في حالة تكاد تكون الأولى من نوعها في تاريخ الأندية الأدبية في السعودية، يرفض أمير سعودي حضور ملتقى ثقافي بحجة اختلافه مع شخصيتين فكريتين من مواطنيه،وفي حين كان رفض الأمير فيصل بن مشعل بن سعود حضور هذا الملتقى بمثابة تسليط للضوء مجدداً على تلكم الشخصيتين، إلا أنه أيضاً ساهم في تصاعد الجدل في الداخل السعودي حول الموقف الرسمي من الفعاليات الفكرية والثقافية.
الرياض: في السنوات الأخيرة لا تكاد فعالية ثقافية في المملكة تمر دون ضجيج حولها، وبخاصة المحتسبين ممن يرون في التعاطي الفكري والثقافي هاجساً دائما يجب مواجهته، لكن الجدل هذه المرة كان على مستوى رسمي، حينما رفض نائب أمير منطقة القصيم الأمير فيصل بن مشعل بن سعود حضور ملتقى ثقافي في نادي القصيم الأدبي، وأبدى الأمير اعتراضه على ورقتين تناقشان التحولات الفكرية في سيرة المفكرين السعوديين الراحلين عبدالله القصيمي وعبدالرحمن منيف.
الأمير شن هجوماً لاذعاً على الملتقى، وقال quot;إن ما أقدم عليه النادي الأدبي أمر غير مشرف وخطأ فادح، فالجميع يعلم التاريخ الأسود لهاتين الشخصيتينquot;.
وأضاف في تصريح نقلته quot;الوطنquot; السعودية quot;لقد اعترضت وبقوة ورفضت هذه الفعاليات بشكل قوي جداquot;، مستغربا خطوة النادي الأدبي في إعادة هذين الاسمين إلى الذاكرة.
ودعا الأمير فيصل وزارة الثقافة والإعلام إلى تقويم مسار الأندية، معتبرا ما قام به quot;أدبي القصيمquot; quot;عقوقا للدين وعقوقا للدولةquot;.
وأكد الأمير فيصل بن مشعل بأنه اتخذ قراره برفض تدشين الملتقى مضيفاً quot;أقولها بالفم المليان لا يشرفني حضور مثل هذه الملتقيات التي تناقش هذين الاسمين.. أنا إنسان سلفي أولا وأخيرا ولا أرضى ولا أقبل بمثل هذا الطرحquot;، معتبرا أن هاتين الشخصيتين هما quot;وصمة عارquot; وأنه سيقف بوجه أي ناد آخر يفكر في طرح هذين الاسمين.
والأمير فيصل ناشط في الشأن الثقافي وله مؤلف بعنوان (المجالس المفتوحة والمفهوم الإسلامي للحكم في سياسة المملكة العربية السعودية).
هذا الحديث أثار ردود فعل عاصفة ومتنوعة المشارب في الوسطين الثقافي والاجتماعي في المملكة، إذ رأى كثير من المثقفين أن هذا الموقف quot;لم يكن موفقاquot;، في حين بارك غيرهم من المحافظين توجه الأمير فيصل وأشادوا بخطوة النادي حينما ألغى الورقتين.
![]() |
| عبدالله القصيمي وعبدالرحمن منيف |
المثقف والكاتب السعودي هاشم الجحدلي كان هو من سيلقي ورقة القصيمي، تحدث لـquot;إيلافquot; مستغرباً ازدواجية المعايير والتعاطي مع الأمور بمكيالين، وقال في هذا الصدد quot; نحن في المملكة ندعو للحوار مع الآخر، ولكننا للأسف نضيق بالحوار مع المختلف معنا من داخلناquot;، وأضاف quot; نحن في حاجة ملحة لإعادة النظر في تاريخنا، فالقصيمي ومنيف رغم كل التغييب والتجاهل لتاريخهما إلا أنهما ظلا حاضرين في جيناتنا، القصيمي مثلاً هذا الاسم المرعب، حاولنا كثيراً طمسه من ذاكرتنا ولم نستطع، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع افكاره فإننا يجب أن نتحاور مع أنفسنا، فالتغييب لم يعد مجدياً في زمن الحوار quot;.
واعتبر الجحدلي أن القصيمي الذي تندر الكتابات حوله باستثناء بعض المقتطفات المتناثرة هنا وهناك، بالإضافة لدراسة يتيمة للباحث الألماني يورغن فازلا، اعتبر أن ما كتب عنه ليس كافيا لبحث منهجه، وتساءل quot;ركزت كتب أخرى على ذم نسبه وأصله، فهل يعقل أن هذا الرجل الخطير يختزل الطرح حوله في النسب والأصل وتترك أفكاره ؟quot;.
وختم الجحدلي مداخلته قائلاً إنه بصدد جمع ونشر ما يعرف عن المفكر القصيمي، فربما يستفز ذلك آخرين ليقدموا ما يعرفوه أيضا عن هذه الشخصية.
ورغم أن القصيمي يحظى بشعبية واسعة لدى السعوديين سواء من يتفق أو يختلف معه، إلا حادثة القصيم جعل الكثير من المواقع المهتمة بالشأن السعودي تعاود فرد الصفحات عنه لدراسة سيرته، وتصدر مع عبدالرحمن منيف جل النقاشات السعودية على مواقع التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين.
وتداخل وسط ذلك رجال دين بمحاضرات مسجلة على quot;يوتيوبquot; يتعاطونه بالتقريع والهجوم على منهجه وفكره.
وعبدالله القصيمي هو مفكر سعودي كان رجل دين بارز ومدافع عن المنهج السلفي، إلا أن حياته الفكرية شهدت تحولات كبرى انتحت به للجانب العقلاني، وتسببت في هجرته إلى غير بلد عربي حتى توفي في القاهرة في يناير من العام 1996.
وولد القصيمي في منطقة القصيم (وسط السعودية) ولد عديد المؤلفات من أهمها قبل تحوله (البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية) و (شيوخ الأزهر والزيادة في الإسلام) و (الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم) و ( مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها) ثم بدأ التحول من خلال بعض الكتب وأهمها (كيف ضل المسلمون) إلى أن وصل لقمة ثورته الفكرية بسلسلة مؤلفات أهمها ( هذي هي الأغلال) و (العالم ليس عقلاً) و (كبرياء التاريخ في مأزق) و (الإنسان يعصي.. لهذا يصنع الحضارة) و ( العرب ظاهرة صوتية) و (الكون يحاكم الإله) و (يا كل العالم لماذا أتيت؟) و (أيها العقل من رآك) وكذلك (لئلا يعود هارون الرشيد).
أما المفكر الآخر عبدالرحمن منيف فهو أقل جدلاً مقارنة بالقصيمي، لكنه ظل مثيرا أيضاً من خلال حياته الفكرية، وهو رغم أنه سعودي وينتسب لأسرة معروفة في وسط المملكة، إلا أنه ولد وعاش ومات غالب أيام حياته خارج المملكة، حيث ولد المنيف في العاصمة الأردنية في مايو 1933، من أب سعودي ومن أم عراقية، و درس في الأردن ثم انتقل إلى بغداد والتحق بكلية الحقوق وهناك مارس النشاط السياسي منضماً إلى حزب البعث العربي الاشتراكي إلى أن طُرِد من العراق مع عدد كبير من الطلاب العرب بعد التوقيع على حلف بغداد عام 1955.
انتقل من هناك إلى بلغراد وحصل هناك على الدكتوراه في اقتصاديات النفط لينتقل بعدها إلى دمشق عام 1962 ليعمل هناك في الشركة السورية للنفط، وتنقل إلى غير بلد عربي حتى عاد إلى دمشق حتى توفي عام 2004.
ومن أشهر رواياته quot;مدن الملحquot; وهي مؤلفة عن 5 أجزاء، ورواية شرق المتوسط التي تحكي قصة المخابرات العربية وتعذيب السجون.

