1-
ربما أطوي في المرة القادمة، وها أنك ترى شكوكي من الكلمة الأولى، من الخطوة التي لم أشرع فيها بعد حتى، كل مسافات العذاب تلك. قد أعود إلى ما يمكن تسميته داري، إلى العائلة التي خلفتها من ورائي منذ ثلاثة عقود. ما الذي كانت قد حدثَ، ستقول لي في لحظة لقاءنا الأول. لكن، بودي أن تعرف ذلك من الآن، لن يكون بمقدوري الرد على سؤالك. فالرعب صار يسكنان كلينا. أنت في وطنك الذي ولدت فيه، والذي لم ترني فيه أبداً، مع أنه وطننا المشترك، أو هكذا كان ينبغي أن يكون، مثلما هو للكثيرين غيرنا. وأنا في منفاي، حيث أواصل فيه مجرد البقاء، الذي لا تعرف أنتَ عنه أي شيء؛ هذا المنفى الذي حرمَ عليَّ أية فرصة للتعرف عليك. لم نتواصل كثيراً، أو بالأحرى أبداً، لا عبر الرسائل ولا عبر اللقاءات المباشرة، كما يفعل الكثيرون غيرنا منْ أولئك الذين هجروا أوطانهم وعائلاتهم مثلي. ستقول لي : لماذا تركتنا وحدنا كل هذا العمر الطويل، زوجتك، شقيقتي وأنا؟ سأظل صامتاً. وسوف يمر وقتاً طويلاً قبل أن أتمكن من فتح فمي. فأنا لا أحاول هنا تبرير ذمتي، أخلاء ساحتي، أو أفعالي. لكنك سوف لن تصدق أبداً، إذا ما قلت لك بأن لا ساحة لي ولم أقم بأي من الأفعال، التي يمكن أن تتخيلها. كذلك سيكون من المضحك إذا ما اكتفيت بالقول : لقد هربتُ بحكم الفاجعة. لن تفهم ما أقول. ليس لأنك تعجز عن الفهم. أو أن ما أقوله سيأخذ دورة كبيرة من الشرح والتفسير لا تتحملها روحك، التي ما زالت طرية بالرغم من العقود الثلاثة، التي مرت في قسوتها وحزنها، مقارنة بعمري أنا. كلا، ليس لهذه الأسباب، فأنت من الفطنة حداً يوفر لك قدرة الفهم تلك، كما أظن وأعتقد. لكن منْ سيكون بإمكانه، أنا أو غيري، من وصف أو تسمية الفاجعة دفعة واحدة؟ وهذا ما ستطالب أنتَ به حتماً. وهو نفسه الذي سيُخرسني. يُخرسني من الآن، يشل كل قواي، ويميت فيَّ أية إمكانية على التفكير أو اتخاذ الخطوة الأولى للشروع برحلة العودة هذه، التي أتطلع نحوها من كل جوارحي، والتي تفزعني في ذات الوقت.

2-
مرة كتبت لي أمك رسالة قالت فيها : quot;لقد أصبح عمر طلال ثمانية أعوام، وعمر آمال عشرة؛ طلال في الصف الثاني الابتدائي، وأمال في الرابعquot;. مع تلك الرسالة، كانت قد أرفقت صورتيكما من فوق سطح الدار. كنت أنتَ ترتدي قميصاً مقلماً من القطن الجميل وسروالاً قصيراً؛ كنت تبتسم في الصورة وتنظر في أفق يمتد عبره بصرك، تحيط بك بعض الشجيرات الصغيرة أو ما لا أدري أيْ نوع من الأعشاب والزهور، فيما كانت آمال تلبس فستاناً قصيراً وشعرها الأسود يهبط من فوق كتفيها الصغيرتين، المكشوفتين، لكنها كانت تبدو أكثر حزناً منك؛ منكسرة بعض الشيء. حينما تطلعتُ في تلك الصورة، تساءلتُ، والموت قد حل سلفاً في دواخلي، إذا ما كانت آمال قد بدأت تستشعر بثقل غياب والدها عن المنزل، أو إذا ما كان حزنها، في ذلك العمر الغض، قد شرع يأكلها من الداخل؟ كان عمرها ثلاثة أعوام حينما غادرتُ. البعض ينعت مغادرة أو هروباً كهذا بالجبن، فيما يصفه البعض الآخر بالشجاعة، والبعض الثلاث بالحتمي والذي لا مفر منه. أمّا أنا، لكي لا أخفي عليك أي شيء، فلم يكن بمقدوري تسميته في لحظة المغادرة تلك، كما لم يعد بإمكاني، بعد هذه العقود الثلاثة، مجرد النطق به. كلما أعرفه سأقوله لك بصراحة، وإن كان ثمنها قتلي، كما لوحتَ لي في المرة الوحيدة التي اتصلت بي فيها هاتفياً في عمرك الحالي، أو قبله بثلاثة أو أربعة أعوام. ما زالت كلماتك تدوس في وجداني كالخناجر الحادة، المفزعة والتي لا توصف. قلت لي : quot;إذا كنت رجلاً حقيقياً، فلتخرج من منفاك المزيف هذا، لتأتي إلى بلد شرقي وسنلتقي هناك، لكي أصفي معك حساب كل هذا العمر الذي عانيناه وأنت بعيداً عنا. لقد صرت أقول لمنْ يسألني عن أخبارك بأنك قد مت. وبالفعل، لقد أسقطنا اسمك من مجموع أفراد العائلة، في إحصاء النفوس الأخيرquot;. سأخبرك، إذاً، بصدق مطلق، كيف جرى الأمر في حينها : كل ما كنت أعرفه أن زوجتي نفسها هي منْ دفعني على المغادرة، بالرغم من ممانعتي الشديدة لها. كانت ثمينة، أمك، تعيش طيلة الوقت الذي كنا فيه معاً، أنتَ لم تكن قد ولدت بعد، حالة من الخوف، من التشتت، من الهلع والرعب الدائم. كانت ترتعش تقريباً في دائرة عملها، أمام زملائها، كما قالت لي، وكذلك في الدار، فيما لم يكن هناك من أحد ليشاركنا إياها. كانت قلقة ومضطربة حتى عندما كنا نبقى وحدنا في السرير. مرة قالت لي، في اللحظة التي كنت أنحني فيها لتقبيلها، في عزلتنا المطلقة تلك، إذ كان الباب وكذلك النوافذ مغلقة؛ كان فصل شتاء قارص ببرده في ذلك البلد؛ قالت لي : quot;أسمعني جيداً، يا سليم، إذا كنت تحبني، كما تقول، عليك أن تغادر، أن تترك هذا البلد اللعين، فأنا ما عَدتُ قادرة على تحمل كل هذا العذاب والتمزق اليومي الذي أعيشه لحظة بعد لحظة. يجب عليَّ أن أقول لك أيضاً بأنهم إذا ما جاءوا هذه المرة لأخذك في الليل، أو في ساعات الفجر الأولى، فسأخرج في صبيحة اليوم التالي عارية تماماً في الشوارع، فأنا لا أملك طريقة أخرى للاحتجاج غيرها، أنتَ تراني أموت لحظة بعد لحظة، أموت كلما تخيلتُ بأنهم سوف يعذبونك، أو يلقون فيك في أحد الزنزانات المظلمةquot;.
تظاهرت، في البدء، بعدم الفهم وحاولت رسم ابتسامة شاحبة على شفاهي، بغية التخفيف من هلعها. كان ذلك عبثاً. بعدها، سألتها : quot;وكيف لي أن أتركك وحدك مع آمالquot;؟ وإذا بردها يأتي سريعاً وجاهزاً، وكأنها كانت تتوقع مني طرحه عليها : quot;ما عليك، هذه ليست مشكلة، سنعيش لبعض الوقت أنا وآمال سوية في هذه الدار التي ورثناها عن والدي، لا تقلق علينا من هذه الناحية، أنا موظفة وعندي خمسة أخوة، كما تعرف؛ كل ما أريده الآن منك هو أن تغادر، وحين ستستقر بك الأمور، ستبعث علينا، وسوف نلتحق بك مهما كلف الثمنquot;. كان إصرارها من الصلابة والصدق ما دفعني، بالقوة، وبالرغم من احتدام إرادتي على الصمت.
بعد أسبوع واحد فقط من حديثنا ذاك في السرير، كانت تقف أمامي وبيدها تذكرة السفر، جوازي الخاص، الذي لا أعرف كيف حصلت على تأشيرته، وكل ما يتعلق بشؤون الدائرة التي أعمل فيها. لم تكن مغادرة ذلك البلد ما أحزنني في حينها، فأنا منذ مراهقتي تقريباً، وقبل التعرف بأمك، كنت أعرف استحالة بقائي هناك. لكن آمال، شقيقتك، بوجهها الأسمر الحزين، الذي كنت أحبه من أعماق روحي، كأي أب آخر، كانت طفلتي الأولى، ثمرة حبنا الأول، أمك وأنا، وكذلك ساعات الفرح التي كنت أقضيها مع تلك الطفلة، حين كنت أتجول معها في الحدائق العامة، أو عندما كانت تطلب مني أن أشتري لي هذا الشيء أو ذاك. أو عندما تلفظ بكلماتها المتعثرة حينها مفردة : بابا، كانت الأرض تكتظ بي فرحاً. كما كان حبي لثمينة، زوجتي وأمك، لا يوصف ولا مثيل له في ذهني، حينذاك. كانت هي، إذاً، منْ دبر بقوة حبها كل تلك الأمور. كل ذلك كان يقف في وجهي ويدميني.
ومع ذلك، في الموعد المحدد للسفرة، في يومه المقرر سلفاً، وساعة أقلاع طائرته المفروضة والتي لا يمكن الإفلات منها، غادرت.
لن تكون هناك أية جدوى إذا ما حاولت الآن، بعد كل هذه الأعوام المرعبة التي مرت عليَّ في منفاي،أن أصف لك طبيعة الألم الذي كان يحرث أحشائي ويحرقها. ولن تصدق أنتَ ذلك أيضاً، فعمق شكوكك بصدقي، أو حسن نواياي قد تضاعف، وصار قوياً ولا يتزحزح عن مكانه، بعد كل ما حدث من خراب ودمار من حولك. في حياتك، كما على طول وعرض البلد الذي ما زالت تعيش فيه. منْ يجرأ على تسميته بالعيش؟ أي رعب عاصرت، أية كوارث عرفتها روحك الهشة وقلبك الصغير، أي خوف كان قد مزق نسيج ولحمة الوجود فيك ومن حولك، في ذلك المكان الذي لا أعرف إذا كان من حق أحد تسميته بالوطن، أي المكان الذي ما زلت تواصل البقاء فيه؟
أعرف جيداُ، يا ولدي العزيز، بأنه لا شيء يخول لي اليوم طلب أية مغفرة منك. أو أتوسلك لكي تعفو عن آثام رحلتي، و دوافعها العميقة. كذلك لا أرغب في القول بأنها كانت قضاء وقدر، مع أني أميل في دواخلي، أحياناً، لمنحها اسماً كهذا. غير أني لست قادراً، وأنا أكتب إليك في هذه اللحظة، تسميتها باسم أخر غير اسم الفجيعة، حتى وإن لم يرق لك ذلك، وقد تتعامل معه باحتقار وتعال، أو ربما ستعتبره من مفردات الموروث العتيق المتداول. لن أعترض على ذلك، يا ولدي الحبيب، الذي لم أره أبداً، لكن عليك التأكد بأن ما أسميته بالفجيعة لا يرتقي في الواقع لمستوى ما كانت أمك تعاني منه وتخشاه، دافع هروبي الأعمق.