عبد الجبار العتابي من بغداد: طالما يتساءل المثقفون العراقيون بعد كل عام ينقضي عمّا حدث لهم وما تحقق وما حققوا من طموحاتهم، وهذه التساؤلات المشروعة حين تقوم تتم المقارنة بين الامس واليوم، بين احوال المثقفين قبل عام 2003 وما بعده وينظرون الى أقلامهم وأفكارهم والى أشياء أخرى من حولهم وفيهم والتي تخص حياتهم العادية والمميزات فيها التي تمنحهم ارتياحا وطمأنينة الى واقعهم الحالي والى مستقبلهم.
وتتباين الآراء في كل ما جرى، بعض ينظر الى المشهد بتفاؤل إذ يرى ثمرات الحرية تتدلى من شجرات العراق فيقطفها متى شاء،وبعض اخر ينظر اليه بتشاؤم، إذ يشعر أن ماء الحرية الذي كان يراها ليروي عطشه به مجرد سراب، فيما هناك من تتراوح لديه النسبة فيتطلع الى ان يتلاشى التشاؤم ويصبح التفاؤل عماد المشهد الثقافي ككل وتتوفر للمثقف احتياجاته ومستلزمات نجاحه لكي يستطيع ان يكتب وأن يعيش مما يكتب وينشر وان تتم رعايته، مثلما يرى
فقد اثنى الشاعر حسين القاصد،على (حرية البوح) التي اسماها (النعمة الكبرى) للتغيير وان كان يتحسر من باب اخر على دخول الطارئين، فيقول القاصد: قراءة المشهد الثقافي تشير الى ان هناك فقط حرية بوح الا ان الاضافة السيئة دخول الكثير من الطارئين الى المشهد الثقافي وذلك بسبب الانفلات الثقافي والانفلات الاعلامي، اما النعمة الكبرى والفضل الاكبر فهو في حرية البوح حيث كان الشاعر يرمّز ويلغّز قصيدته، والروائي يلجأ الى الانزياح والى الرمزية، الان جاء وقت البوح المباشر واظن ان المستقبل في العراق هو للرواية كون العراق يجلس على تل كبير من الروايات التي كانت مقموعة في داخل الصدور، فالى حد الان لامحاسبة ولا تشدد على حرية البوح، ربما الحريات الاخرى مكبوتة الا ان الاديب الان في أوج عصر حريته، يقول ما يشاء متى يشاء، وربما انت شاهدت في اغلب المهرجانات ان الشعراء يقولون ما يشاؤون ويخرجون بقناعاتهم.
واضاف: اما التطور الادبي الذي يجب ان نتحسسه بشكل واضح.. فلا يمكن ان يكون وليد اللحظة، فنحن نحتاج الى عشر او عشرين سنة لكي نرى ملامح جيل جديد.
اما الاديب الدكتور حسن عبد راضي فقد أشار الى فوضى ثقافية مع غياب للسياقات والتقاليد الثقافية مؤكدا وجود صعوبات مؤسفة، فقال: التغييرات التي حصلت خلال السنوات التسع الماضيات اقل من المتوقع وأقل من طموح المثقفين بشكل عام بكثير، صحيح اننا كسبنا فسحة كبيرة من الحرية سواء في الكتابة او النشر في المهرجانات او المشاركات الخارجية وفي اشياء كثيرة، ولكنلا تزال السياقات الثقافية المعمول بها في العراق اقل من طموحنا بسبب عدم (مأسسة) العمل الثقافي، عدم فاعلية المؤسسات القديمة والجديدة في تأسيس تقاليد ثقافية عميقة وراسخة وتستطيع أن تستوعب الزخم الثقافي الهائل الذي تشهده الساحة العراقية الان، هناك الكثير من الابداع والقليل من التنظيم مع الاسف ولذلك تجد ما يحدث عبارة عن فوضى ثقافية اكثر منها عملا ثقافيا دؤوبا يسير بخطى ثابتة نحو التقدم والتنمية.
واضاف: اما مهرجاناتنا فتراها عبارة مفاجئة غالبا ولا يكون لها تخطيط مسبق وحتى المهرجانات التي تحولت الى مهرجانات سنوية اصبحت تقام ايضا بشكل اسقاط الفرض مع الاسف، وحتى نقول اقمنا الدورة كذا من المهرجان الفلاني، وايضا هناك صعوبات مؤسفة، فأحيانا بعض المهرجانات يعلن عن اقامتها ويبلغ المدعوون ومن ثم تلغى لسبب غير معلوم او لتدخل مجلس محافظة او جهة معينة، كل هذه الامور تحول دون ان تكون لدينا ثقافة مبنية على اسس علمية وموضوعية وتتقدم بخطى ثابتة نحو الازدهار.
فيما اكد الشاعر عبد الزهرة زكي عدم قدرة المثقف العراقي على خلق مؤسسات خارج المؤسسة الحكومية، مشيرا الى ظهور إنجازات كتابية مهمة، فقال: بعد هذه التسع سنوات هناك الامتياز الاساس هو حرية العمل الثقافي وخروجه من هيمنة المؤسسة الحكومية، فيما الاشكال الاساسي الذي يقابل هذا الامتياز هو عدم القدرة على تخليق مؤسسات قادرة فعلا على ان تكون مستقلة، وعلى أن تكون قادرة على ان تمول نفسها بنفسها، وغياب روح العمل الجماعي، وتأثيرات الوضع الأمني في البلد على تنظيم الحياة الثقافية وإدارتها، فما زالت تلقي ظلالها عليها، ولكن بالمقابل نلاحظ مثلا أنماطا كتابية كانت محدودة ومحصورة في العراق مثل الرواية حيث ظهرت أعمال روائية كثيرة بعد عام 2003، فيما المبدعون مستمرون، ولا اعتقد وجود اضافات جديدة، ولكن المستويات متفاوتة من شخص الى آخر ومن منجز الى آخر، لكن ظهرت أعمال مهمة سوى داخل البلد او خارجه، لعراقيين في مجال الرواية والشعر ومجالات كتابية أخرى تخص الفكر ما كانت موجودة في العراق، ولكن المهم والاساسي ينبغي أن ينتبه اليه المثقفون هو العمل على خلق مؤسسات قادرة على تنظيم الحياة الثقافية ومؤسسات خارج هيمنة الدولة والكف عن الاعتماد على الحكومة في مجال التمويل ومجال الاعانات، اي نحتاج الى ان تنظم هذه بقانون.
واضاف: لا اعتقد ان المثقف العراقي يعاني حاليا مشكلة النشر، بل على العكس إن مؤسسات الصحافة ما زالت بحاجة الى كفاءات، يعني أن الموجود البشري اقل من أن يستوعب حاجة المؤسسات، واعتقد ان المهم ان مثقفينا يكفون عن الاعتماد على الحكومة، وهذا يتطلب أن يكون له هناك قانون خاص للرعاية الاجتماعية حاله حال أي مواطن آخر ليضمن كرامته، وليس امتيازًا للاديب والمثقف فقط وانما للمواطن الاخر.
اما الروائي عبد الكريم العامري، فقد أشار الى ضياع الخطاب الثقافي بتداخله مع الخطاب السياسي، فقال: ما زال واقع الثقافة العراقية وبعد مرور تسعة اعوام مضبباً، لا يمكن تحديد خطوطه، واعتقد ان هذا يرجع الى طبيعة المثقف العراقي الذي ضاع خطابه في لجة الخطاب السياسي.. الثقافة العراقية على المحك، والمثقفون امام تحديات لابراز هويتهم الحقيقية وتوحيد خطابهم لا أن ينجروا خلف تيارات وأحزاب لا عدّ لها.. ربما سيكون القادم أفضل اذا ما التفت المثقفون الى واقعهم والى المسافة التي تفصلهم عن مجتمعهم..
فيما قال المخرج المسرحي ظفار المفرجي: هناك محاولات نعم لا يمكن نكران ذلك ولكن حتى اليوم لا توجد نتائج حقيقية او ملموسة والسبب على ما اعتقد هو عدم وجود خطط واقعية علمية شاملة وان وجدت دائما يرافق ذلك خلط لآراء المنفذ وطموحه ومصالحة مع الهدف النبيل فيضيع هذا ويسبب الخذلان للآخرين يعتقد البعض ان الخطط مكرسة لأفراد..نحتاج الى تطبيق فعلي لما يقرر في مؤتمر او دراسة او منهج علمي دون خلطه بمصالح أحد تحت عنوان ثابت هو مصلحة الثقافة العراقية.. عندها سنتلمس النتائج.
من جانبه رسم الكاتب احمد الثائر، مسؤول الصفحة الثقافية في جريدة المؤتمر، صورة تباينت بها ألوان افكاره مؤكدا أن فهم الحرية لدى البعض يعني الفوضى ومصادرة حريات الآخرين، فقال: يتغير المشهد الثقافي بتغير الاوضاع السياسية والاقتصادية الاجتماعية.. وهذا التغيير يرسم صورة المشهد كنتيجة لهذا التغيير، وما حصل في العراق بعد 2003 تقاسمه شكلان يسيران بتداخل ومن الصعب إعطاء صورة بملامح راسخة لمشهد متغير، ولكن من خلال المنهج الثقافي يمكن الاهتداء الى هذه الملامح، فقد استطاع المثقف من أن يقول ما يودّ قوله دون الخشية من الرقيب، وإذا كان هذا يشير الى الهامش الكبير من الحرية فإنه في الوقت نفسه يشير الى أن ليس كل ما ينتج ينتمي الى مناطق الإبداع فبعضه استفاد من هذه الحرية واستطاع ان ينتج هرطقات وترهات لاتنتمي الى أي جنس إبداعي، فسهولة النشر صدّرت لنا الكثير من المطبوعات تحت مسميات ( شعر، قصة قصيرة، رواية..الخ ) في حين أن متون هذه الإصدارات اشبه بحشو لجمل وكلمات خارج مدار الابداع، وهذه الحرية أتاحت لبعض المتنفذين الجدد فرض ايديولوجياتهم الخاضعة لولاءاتهم الجانبية وبهذا أصبحت ثمة خطوط حمراء تسيج منطقة الابداع، في حين كانت الخطوط الحمراء خاضعة لسياسة الحزب الواحد الذي يضع يده على كل شيء.
واضاف: ولعل الحرية التي ناضل من اجلها العراقيون بما فيهم الادباء أصبحت لعنة بسبب أن فهم الحرية لدى البعض يعني الفوضى ومصادرة حريات الآخرين، فقد شهد المسرح العراقي نكوصا لم نعد نرى سوى صالة المسرح الوطني وغالبا ما تقدم عروضا معادة، اما دور العرض السينمائي فقد اصبحت تراثا جميلا نترحم عليه، وأسهمت تكنولوجيا الاتصالات بتراجع الجمهور عن مشاهدة الافلام السينمائية ولم نعد نسمع بناد للسينما، وفي الجانب المضيء لهذا التغيير يستطيع المثقف أن ينطلق من النقطة التي يؤمن بها دون املاءات من السلطة، وتحملت الصحافة الورقية اكثر الطعنات حين دخلها الطارئون من ابواب شتى حتى بات عدد الصحف في البلاد اكثر من نظيراتها في اليابان والصين والولايات المتحدة الاميركية وفاق عدد الصحافيين عدد نفوس بضع دول، وربما يعود هذا الى ان المواطن سواء كان مثقفا ام لا كان خارج متن الاهتمام ويريد ان يقول ( انا موجود) ولكنه ضل السبيل فاتجه الى الصحافة ظنا منه انها ستمنحه الوجاهة بينما هي مهنة شاقة ومحفوفة بالمخاطر، المهم الثقافة الآن تمزقها الاتجاهات التي لا يربط خطوطها خط رئيس لتعدد وجهاتها وأهدافها، ونقطة التفاؤل في كل ما ذكرت هي ان زمن ( الغربلة ) قد اتى وسيبقى الاصلح وسيغادر الطارئون.
