إيلاف ndash; بيروت: في أول رواية له صدرت حديثا بعنوان quot;أميرات منسياتquot;، يتناول المؤلف الشاب مُتيّم جمال سيرة حياة السيدتين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين. تجري أحداث الرواية في العصر الأموي وتتركز معظمها في المدينة المنورة، ومكة والبصرة.
وقد إختار الروائي أن يضع روايته على لسان المغني الظريف طويس، وهو من أوائل الموسيقيين والظرفاء عند العرب، مما يضفي ميلا فكاهيا على أسلوب السرد. كان طويس مشهورا بتسلية الناس في المدينة المنورة، كما كان على علاقة وطيدة مع طبقة الخدم والمغنين والمغنيات الذين يعملون على تسلية النساء في مجالسهن الخاصة، فاستطاع أن يجمع الكثير من الأخبار الخاصة عن حياتهن، ناهيك عما شاهده بنفسه من أحداث. وهذا ما يمكنه أن يطلع القراء المعاصرين على سيرة حياة أشهر سيدتين في العصر الاموي.
تنحدر عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين من عائلات سياسية عريقة في الخلافة، فالأولى حفيدة الخليفة الراشدي الأول والثانية حفيدة الخليفة الراشدي الرابع. وقد كانتا على قدر كبير من الشرف والجمال والثقافة والدين والخُلُق. هما من أوائل النساء اللواتي أقمن صالونات أدبية، لاستقبال النبلاء والفقهاء والأدباء والشعراء والظرفاء والمغنين. وتتشابه الشخصيتين الى حد كبير في قوة الشخصية و النزعة التحررية التي تميزهما ،كما أن لكل واحدة منهما حلم بأن تكون أفضل من الأخرى. وتتعقد الأمور أكثر حينما تتزوجان من نفس الشخص، أمير العراق مصعب بن الزبير، فتشتد المنافسة على قلب الزوج، كما تتنافسان في الشهرة والمجد حتى النهاية.
تتعدد الزيجات في حياة كل منهما، وتتعدد قصص الحب والغرام في الرواية، ويصور لنا الروائي على لسان طويس تفاصيل الحياة الشخصية للبطلتين، اللتين تلعبان عدة أدوار فكرية وثقافية واجتماعية، بالإضافة إلى إسهامات سياسية من خلال المشاركة بمجريات الأمور. وتظهر لنا حياة القصور في العصر الأموي بكل تفاصيلها، سواء من ناحية الديكور او في العادات و التقاليد و الملابس والاجواء المخملية ومجالس الأدب والطرب والأغاني والأشعار. وتظهر الرواية فضل وعلم ومكانة وثراء عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وتشجيعهما للحركة العلمية والثقافية و الفنية في الحجاز والعراق، عبر إكرام الصلحاء والفقهاء والأدباء والظرفاء والمغنين.
والمثير للإهتمام تمسكهما بالعيش وفق قناعاتهما ورغباتهما، بما لا يتعارض مع ما عرف عنهما من فقه وعفة ومنزلة رفيعة، بخلاف العادات الموجودة حتى الآن في بعض المجتمعات العربية. فمثلا، نراهما تتحدثان مع الناس مباشرة وجها لوجه، رجالا ونساءا، في مجلسهما وفي الحي والطريق والحج، ولا يشكل ذلك أي إحراج لهما او لمجتمعهما. وأيضا، ترفض عائشة بنت طلحة لبس النقاب في أكثر من موضع، وتصر على الإهتمام بأناقتها و حسنها حتى يعرف الناس فضلها عليهم بما رزقها الله من جمال. ويتغزل بها شعراء عصرها بأروع القصائد في أكثر من مناسبة، ولا يجد المجتمع حرجا في ذلك. بل أن أمير مكة الحارث المخزومي يؤخر إقامة الصلاة حتى تفرغ عائشة من طوافها. ولديها بغلة شهباء، تقودها بنفسها تتجول بها في مكة، ويوقفها الشاعر عمر بن أبي ربيعة حتى يسمعها شعره بقصيدته: quot;يا ربة البغلة الشهباء هل لكم، أن ترحمي عمرا لا ترهقي حرجاquot;. وكذلك الأمر بالنسبة لسكينة، فهي تجالس الوجهاء و يجتمع إليها الأدباء في منزلها لتحكم بينهم، فتكرمهم بالأموال. وتزوج نفسها من دون ولي لإبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، إذ تعتبر أنها ولية نفسها، ثم تخلع نفسها منه. وتشترط لاحقا على زوجها الأخير زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان أن لا يتزوج عليها أبدا، ولا يسافر من دون اذنها و لا يمنعها شيئا تريده، ولا يستطيع تطليقها إلا إذا أرادت هي ذلك. كما تبرز جرأتها في الرد على القضاة والولاة والملوك في أكثر من موقف حاسم.
تعج الرواية بالأحداث المثيرة من أولها إلى آخرها، فهي وإن كانت تركز على سيرة الشخصيتين الرئيستين، إلا أنها تتناول في خضمها أهم الاحداث السياسية الجدلية في العصر الأموي كوقعة كربلاء وثورة أهل المدينة المنورة وبعض الإستنتاجات الجديدة في فهم بعض الأحداث الغامضة كالإغتيالات، بالإضافة إلى الحياة الإجتماعية في ذاك العصر وأخبار المغنين و المغنيات في مكة والمدينة، النواحي التي قلما يتم تدارسها عند تسليط الضوء على التاريخ العربي و الإسلامي بشكل عام.
تقدم رواية أميرات منسيات صورة مغايرة للمجتمع العربي في صدر الإسلام، صورة متحررة جدا تختلف كثيرا عن الصورة المستقرة في الأذهان، و يزود جمال روايته بقائمة من المراجع الأدبية والتاريخية التي إعتمد عليها خلال عملية تأليف الرواية. نختم بما قاله الناقد الدكتور معن الطائي عنها: quot;إن في هذا العمل من عناصر الإثارة والتشويق ما يجعل القارىء متورطا في جماليات السرد من الصفحات الأولىquot;.
"أميرات منسيات": صورة متحررة للمرأة في مكة والمدينة المنورة
هذا المقال يحتوي على 671 كلمة ويستغرق 4 دقائق للقراءة
