الصيف وظلت على شكواها المرة وعذابها المتزايد وحين وصلت الى مصر طلبت منى السفر اليها ولكن لم استطع ذلك للاسباب نفسها التى منعتنى من مرافقتها. وعلمت أنهم يستعملون فى علاجها أحدث أنواع الحقن الخاصة بعلاج اللوكيميا بينما كانت معاناتها فى تعطيل وظائف الكبد بالتدريج والضعف الشديد الذى ازداد من استعمال هذه الحقن حتى وهنت قواها وتوقفت مقاومتها تماما، حتى أن أول تحليل قمت به لها بعد وصولها مباشرة قالت لى د. نازلى جاد المولى حين قرأته (كويس خالص دى شفيت تماما من اللوكيميا). ولكنها ماتت لقد قضى العلاج على اللوكيميا وقضى عليها أيضا.
يوم وصولها الى مصر انتظرتها سيارة الاسعاف قرب الطائرة، فلم تكن تستطيع السير، وكانت كلماتها متقطعة والاصفرار والارهاق يبدوان بجلاء على وجهها حتى أنى دهشت كيف سافرت وهى على هذه الحال. حدثتنى السيدة آمال فهمى الاذاعية الشهيرة صاحبة برنامج (على الناصية) والتى كانت تجاور مقعدها بالطائرة بأنها حاولت الحديث معها أثناء الرحلة ولكنها كانت تهذى بأشياء لامعنى لها، وفهمت أنها بداية الغيبوبة الكبدية والتى قام عنها د. ياسين عبد الغفار إنها بداية النهاية، وفهمت انها جاءت لتدفن فى مصر.
وفى شقتها الصغيرة بالمعادى جلست اليها بعد الغياب بمفردى يوما بأكمله وهو اليوم التالى لوصولها واقبلت على فى لهفة وحب شديدين تحدثنى بأشياء كثيرة عن رحلتها الاخيرة وتفاصيل عن حياتها لم أكن أعرفها.
حين ذهبت اليها بعد ذلك كانت مستغرقة فى غيبوبة شديدة ولم تعد تتكلم أو تعى شيئا، وحضر سعيد شقيقها من الاسكندرية وزوجته ليلى وابنه على، ثم حضرت بناتها الثلاثة واحفادها من سويسرا وتوافد بقية الاقرباء.
وتواصل د. لوتس عبد الكريم ذكرياتها مع الملكة فريدة قائلة: إن الملكة فريدة quot; كانت ضحية ذكائها وملكاتها وطاقاتها بل كانت تلك الطاقات والثورات الداخلية أقوى مما يحتمل الجسد الرقيق فخر تحت وطأة كل ما احتمل.
لقد عانت هذه الانسانة معاناة فوق احتمال اى بشر وربما كان عذابها فى الفترة الاخيرة (من حياتها) مضاعفا مما أدى الى سرعة موتها. فبعد يومين من وصولها مصر تدهورت حالتها تماما ونقلت الى مستشفى النيل بدراوى المطل على كورنيش النيل بالمعادى وكان آخر حديث لها معى هاتفيا من المستشفى عن مفتاح شقتها وأشياء كانquot;نيفلquot; يعرف مكانها هناك(!)
مع قطرات المحلول البطيئة كانت تتسرب منها قطرات الحياة. الأطباء يروحون ويفدون أمام غرفة الانعاش والتى رقدت فيها. فلم يعد مسموحا لاحد بالزيارة واثار ذلك سوء تفاهم شديد فقد حضر اقارب لم نرهم ابدا واصدقاء لا نعرفهم والكل يريد مشاهدتها، التفرج عليها(!)
أمن أجل مشاهدة ملكة فى النزع الأخير أم هو التاج على فراش المرض، أم شفقة مؤجلة، أم حقد وتشف؟. كل ذلك مر بخاطرى وأنا أقرأ وجوه زوارها كلهم وإلا فأين كان هؤلاء أثناء حياتها. ساعة او سويعات يكف الالم وينقضى العذاب.
يدخل على ابن سعيد الشقيق ويجلس الى جوار الفراش يقرأ القرآن وتنفرج جفونها للمرة الأولى والأخيرة. ثم تمد يدها لتمسك بيده ووجها يتألق وهى تردد:quot; لا اله الا الله quot;. هكذا أراد الله ان ينطقها بالشهادة لتعود إليه خفيفة طاهرة الذيل، بريئة من كل شئ،طهرها المرض وغسلها العذاب. وكانت شهيدة المرض والالم الجبار والظلم والعذاب الطويل.
هكذا أراد أن يلقاها الله، هذه المرة طالت الغفوة وحاولت بناتها إيقاظها لتوديعها والحديث إليها دون جدوى. وكانت quot; لا إله إلا اللهquot; آخر كلماتها.
وتذكر د. لوتس عبد الكريم في كتابها الجديدquot;الملكة فريدة وأنا-سية ذاتية لم تكتبها ملكة مصرquot;: quot;وأعلن الخبر الرهيب فى الرابعة صباحا، وكنت فى فراشى بعد أن عدت إلى منزلى مرهقة منهارة، اتصلت بى تليفونيا ابنة عمها quot;نيرفاناquot; لتبلغنى النبأ. ولم تكن مفاجأة فالكل يتوقع ويعلم. والكل ينتظر ويرى نهاية العذاب لها راحة وسترا. ولكن كان لوقع النبأ فى نفسى لون وطعم ورجع فريد لايحسه ابدا سواى، أنا صديقتها وألصق الناس بها وأقربهم إليها فى آخر سنوات حياتها، وفى أقسى أيامها حتى كان وجودها جزءا لا يتجزأ من أيامى ومن حياتىquot;.
هكذا تروى صديقة الملكة فريدة الحميمة الكاتبة والأديبة د. لوتس عبد الكريم ذكرياتها مع آخر ملكات مصر حيث عاشت سنواتها الخمس الأخيرة فى شبه إقامة دائمة معها فى فيلتها الكائنة بميدان الحرية فى حى المعادى جنوب القاهرة.
تقول د. لوتس عبد الكريم:quot; فجأة وجدتنى فى ملابس الحداد، فى شقتها وسط إخوتها سعيد وشريف ذو الفقار وبناتها فريال وفوزية وفادية وهم يتلقون العزاء.
رنين الهاتف لا يهدأ وجرس الباب لا يكف، فى حياتها لم يكن الباب يدق ولا الهاتف يسأل ولا الزوار يحضرون. كان الصمت دائما يخيم على تلك الشقة المتواضعة ولكن الأمر تبدل اليون بموتها فالضجة تعالت واللغط ازداد والزوار الكثيرون قدموا وكأن الجميع لم يعرفوا أنها ملكة إلا اليوم.
عشرات المكالمات والزيارات والصحافة والمسئولون والأقارب، تعزية، استفسارات، وأسئلة بلا آخر، كيف ماتت؟ اين ماتت؟ لم يسال أحد يوما كيف عاشت ولا أين عاشت؟ وأسئلة كثيرة، رحلة المرض، قصة الفن علاقتها بالدولة، بالسياسة، حياتها، الأميرات بناتها؟ متى وصلن؟ كيف يعشن؟ ممن تزوجن؟ الأحفاد؟ الملك؟ أسئلة تبدو حيال الموت ndash; كما أحسست- سخيفة، وفضولا أسخف ليس هذا وقته.
وتقول د. لوتس عبد الكريم إن الملكة فريدة دفنت بمدفن عائلتهاquot; ذو الفقارquot; بالامام الشافعى. وتشير الى أن الملكة فريدة quot;طالما شكت إلى ّ الوحدة، وطالما طلبت الى الجلوس لأهون عليها وحدتهاquot;.
رأيت quot;فوزية الابنة المريضة تتهاوى وفادية تمسك بها ndash; الخادمة الفلبينية quot;دوريسquot; تنتحب وهى تمسك بطرف ذيلى قائلة: كانت طيبة.. وألتفت فأرى شقيقها سعد يرتمى فى سيارته محمر الجفونquot;
وكانت لدى الملكة فريدة سيارة لادا صغيرة بيضاء قوية وقيادتها متعبة، ولكنها تستمر فى قيادتها لأنه ليس هناك بديل حتى فى أيام المرض. وفى أيام المرض كنت أسندها وأساعدها على النزول أو يساعدها غيرى من الخدم إذا لم أكن موجودة وحين اشتد بها المرض كنا نحملها بالكرسى إلى معرضها أو مرسمها. أسمعها تصيح فى الممر وتراب المعادى كثير..لماذا تكرهون النظافة؟. هكذا كانت تنتقد باستمرار وبغيرة حقيقية وحب وحزن القذارة والاهمال والكسل وسوء النظام، وكانت تقول مسكين هذا البلد الذى لا يحبه أهله.
تقول لوتس عبد الكريم انها ذات مساء قمنا ببيع إحدى الوحات لسيدة عربية حضرت واختارتها بنفسها وأخذت موعدا فى اليوم التالى لتحضر وتستلم اللوحة وتدفع ثمنها- وفى الميعاد المحدد جاءت الملكة وغلفت اللوحة بعناية وانتظرنا، فإذا السائق يحضر بالنقود ليدفع ويتسلم اللوحة بدلا من السيدة وثارت الملكة قائلة: ترسل السائق بالنقود، لا لن يأخذ اللوحة وردى إليه نقوده أنا لا أتعامل بهذه الطريقة.
وجاء السيدة بعد ذلك لكنها لم تأخذ اللوحة وكانت الملكة فريدة تحتفظ بمفاتيح قاعة الشموع جميعها فى شريط طويل تعلقه فى رقبتها.
كانت تغلق الأبواب عدة مرات كأنها تخفى كنوزا لا تقدر بثمن تعرف تماما كل ما نسقته بيديها ولا تقبل عبث أى إنسان حتى عملية التنظيف كانت تقوم بها خشية أن يلحق لوحاتها أى ضرر ذات مرة دخلت الى المكان ثم نظرت إلىّ باتهام قائلة: من دخل الى هنا؟ إن بعض اللوحات قد تحركت من مكانها وبعض النظام قد تغير، وأقسمت لها أنه مامن مخلوق قد خطا إلى الداخل ولا أحد يستطيع ذلك، معها وحدها مفاتيح المكان.وأثناء تنقلنا بالمكان اكتشفنا أن قطة كانت مختبئة بالداخل وهذا سبب التغيير وضحكنا كثيرا. كانت دقيقة منظمة فى عملها على حد الوسوسة.
وكانت الملكة فريدة تقول:quot; لماذا تخافون الموت وهو انتقال من مرحلة الى مرحلة كالحياة تماماquot;. وهى القائلةquot; لا يخاف الموت من عاش حياته فى صراحة وصدق. وهى القائلة الملك يزول أما الفن فتخلده. هذه اللوحات لا يموتquot;.
وتؤكد د. لوتس عبد الكريم في كتابها وهى تستعرض ذكرياتها مع الملكة صافيناز ذو الفقار التى تحمل اسم quot; فريدةquot; طبقا لتقاليد عائلة محمد على التى تبدأ أسماؤها بحرف الفاء لمن هم من العائلة ولمن انتسبوا اليها بالزواج ndash; إن الملكية فى ناحية وفريدة فى ناحية أخرى تماما ورغم ذلك فقد دفعت أخطاء الملكية حتى بعد تركها الملكية.. ولم يكن لها ذنب فى كل ما حدث لها. أحزننى وأحزن الجميع ذلك كثيرا.
ورحل فاروق ومعه الأميرات وبقيت هى فى قصر الهرم حيث بدأت رحلتها مع الفن ومع العذاب. وهيأ القدر يوما فرصة وجودى فى باريس فى الوقت ذاته الذى كانت تقيم به أحد معارضها الكبرى، هكذا قرأت فى الصحف. وطرت فرحا، سأذهب، سأراها وسأحادثها، تلك الاسطورة التى ارتبطت صورتها فى خيالى قديما بالطهر والكبرياء والجمال الرفيع. وذهبت ورأيتها. رشيقة جميلة تماما كما تخيلتها، إحدى ملكات الأساطير، لكن حديثى معها كان عابرا، مبتورا ربما لاضطرابى الشديد أو خجلى أو احترامى. كنت ضمن العشرات من الحضور.
اللقاء الثانى كان ايضا بتدبير القدر ورغبتى. فى البحرين حيث اعتدت السفر مرارا كانت هناك وسط لوحاتها وجماهير محتشدة ترحب بها، لم تمكننى الظروف من البقاء ومحادثتها أكثر من دقائق. وظللت أتابع اخبارها حتى حانت الفرصة، فى معرضها الأخير بالقاهرة عرفتنى، وجدتها منهمكة فى ترتيب الحوامل وتنسيق الأضواء واللوحات، ودهشت أنها تعمل بيدها كل شئ وتجلس على الارض تعاون العمال وتتسلق الدرج فى نشاط لترفع شيئا أو تنزل أشياء.
بسيطة طبيعية، شعرت بالارتياح، كان هدفى أكثر من مجرد الكتابة عنها فى مجلتىquot; الشموعquot; وحددنا موعدنا للقاء فى شقتها صباح أحد الايام. ومرضت ولم أذهب لكنها بادرت بالاتصال ودعوتى للذهاب. شجعنى ذلك، وأسعدنى فذهبت. رحت أبحث عن العنوان المعادى السرايات شارع 14 شارع صغير هادئ جانبى أين سكن الملكة؟ لا أحد يعرف أن هنا ملكات، لا رقم على العمارة التى وجدتها أخيرا منزل صغير من أربعة أدوار،حديث البناء متواضع المدخل، دلفت، المصعد غير نظيف يحدث بابه صوتا مزعجا حين يفتح بالاحتكاك وليس به نور.
استعنت بالبواب، لم يتحرك من مقعده ولم يبد أى اهتمام بمكان من أسأل عنها.
أطفال حفاة يجرون حول السلم وخادمة فلاحة تفتح باب الشقة المواجه تحمل صفيحة زباله وتصيح فى الاولاد.. هذا هو الوسط الذى كانت تعيش فيه ملكة مصر السابقة.
أدق الجرس، تفتح لى خادمة سمينة تربط رأسها بمنديل أسود، وأدخل. الشقة أكثر تواضعا من العمارة. صغيرة جدا لكنها أنيقة ومنسقة ألوانها بين البيج والرمادى توحى بحزن قاتم.
أول ما قابلت، طاولة صغيرة بجوار الباب عليها صورة الملك فاروق متوجا وحده، ثم صورة الملكة متوجة فى برواز آخر. فى الداخل منضدة مستديرة وأخرى مستطيلة عليهما مجموعة من صور الملك والملكة والأميرات والأم والاب والاخوة.
الحادية عشرة صباحا والشقة الصغيرة تسبح فى ضوء الشمس المتدفق من بلكونة صغيرة جدا تحيط بها الزروع والورد، بها أريكة تجلس عليها الوالدة العجوز التى تجاوزت التسعين.
قابلتنى سامية.. الفتاة الملازمة للملكة والتى تربت فى القصر منذ ميلادها وهى تنظم مواعيد وأوراق الملكة وتلازمها وتطبخ لها أحيانا.
وتقول د. لوتس عبد الكريم: إن الملكة بسيطة لكن لها حضورا عجيبا ويشع فى عينيها ذكاء حزين. وكانت تقول لى إن: هناك مؤامرة تحاك فى الخفاء ضد هذا البلد المسكين من أجل تشويه جماله بأيدى أعداء غير مصريين لأن كل تشويه يتم فى البداية بسرية وتوجس غريبين حتى لا يشعر أحد ثم فجأة تجدنا أمام تمثال من القبح. أكشاك خشبية، كازينو غير لائق، مبنى قبيح يحجب عنا جمال النيل.
وكان ضمن برنامجها اليومى الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية على الاقل -لمدة ساعة ndash; مرة زرتها صباحا وظلت مختفية فى غرفتها ولما طال ذلك قلقت وذهبت لأدفع الباب برفق واذا بها ممدة فى الفراش مغلقة العينين وجو الغرفة مشحون بالموسيقى العنيفة ولم تشعر بقدومى حتى انتهت المقطوعة. أما الموسيقى العربية والاغانى العربية الرخيصة فكانت تصاب برعب حتى لتوشك الاغماء، حين يدير السائق مصادفة راديو السيارة على أحد هذه المقاطع.
قوى خفية تحيطها
كانت الملكة فريدة آخر ملكات مصر تؤمن أن هناك قوى خفية تحيطها بالشؤم وتسلبها السعادة.. كانت دائما تردد أمام الكاتبة والأديبة د. لوتس عبد الكريم مؤسسة مجلة quot; الشموعquot; وصاحبة امتيازها، والصديقة الصدوق التى احتوت الملكة فى سنواتها الخمس الاخيرة:quot;نازلى كانت تكهرنى واستعملت السحر كى تعذبنى فى كل مراحل حياتى فحرمتنى أعز ما لدى..زوجى ثم أولادى ثم راحتى واستقرارى وأخيرا صحتى هكذا تطاردنى اللعنة الخفية أينما حللت.
هكذا كانت عقيدتها الراسخة كما تذكر د. لوتس عبد الكريم فى شهادتها حول الملكة فريدة إذا تقول: السحر وكيفية التغلب عليه بأية وسيلة على شر هذا السحر، فى القرآن الكريم، فى كتب الدين، ثم فى أعمال بعض من يستعينون بالجان، وكانت تسجل أحاسيسها واعتقاداتها فى كثير من لوحاتها خصوصا فى المرحلة الاخيرة، وجوه مخيفة،دماء وأصابع وأظافر وخطوط رهيبة داكنة وعيون مذعورة.
ذات صباح بادرتنى هاتفيا فى ذعر حقيقى:quot; الحقينى، ماذا حدث؟ تعالى، وجدتها تمد لى يديها بخاتم ذهبى كان ملازما لإصبعها عليه التاج الملكى وقد انكسر من باطن اليد، ونقصت منه قطعة بمقدار ملليمتر. قالت لى: فسرى ذلك، صحوت من النوم وجدته فى أصبعى بهذا المنظر والأدهى أن هناك قطعة ناقصة منه يعنى كسرا غير عادى بفعل غير عادى، وطلبت منى الاتصال بد. مصطفى محمود فقد يفسر هذه الأمور الخفية ثم الذهاب الى أحد الصاغة وسؤاله عن خواص الذهب وكيف يمكن أن يحدث هذا، وضحك د. مصطفى محمود وأجابها متفكها: مفيش عفاريت أثناء نومك يمكن أن تفعل هذا بالخاتم.. لكن اذا كان ده خاتم الملك والملك لله وحده فأحسن شئ هو التبرع به للمسجد أى الله. ولم يعجبها كلامه ولم تفرط فى الخاتم. وقال الصائغ: ربما استعملت مادة اثناء الرسم اثرت على الذهب فانكسر، ولكنها تصر:quot; والقطعة المفقودةquot;، ولم تقتنع وخلعت الخاتم واحتفظت به فى علبة خاصة. وفى الصعيد ذهبنا الى أحد quot; جهابذةquot; علم الارواح والاتصال بالجان وفك طلاسم السحر وقضينا يوما بأكمله فى أحد الابنية النوبية القديمة وهو يقرأ لها القرآن والرقى ويطلق البخور لمحو تلك اللعنة التى سطرتها نازلى ودفنتها فى قبر مجهول منذ خمسين عاما، ثم أخذت معها أحجبة كثيرة للاستحمام ببعضها واالحتفاظ بالبعض الآخر كما أمرها الرجل، وحين وصلنا فى المساء طلبتنى مرتاعة وهى تقول همسا: هل علمت بما حدث؟ لقد اختفى الحجاب وسط المياه التى أعددتها للاستحمام بل تبعثرت المياه وسالت على الارض ولم استطع الاستحمام ابدا.
إن السحر أقوى من أن ننتصر عليه.
فى ذلك المساء طفقنا نحكى عن الارواح وحكايات عن السحر، ولم تنم فى الصباح قالت لى: عندى مفاجأة! ورفعت غطاء أبيض فى غرفة نومها من فوق حاجز أمام الشباك فإذا بلوحة صاخبة الألوان مطموسة المعالم تطل بها وجوه مخيفة من قلب العتمة،قالت لى انها أمضت الليل تفرغ فيها شحنة رعبها وحاولت أن تجسم بها تلك quot; القوى المجهولةquot; وأطلقنا عليها ذلك الاسم.
هذه هى الملكة البسيطة فى عقائدها، المثقفة، المتناقضة مع نفسها فى شتى المجالات.
وتذكر د. لوتس عبد الكريم إن الملكة فريدة كانت متعصبة لكل ماهو مصرى صميم وأصيل كانت تقول: إن مصر هى الريف، الحوارى، الفلاحون، والصعيد، الجرة، القلة، الزير، هذه الاشياء الاصيلة أصبحنا نفتقدها فى حياتنا.
وفى مطعم فلفلة كثرت زياراتنا لأكل الفول والطعمية والطحينة والبصارة كانت تقول إن الفول أحب وأشهى إليها من كل اللحوم.
نوبات الاكتئاب
وتؤكد د. لوتس عبد الكريم فى شهاداتها على السنوات الخمس التى اقتربت فيها من الملكة فريدة إن كل الجروح والاهانات والآلام بدأت معها منذ كانت صبية فى أول شبابها ومنذ بدأت تتناول المهدئات كما حكت لى.وبعد أول يوم أنجبت فيه ابنتها الكبرى فريال وخاب أمل الملك واثناء انتظاره وليا للعهد فى كل مرة تحمل بها كانت تعيش على العقاقير والمهدئات طوال فترة الحمل بل انحدرت الى تنفيذ الوصفات البلدية للمساعدة على إنجاب ولد. هكذا كان يقتلها التوتر والقلق. ثم تأتى الولادة ومعها بنت أخرى ويشتاط فاروق غيظا ويقوم جدار غير منظور بينهما وتنهار وتستسلم أكثر للعقاقير، منذ ذلك الحين وهى تعانى نوبات الاكتئاب الحادة، ثم بدات الجفوة بينها وبين الملك تتسع بعد ذلك الى ان أصبح الجرح جرحين بعد أن تعرف الى إحدى وصيفاتها بالقصر وهى سيدة على جانب من الوقاحة كانت تكيد لها وتجاهر بعلاقتها بالملك، وأدى ذلك بالملكة الى تحديد علاقتها به حتى أصبحا غريبين تحت سقف واحد. كان ذلك بداية طريق الآلام.
أذكر مرة ونحن فى طريقنا الى المستشفى إثر إحدى نوبات مرضها الأخير كانت تمسك بكلتا يدى وهى ترتجف كأنها تتوسل وتردد: أريد مهدئا كبيرا قويا يطفئ كل أحاسيسى فأنسى، أنسى تماما كل حياتى وأرتاح.
فى لحظات ضعفها كانت تفضى وتبوح، فهل كانت تصبو فعلا إلى قتل نفسها لا شعوريا. كثير من التناقض يبدو لى تجاه مسلكها مع نفسها فأنا أراها فى أحيان أخرى كثيرة تعشق الحياة إلى حد التفاؤل والأمل وهى فى قمة اليأس. وكثيرا ما فكرت فيما حدث لها وهلعت، إنه شئ فوق تصور البشر.. ملكة فى قمة المجد والابهة والترف تخلع بيديها التاج لتهبط بعد ذلك الى أدنى من مستوى امرأة عادية، كيف؟، كيف استطاعت ان تقنع بالحياة وحيدة فى غرفة صغيرة فى شقة متواضعة فى الغربة بباريس، اشتراها لها شاه ايران السابق وعلى دخل محدود كان يرسله اليها وأحيانا كان مكسبها الضئيل من بيع لوحاتها. كيف، وقد باعت ملابسها هناك قطعة قطعة لتسد مصاريف الأطباء بعد انهيار عصبى شديد أصابها تستعيد قوتها مرة ثانية ويدفعها الأمل للحضور إلى مصر، محاولة البدء من جديد، وبأمل آخر جديد.
تقول د. لوتس عبد الكريم: إن الملكة فريدة كانت تحب اللون الأخضر، أذكر يوم اختارت مقر معرضها بالدور الارضى لدى، نظرت الى زرع الحديقة الذابلة ولم تعجبها واحضرت البستانى وأمرته بتشجير المكان وإحضار نباتات اقترحتها وزرع الزهور فى كل مكان، وأخيرا وقفت بإعجاب وحماس تنظر لما حولها قائلة: هكذا يستطيع الانسان ان يعيش وسط الخضرة والزهور بقى ان نجمل المكان اكثر بالكراسى ونجتمع كل مساء وندعو الاصدقاء، وترسل لنا رتيبة الحفنى فرقة أم كلثوم العربية لتعزف وتغنى، وتدعو لنا د. نعمات فؤاد الأدباء والفنانين وأعرض لوحاتى وسط هذا الحشد الفنى الجميل، هنا نعيش.
تواصل د. لوتس عبد الكريم شهادتها على سنواتها مع الملكة فريدة قائلة: لم تكن الملكة فريدة تتحسر ابدا على ضياع الملك أو القصور أو الجاه والمجد بل كانت على استعداد للحياة البسيطة فى أى مكان صغير ونظيف ومريح والاستمتاع فى حدود استطاعتها لم تكن تياس أو تستسلم ولم تكن رافضة للحياة. رأيتها يوم اكتشف الأطباء مرضها اللعينquot; اللوكيمياquot; تقضم التفاحة بشهية وتخبط بقدميها الارض صائحة مثل الأطفالquot; المرض بالشلوت، سأعيش وأتغلب عليه quot;.
تقول د. لوتس عبد الكريم: وأمضى أتحسس ميدالية ذهبية فى سلسلة بصدرى أهدتها لى فى عيد ميلادى، مرسوما عليها عين مكتوب بها الله، إنه دائما الخوف من الحسد واللجوء الى الله.
وأسالها يوم عيد ميلادها ماذا تحب أن أهديها فتطلب قرطا مستديرا من الفضة، هذا القرط وجدته ضمن أشياء تعتز بها تخفيها فى درج خاص بها وهى تقول أحب الفضة كثيرا واتفاءل بها.
هكذا كانت تخفى أيضا عواطفها وربما أظهرت عكس ما تبطن، ولكن كثيرا ما كنت أضبطها متلبسة بتلك العواطف والمواقف الانسانية.
أمام قبر فاروق
ذات يوم قارس البرد من أيام الشتاء طلبت منى الذهاب معها بسيارتى الى المقابر، وحين شارفنا مسجد الرفاعى طلبت منى الابتعاد قليلا ونزلت وحدها تزور قبر فاروق وغابت أكثر من نصف ساعة، ثم عادة محمرة العينين من البكاء.
هذه الحادثة تكررت كثيرا ولا يدرى أحد لماذا كانت تذهب؟ حقيقة مشاعرها فى العودة، أم كانت تسعد بتلك الزيارة أم تكفر عن ذنب لم تقصد ابدا ارتكابه فى حق صاحب القبر، طالما قالت ردا على اتهامات اقاربها وذويها، quot;لوكنت اعلم ان افتراقى عنه سيسبب له كل تلك المشاكل وسيغير وجه تاريخ مصر كما تقولون ما طلبت ابدا طلاقى منهquot;.
كان ذلك الشعور بالذنب يلازمها حتى آخر ايامها وكانت تشعر فى عذابها بأنها تكفر عن ذنب تخليها عنه فى زمن حرج، كان بحاجة فيه الى احتواء مخلص من أقرب الناس اليه وهى تقول: إن فاروق ظل طفلا طوال حياته وبحاجة الى أم ترعاه بعد ان تخلت عنه أمه وانصرفت الى حياتها الخاصة وكانت تغار عليه وتحيطه بسيطرتها وتؤذى من يحبه.
وأسألها فى قمة عذابها: لماذا فعلت بنفسك ذلك؟ واستطرد.. كل النساء تعسات، الغنية منهن والفقيرة، ولم أر واحدة تضحى بسهولة بالزوج أو البيت أيا كان وألح فى فضولى: لماذا لم تتزوجى؟ كنت جميلة ورائعة وبعد الملك ألف من كان يطمع ويريد ألم ترى فيما فعلت جاكلين كنيدى الصواب وهى التى كانت ملكة على أكبر العروش. ثم أعاود الالحاح، ألم تندمى بعد كل ما اصابك، وكيف تحسين اليوم بمكن فاروق؟ ثم الم يكن ملكا. ايحاسب الملوك كما يحاسب الأزواج العاديون؟ أكنت امراة عادية حتى تغارى وتغضبى. أليس فى التاج والعرش مسئولية تكفى لكبح جماح العواطف وتقييد المشاعر والارتفاع فوق معانى الكرامة والكبرياء والأنوثة أو استبدالها بمعايير أخرى تناسب الملكية؟ ألم تكن لك رسالة تفوق فى أهميتها كل هذه المفاهيم وهى تارة تجيب وأخرى تلوذ بالصمت، تارة تجيب بحدة ثم بهدوء ثم بشرود ثم بثورة. إجابات كثيرة ومتعددة ودائما وأبدا تحتفظ لنفسها بالكثير. قالت: هو والد بناتى وهو الذى جعلنى ملكة. وقالت: لا أحد يعرف فاروق كما عرفته وكل الناس اساءت به الظنون، لقد كان طيبا وكريما ونقيا وكان ضحية الذين يملأون القصر وكنا أطفالا بجانبهم ولا أدنى خبرة بالحياة. لا لم يكن تهورا منى طلب الطلاق ولكنى كنت طفلة لا أبصر النتائج. فاروق لم يكن يريد، لكنهم أجبروه على توقيع وثيقة الطلاق، كما طلبوا منى إرجاع هدايا الزواج: التاج والعقد وكثير من أشيائى.
تقول د. لوتس عبد الكريم في كتابها الجديد الذي صدر في القاهرة عن مؤسسة أخبار اليوم: حين كانت تعاودها نوبات الاكتئاب كانت تنبطح أرضا وتأخذ والدتها فى أحضانها وتظل ساكنة هكذا ساعات طويلة، بل كانت هذه الأم التى تعدت التسعين من عمرها والتى لا ترد ولا تتكلم أو حتى تعى شيئا، كانت تأنس الى صحبتها وتحدثها كما لو كانت تسمع أو تفهم قائلى لى: إنها لا تعرفنى ولكنها الانسان الوحيد الذى يسعدنى الجلوس اليه، وظلت حتى آخر يوم فى مرضها تمشطها وتعد بنفسها حمامها وتعطرها وتعالجها وتعتنى بها فى حب وعذوبة شديدين، تدللها وتخشى عليها من البرد ومن الحر.
ذات مرة طلبت منى أثناء سفرى شراء مروحة صغيرة جدا ذات بطارية لتضعها بجوار رأسها حين يشتد الحر، كذلك مجفف للشعر رقيق وأنيق تستعمله حين خروج الأم من حمامها حتى لا تبرد.
كانت تفتقد الاصدقاء وتغضب وتحزن اذا تخلفنا أنا ونيفل (صديقها) يوما أو يومين، كانت تقول: لقد تركت باريس بعد أن عذبتنى الوحدة بها كثيرا الى مصر حيث آنس بدفء الناس.
وحين يلح عليها الأطباء فى منع المنومات كانت تقول لنا: اذا مكثتم الى جوارى فلن أتناول المنوم ابدا، إننى أتغلب به على الوحدة. وكثيرا ما كانت تنتابها نوبات من الرعب والهلع لتصورها نفاذ نقودها فتموت من الجوع أو تذل أو تهان فيدفعها القلق الى مضاعفة جرعة المهدئات مما أثر على الكبد فى أعوامها الأخيرة.