كامل الشيرازي من الجزائر: تمرّ الأربعاء القادم ذكرى رحيل الأديب الجزائري الفذ quot;الطاهر جاووتquot; (1954 ndash; 1993)، هذا المتكلم الحي الذي أطلق قولته المأثورة quot;الصمت موت، فإن التزمت الصمت ستموت، وإن تكلمت ستموت، إذن تكلم ومت''، لكن جاووت لم يمت طالما أنّ روائعه لا تزال ماثلة بيننا.
وبمناسبة الذكرى السابعة عشر لاغتياله من طرف مجموعة إرهابية، شكّلت أعمال هذا الكاتب والشاعر والصحفي، مادة خصبة تناولها كوكبة من الأكاديميين بمزيد من التمحيص، وأبرزوا في تصريحات خاصة بـquot;إيلافquot; التفتح الواسع للراحل على الآخر، وتشبث مبدع رائعة 'الحراسquot; بمفهومه للهوية الجزائرية بأبعادها المحلية والدولية والتاريخية.
بهذا الشأن، ترى الأستاذة الجامعية quot;عفيفة برارحيquot;، أنّ ما كتبه جاووت بأسماء مستعارة أو باسمه الحقيقي في عدد من الجرائد المحلية وكذا صحيفته الخاصة quot;القطيعةquot;، كانت له بمثابة خزان للمعطيات التي وردت في مقاطع أدبية كاملة في سائر رواياته، وتؤكد الأستاذ بجامعة الجزائر:quot;حين كان الطاهر إعلاميا صحافيا مبتدئا، كان بالموازاة قارضا للشعرquot;.
وأفادت برارحي أنّ جاووت كان مدافعا مستميتا عن المبادئ الإنسانية النبيلة والقيم الحضارية المشتركة بين شعوب المعمورة ونضاله من أجل حرية الإنسان وتفكيره الحر، وكذا مساندته للقضايا العادلة ووقوفه مع تحرر المرأة حيثما تواجدت، مع فضحه في إبداعات أخرى مظاهر التعسف والاستبداد والجورquot;.
أ.برارحي التي سبق لها الاشتغال على عملين أدبيين لجاووت وهما quot;تحليق العصفورquot; وquot;أحداث متتابعةquot;، تشير إلى التماهي الذي يطبع بعض أعمال جاووت مع مواطنه الأديب الجزائري البارز quot;الطاهر وطارquot;، لا سيما من حيث الموقف الملتزم والأوجه النضالية في روايتي جاووت quot;العسسquot; وquot;الباحثون عن العظامquot; مع رواية وطار quot;الشهداء يعودون هذا الأسبوعquot;، كما تدعو محدثتنا إلى إدراج آثار الروائي جاووت ضمن وحدات بحث وتحليل جامعية للوقوف أكثر على مميزاتها من حيث الشكل والمضمون، وجملة المضامين التي تناولتها رواياته بما فيها تساؤلاته حول الأدب الثوري وإمكانية تغيير قواعد بعض الأجناس الأدبية وما إلى ذلك.
بدورهما، يتفق الكاتب الجزائري البارز quot;جيلالي خلاصquot; ومواطنه الباحث quot;سمير بركانيquot;، في كون الأعمال الأدبية لجاووت أعادت الاعتبار لكتابات أدباء الرعيل الأول على غرار: بشير حاج علي، محمد ديب، مولود معمري، مولود فرعون، كاتب ياسين، وجان موهوب عمروش، ويحيل خلاّص وبركاني إلى كون جاووت استلهم أعمال المبدعين المذكورين في مقاربته الواقع الجزائري، تماما مثل تأثر هذا الأديب - النموذج لكل ما هو غير تقليدي، بشعراء وكتاب عالميين مغمورين أوروبيين وحتى أفارقة أمثال إرنست همنغواي، ألبير كامي، الإفريقي أتومزي الألماني أولدرين وغيرهم.
من جهته، يفيد الناقد quot;عبد الكريم جعادquot; أنّ جاووت كاتب ذو موهبة كبيرة وكان يود لو أنه كرس وقته أكثر للكتابة لو أتيحت لديه الوسائل لذلك، وبالرغم من موته المبكر، يبقى جاووت بنظر جعاد quot;اسما مسجلا على لائحة التاريخquot;، مضيفا أنّ صاحب كتاب quot;المطرودquot; كان متأثرا بكتابات الراحل مولود معمري، ولطالما اعتبره جاووت مرجعه الثقافي الأول، خصوصا مع اشتراك الاثنين في رهان الثقافة الأمازيغية.
ويسجّل جعاد وهو رفيق درب جاووت، أنّ الأخير كان كاتبا عن هواية وموهبة، حيث ذكر جعاد أنّ الراحل مارس مهنة الإعلام لحاجته في كسب عيشه، قبل أن يتخصص في الكتابة الصحفية السياسية، غداة منع quot;مثله الأعلىquot; (معمري) من تنشيط محاضرة حول الشعر القديم بجامعة تيزي وزو عاصمة منطقة القبائل الكبرى (110 كلم شرق العاصمة).
يُشار إلى أنّ الطاهر جاووت وُلد في الحادي عشر يناير-كانون الثاني 1954 ببلدة آيت شافع الساحلية ضواحي محافظة تيزي وزو، وأحرز الراحل شهادة ليسانس في الرياضيات وهو في العشرين من عمره، تاريخ تعرفه على الشاعر حميد تيبوشي، دخل عالم الصحافة عام 1976 من خلال كتابة ملحق ثقافي بجريدة quot;المجاهدquot; المحلية، قبل أن يبرز لاحقا بكتاباته في أسبوعية quot;الجزائر الأخبارquot; على مدار سنوات طويلة.
ألّف الراحل عدد من المجموعات الشعرية والقصصية والروائية، بينها quot;الطائر المعدنيquot;، quot;الحراسquot;، quot;المطرودquot;، quot;الشبكة وصائد العصافيرquot;، إضافة إلى رواية ''آخر صيف للعقل'' التي نشرت ست سنوات بعد اغتياله.
ووقع جاووت في 26 مايو- آيار 1993 ضحية اعتداء إرهابي بحي باينام ضواحي الجزائر العاصمة، ليلفظ أنفاسه الأخيرة في الثاني يونيو ndash; حزيران من العام ذاته.