إبراهيم أزروال: امتازت روايات نجيب محفوظ، باستحضارها الدائم لإشكاليات المرأة في مجتمع انتقالي مثل المجتمع المصري. لقد قدم الروائي منذ quot;عبث الأقدارquot; بانوراما من الوجوه الأنثوية، ولوحات عن المعيش الأنثوي، في مجتمعات تعاني مخاض الولادة الحداثية و آلام العيش بأدوات القدامة في عالم تكتسحه التقانة الغربية وتزعزعه نتائج الانقلابات العلمية والتحولات الاجتماعية والسياسية.
رواية quot;قشتمرquot;، هي رواية كشف الحساب الروائي، والاحتفال بالصداقة الحرفوشية،المتمددة على مسار قرن لا يخلو من القلاقل والمسرات والأوجاع. يحكي الحرفوش الراوي، أطوار الحرافيش الأربعة، بكثير من الدقة، ويستعرض تواريخ وحيوات مطبوعة، بدءا وحالا ومآلا، ببصمات الأنثى.
(لذلك في هذا الاضطراب، في هذه الدنيا الغريبة، يركن الإنسان إلى طفولته، إلى العمر الآمن الذي انقضى، من هنا قد أكون أجبت عن سؤالك حول حنيني إلى الحارة، ومصادر رواية الحرافيش والقدرة على استعادة واقع انقضى. .)
(-جمال الغيطاني ndash;نجيب محفوظ. . يتذكر-دار المسيرة ndash;بيروت ndash;الطبعة الأولى -1980-ص. 69).
تستعرض رواية quot;قشتمرquot; ألوانا من النساء في مجرى زماني متعرج، وفي مسار تاريخي متماوج دوما، وتتوقف طويلا أمام التشققات الوجودية والتمزقات الاجتماعية، لأشخاص منحدرين من وضعين طبقيين مختلفين ومتكاملين في ذات الآن.
فحيث إن الفرق بين العباسية الشرقية والغربية، هو فارق اجتماعي وثقافي،فإن تلك الفروق ستتجسد في حيوات الشخصيات وستحدد القسمات الخاصة لوجودها في خضم ثقافي وسياسي، مضطرم ومتحول ومتقلب.
تعكس الصداقة الباذخة بين المنحدرين من الحقلين الاجتماعيين المتخالفين، إمكان التعاقد والتساند الثقافي رغم الفوارق الطبقية والإعداد الثقافي الأصلي للمتشبعين، بدرجات متفاوتة، بالمسلكيات والمعارف الأوروبية من جهة(العباسية الشرقية) وبالنظريات والعمليات التراثية من جهة أخرى(العباسية الغربية).
تمكننا ثلمات هذه الصداقة العابرة للعقود والتجارب، أن نطلع على الشرط الأنثوي، في فضاءات مصرية، مختلفة، التطبع بالآثار الحديثة. لم تبق المرأة، أسيرة إعادة الإنتاج الاجتماعي التقليدي، والاندماج الانقيادي في الزمن الاجتماعي، بل تطلعت، بحكم تمرسها باللغات وبالمعارف العصرية، إلى الاطلاع على ثمرات الفكر العصري، وامتلاك آليات المثاقفة المبدعة أحيانا .
(وإنصاف هانم القللي أم صديقنا ليست مجرد خريجة في الميردي دييه مثل والدة حمادة، إنها أيضا مثقفة وقارئة وذات عقل ممتاز، وبفضلها كملت مكتبة الباشا العلمية بثمار الفكر والأدب.)
(- نجيب محفوظ ndash; قشتمر ndash; مكتبة مصر ndash; ص. 12)
لا تخلو رواية quot;قشتمرquot;، من توصيفات حادة للأنثى، تحيل، في الغالب، على سجلات الذاكرة البطريركية المتأججة من تحت التحديث المتردد. تقذف الذاكرة الجماعية، بحممها البطريركية، كلما احتد الاحتكاك بالأنثوي، واستحالت البهجة العشقية أو الجنسية، إلى رماد في ليالي الضجر والرتابة وغياب الألق واللمعان. يكتفي حمادة الحلواني، الارستقراطي اللامنتمي، بصياغة العبارة الذكورية،بكثير من الحدة والقتامة.
(وسأله إسماعيل :
-ألا تتذكر ما قدمته لها عند الزواج ؟
-نسي كل شيء، وطبعا لا أفكر أبدا في تذكيرها به.
فقال حمادة ساخرا :
-المرأة متكبرة، جاحدة، لا فرق في ذلك بين سيدة وبغي. .)(ص. 91)
رغم انفتاح الأصدقاء على الحداثة الفكرية والجنسية بنسب مختلفة،فإنهم بقوا متمسكين بالإبدال الحبي والجنسي القديم في العمق. يحلمون بأنوثة باذخة، متعالية على الزمان الاجتماعي وعلى صيرورة التاريخ، وبأنثى قادرة على التضحية والبذل والعطاء، بدون بصمات شخصية أو مشاريع خاصة أو لذائذ مستقاة من المتخيل الأنثوي الخاص.
الفشل في تدبير العلائق بالأنثى، هو قدر الأصدقاء بلا استثناء. فإذا كان حمادة الحلواني لا منتميا ومثقفا متغندرا يراكم المغامرات الجنسية كما يراكم الاستكشافات والانتماءات المعرفية والتقمصات الروحية، فإن الصديق المحافظ، المتمسك بصراطية التقليد الألفي، ينتهي إلى علائق مسدودة الآفاق. يصدم في زواجه الأول بمرض الزوجة وعجزها الجنسي، ويصدم في زواجه الثاني بشراسة أنثى متملكة وغير مستعدة للمهادنة وللعب دور الأنثى الشرقية،وينتهي زواجه الثالث إلى طلاق، استجابة لنصيحة الحرافيش، بعد قيام الحجة على التطلعات الجنسانية ومغامرات الزوجة المفترضة خارج بيت الزوجية.
(أما زوجه الثانية ليلى حسن فاستمرت في ملاعبتها الشاذة معه، تحاوره بين قطبي اللذة والألم، حتى تمزق تماما بين الرغبة في الإبقاء عليها وتمني الخلاص منها. يقول ويعيد أنه بقدر ما وهبت من أنوثة بقدر ما أفعمت بسم العنف، متكبرة على غير أساس كأنما هي المتفضلة، وعند الانفعال ينفث لسانها ألوانا كريهة من السموم. . .)(ص. 98)
تحفل رواية quot;قشتمرquot;، بنماذج نسائية، معاندة، لا للآخرين مثل ليلي، بل للزمن. لا تتم مواجهة، أثار الزمن ومخلفاته، بالجهد الفكري أو بالانجاز العملي التاريخي، بل بالتجميل والكوسمتيك. يطلب من الجسد هنا، أن يتعالى على الشرط الطبيعي، على تناغم الكوسموس، و أن يخالفه ظاهرا وباطنا. والحال، أن الكوسمتيك، اشتغال تجميلي على الجسد بما يوافق تناغم الكوسموس لا بما يخالفه. حين يشتغل الجسد خارج التوقيت الوجودي، فإنه يتناسخ في اللحظة الصفر، ويستحيل إلى أيقونة للتأمل الساخر أو للتعاطف الكلبي.
((ولم تكن(تفيدة) تسلم بالواقع أو تستسلم للهزيمة فأنفقت عن سعة على طعامها المختار ورياضتها اليومية، والموضة التي تتنافر مع سنها، وتبالغ في التبرج لدرجة تثير الابتسام.)
ص. 109)
(وناهزت تفيدة السبعين فانهزمت أمام العمر واستسلمت للواقع وراحت تعاني من دوالي الساقين والصداع النصفي.) (ص. 118)
أما المومس المحترفة، فلم تتمكن من نسج علائق كيانية جديرة بالاستدامة، مع شخص هلامي، ورخو مثل حمادة الحلواني. فالتفاهة تحول، في اعتبار حمادة اللامنتمي الكبير، دون تجسيد الشر، ولذلك فهي الشر الأكبر. فالعهارة، ليست من منظوره، سوى التجلي الأبرز للتفاهة.
(-إنها تافهة، لم تسنح فرصة لإظهار شرها، إنها تافهة، الاحتراف يقتل الإنسانية في قلب المرأة، وفي هذا تكمن التعاسة الحقيقية.) (ص. 128)
لا يمكن للمومس أن تكون فاضلة ولا أن تتغير، بتغير وضعها الاجتماعي. فالزواج الاضطراري، أو المفروض لمجابهة الضجر أو السأم الوجودي،لا يضع اللامنتمي، في بوتقة السعادة، بل يرمي به في قلب التعاسة،تماما مثل عثمان بيومي في quot;حضرة المحترم quot;.
ليست العروس المختارة عمدا، عديلة لنور، عاشقة سعيد مهران في quot; اللص والكلابquot;؛فهي دونها عاطفة وتوددا ومشاركة وجدانية. الخواء الوجودي للمومس، هو المقابل لانتفاء أي هدف، لدى اللامنتمي، المكتفي بتدبر الأنات الزمانية دون انتماء أو رؤية تضم الأنات في خيط أو في إطار ناظم. تحل النزوة محل الشغف، ويعجز الحب عن اللحاق بالجسد، وتتوحد الأبعاد الزمانية في حاضر مفكك، وتعلق الحياة على حبال الملل والإنهاك الوجودي. عاش حمادة الحلواني، كينونة منهكة، لا كينونة منتهكة، لأنه اختار التلذذ الموضعي، بالمعارف والروحيات والأجساد والمخدرات، لا الانخراط في سيرورة معرفية أو ايطيقية، عميقة الأغوار، وقادرة على استثارة القابليات الإيطيقية لدى الأفراد، بمعزل عن المواضعات الاجتماعية والثقافية، في مجتمع انتقالي، لما يعرف ولادته الحضارية الثانية.
(والحق أنه لم يشعر بتغيير حقيقي في علاقته بالجنس الآخر، ولم تغير زوجته من سلوك المرأة المحترفة ؛ ظلت عشيقة لا زوجة، تعنى ليل نهار بتبرجها، وتمارس عاداتها المستقرة في تعاطي الخمر والحشيش، وتتجاهل واجباتها المنزلية عدا إلقاء الأوامر للخدم، ولا تكف عن مطالبها المالية، ومضت في طريقها من أول يوم وبلا تدرج.)
(ص. 128).
تأتي التعليقات، قاسية، مدمرة، مليئة بالتشفي. يتأمل، العاشق، المغبون، جمال معشوقته الذابل، بكثير من المرارة والألم والحقد. يقلب ناظريه بين الشعلة المحرقة سابقا، والرماد الباهت الآن، ويسأل عن البديل. الجسد إما أن يكون شعلة أبدية أو لا يكون. وكل انطفاء،هو خيانة لميثاق العشق الأول، وللميثاق الحبي المعقود على أعتاب الأبدية.
(فتنهد صادق قائلا :
-كانت شعلة فأصبحت رمادا.)
ص. 67).
جسد طاهر عبيد -المعادل التخييلي للشاعر والرسام المصري صلاح جاهين ndash;النموذج للإخفاق في الحب والسياسة والتطلعات القومية. يستحيل الحب، بين يديه، رمادا تذروه الريح، وتتحول الأمجاد والتوسمات والترقبات السياسية، إلى ارتعاشات على حافة الفوات المعمم، بعد النكسة الكبرى : أي نكسة 1967.
(. . . وتوصلت في النهاية إلى أن اكتب رواية عن quot;شخصيةquot; صلاح جاهين، على أن أعدل و أغبر قليلا في ملامحها حتى لا يتعرف عليها القراء، وكتبت رواية quot;قشتمرquot; وعبرت فيها عن مأساة هذا الرجل.)
(-رجاء النقاش ndash;صفحات من مذكرات نجيب محفوظ ndash;دار الشروق ndash;القاهرة ndash;مصر-2011-ص. 109).
لقد جرب مباهج الحب، وتمتع بلهيب الثورة، وتلذذ بالمجد الأدبي، إلا أنه سرعان ما انهارت مثالاته، وصار يحلم بتجميع المزق الكيانية المتطاوحة في المطارح، والبحث عن حب سرعان ما ينتهي إلى هجرة وهجران والى مرارة تستقر في النفس وتجمل وجه الموت بلا استئذان.
(واعترف لنا(-طاهر عبيد) ليلة قائلا وموجها حديثه إلى إسماعيل بالذات :
-زوجتي في حال تفوق في السوء زوجتك. .
فقال إسماعيل بمرارة :
-أعطيتا خير ما عندهما.
فقال بقسوة :
-أصبحت أعافها. .
فقال إسماعيل ساخرا :
-كل شيء يعاف في النهاية.)
ص. 119-120)
فلئن أتى زواجه الثاني ببهجة المشاركة الأدبية، فإنه لم يضمن بهجة المشاركة الوجدانية. لقد خذل الجسد الزوجة الأولى، أما الثانية فقد حثها جسدها على الهجرة إلى حيث تسقي الأجساد بعضها البعض، وتحتمي من برد الكهولة ومن صقيع المررات المتراكمة في الشرق العليل.
فقد آل الحب المتوج بالتضحيات ومغادرة السراي والعيش الارستقراطي، إلى المرارة والعيف وإنقاذ الذات غير المجدي بعد انتحال بديل لا زماني، وصداقة أدبية لم تسوف قط شروطها البنائية. لقد نضب ميعن أنوثة الزوجة الأولى بفعل quot;التقادمquot; البيولوجي، فيما نضب ميعن التناغم العاطفي، لدى زوجة ثانية، تتضافر في مخيلتها التوسمات الأدبية و اغناء الرصيد الذاتي من المكتسبات، بموافقة الآخرين، الاضطرارية في الغالب.
ثمة نموذج آخر، يجمع بين المعرفة والتفاهة وضيق الأفق. فالتعلم المفتقر إلى الثقافة العميقة، ليس إلا التجسد الأمثل للتفاهة وللثقالة الوجودية المضجرة. يضاف الغرور، إلى انعدام المعرفة، ليصنع من ليلى، الغرار المعبر، عن الشر الأنثوي القاتل. فليلى، المتعلمة، محصورة في شؤونها الذاتية، في الانتشاء بأشيائها وبلذائذها الصغيرة، وفي الاغتراف من محتجنات ومكتنزات الرجل، المختار، لاعتبارات عملية، لا حبية أو عشقية أساسا .
ليست ليلى، مغرورة فقط، بل هي شرهة ونهمة إلى المال، والى اقتناص ممتلكات الزوج بدون أدنى اعتراف بالجميل. لم تعد الأنثى، رمزا للسلبية، وللاستجابة الطوعية للالزامات الاجتماعية، بل صارت كائنا مسكونا بالامتلاك والاحتجان وquot;نزع ملكيةquot; الزوج بالضغط العاطفي مرة و بالمصادمة والهجران مرة أخرى. صار التفنن، فيquot; نزع الملكيةquot;، إحدى سمات، زوجة، لا تطمئن لمشاريع زوج محافظ ثقافيا، ولتحولات اجتماعية حبلى بما لا يسر دوما.
(-إنها متعلمة ولكنها ضيقة الأفق، لا ثقافة لها، وجاهلة بالشؤون العامة، لا تعرف الفرق بين النحاس وصدقي، ولكنه الغرور. . .)
ص. 90)
تقدم ليلى، تجسيدا أخرى، للشر الأنثوي في المجتمع الحديث. فهي امرأة مشغولة بتأمين مستقبلها، لا بالاهتمام بحيثيات أو يوميات أو واقعات تاريخية مجردة راجعة إلى مسارات شخصيات تاريخية مثل مصطفى النحاس و إسماعيل صدقي باشا ؛فهي،منشغلة بالامتلاك الشخصي، على حساب الآخر، لا اعتمادا على الإمكانيات الذاتية أو على الكسب. لم تعد الأنثى تكتفي، بتأمل الذكور وهم يتبادلون الخيرات المادية والرمزية، بل صارت تبحث عن حظها من الثروة المتراكمة إثر احتكارات الحرب العالمية الثانية. لم تعد الأنثى تقبل، اللعب خارج مدار التبادل، المادي والرمزي. فحتى الاستثمار في اللذة، فهو مطروح كآلية لاقتناص الخيرات المادية والرمزية، والبحث عن مكانة اجتماعية رفيعة، لا بالانتساب إلى العائلة الموسرة، بل بالامتلاك الخاص.
لا يمكن التحكم في مفاعيل الزمن. فالجمال المتغنى به، يصير، مع الأيام، مجرد ذكرى، وعلامة للتذكير بالهشاشة الأنطولوجية للأنوثة. يذوب الجمال وينمحي،ويترك المجال، للتلذذ ببلاغة المحو الممارسة بتفتت شاعري يهز الوجدان، ويبعث على التلذذ بالتشفي.
(أما أفكار فتبدت عجوزا عجفاء مسحاء مكرمشة الوجه كأن لم يجلس الجمال يوما على عرش كينونتها ويتيه ويتحكم. وتمتم طاهر عبيد :
-ما أكثر الأردية التي يلفعنا بها الدهر.) (ص. 130)
تقدم روايةquot; قشتمرquot; صورة بهية عن الصداقة ؛ إلا أنها تقدم صورة سوداوية عن المرأة وعن الشرط الأنثوي عموما. فبقدر، ما تحتفل بصمود الصداقة، رغم التحولات المجتمعية، واختلافات القناعات الفلسفية والروحية والأخلاقية، فإنها تحبل بهجاء قاس للمرأة ولعجزها عن التدبير الأمثل لعلائقها بالذكر وبمفاعيل الزمان. تنحصر الصداقة في المربع الذكوري، ولذلك فهي لا تتسع للأنثى. الصداقة الصامدة في مواجهة التقلبات والتحولات ومواجع الزمن، مرصودة، للذكور على ما يبدو. فالصداقة، تفترض الصدق مع الذات ومع الآخر،ولذلك فهي خصيصة ذكورة بامتياز في العالم البطريريكي. فمادامت، الأنثى موصولة بأبهى أعطيات الطبيعية حين الشباب وبأقسى أهوالها في الكهولة والشيخوخة، فإن الأنثى لا تبرح، في المؤدى الضمني للنص القشتمري، مجال الضرورة ولا تصل إلى مجال الحرية. طبيعة المرأة طبيعة واحدة تبدأ لتنتهي، فيما يحلم الرجل البطريركي بطبيعة متناسلة، تنتهي لتبدأ من جديد. تنسب الرواية، التاريخ وأدوار الرجال، إلا أنها تنمط الشرط الأنثوي، وتتأمل الخذلان، لا بوصفه نتيجة، للوضع الخلاسي لمجتمع بطريركي أو نيو-بطريريكي، بل باعتباره تخاذلا كيانيا أمام طبيعة جارفة للعابر، أي للعرض الأنثوي بالذات.
من المؤكد أن روايات نجيب محفوظ قاربت الشرط الأنثوي من منظور براني، إجمالا. ولا يخلو بعضها من تضامن ضمني مع الأنثى (إحسان في القاهرة الجديدة ونور في اللص والكلاب ونفيسة في بداية ونهاية وعائشة في الثلاثية و بثينة الحمزاوي في الشحاذ)، وتضامن صريح معها (زهرة في ميرامار). بيد أن التضامن لا يعني،هنا، إفراد الأنثى، بإدارة المحكي، وتوزيع الأوراق السردية، وإنارة البؤر بلمسات أنثوية، والتدخل في البرنامج السردي، والإنصات للكيانية الأنثوية وحركية الجسد الأنثوي وهو يعلو وينهار، يتأنق ويتدلى منخورا بالزمن على هاوية الوجود.
لا يتسع السردي المحفوظي، للمنظور الأنثوي ولا يحول الأنثى من مسرود إلى سارد، من موضع للحكي كما فيquot; قشتمرquot; إلى ذات موجهة ومديرة للحكي، وموزعة ومرتبة لفقراته وأجزائه ومحتوياته. لا تكتب الشخصيات الأنثوية المحفوظية، برهان عسلها ولا تدبج خطاب رغبتها وصهيل جسدها كما فعلت غادة السمان أو سلوى النعيمي . (كنت أعرف أني جسدي فقط. لا أملك شيئا آخر. جسدي هو ذكائي ووعيي وثقافتي. من يشته جسدي يحبني. من يحب جسدي يشتهيني. هذا هو الحب الوحيد الذي أعرفه، والباقي أدبيات.)
سلوى النعيمي ndash; برهان العسيل ndash;رياض نجيب الريس للكتب والنشر ndash;الطبعة الثالثة -2008-ص. 35).
لا يمكن للكاتب أن يتجاوز ممكنات التاريخ، فلذلك لا بد من التجاوز، ونحت رؤية جمالية جديدة. إلا أن نحت هذه الرؤية، عملية حضارية، تتشكل في نقاط تماس الفردي والجمعي، التواصل والانقطاع، التثاقف الايجابي المقرون بالقابلية لاقتناء الثقافي الأصيل والإبداع الملامس للخفايا والأماكن القابلة للاستكشاف دوما.
روايةquot; قشتمرquot; تقليب لأوراق سردية، ولمسارات بيوغرافية وأوتوبيوغرافية، وتأمل حنيني وموجع، لمفاعيل الزمان، وشهادة انتماء كلي لزعبلاوي. وهي تجسيد، لانكسار الرؤية، وصعوبة استيعاب الشرط الأنثوي، واستكشاف معالم كينونة اجتماعية في مجتمع تتعارك فيه الإبدالات، وتبحث فيه الرؤى التخييلية التأسيسية عن أطر جمالية عالية وسامقة.
(فإذا كانت المرحلة التاريخية نفسها مرحلة انتقال،فإن الروائي الذي توحد معها سلبا وإيجابا هو روائي مرحلة الانتقال أيضا. ولقد انتهت هذه المرحلة بالهزيمة بكل ما تنطوي عليه من جوانب مادية ومعنوية، فثقافتها أيضا بكل ما تشتمل عليه من اشراقات قد سقطت في أوحال الهزيمة وعارها.)
(-غالي شكري ndash;المنتمي ndash;دراسية في أدب نجيب محفوظ ndash;منشورات دار الآفاق الجديدة ndash; بيروت ndash; لبنان -1982-ص. 449).
لا تجسد هذه الرواية، سقوط الاشراقات التخييلية في أوحال الهزيمة كما اعتقد غالي شكري، بقدر ما تجسد هزيمة المعادلة النهضوية، و انتهاء الفورة النقدية، إلى محض تأمل عسير، وعرض مختزل، لحيوات مسحوقة تحت رتابة الأمكنة واشتداد إيقاع الأزمنة وتجدد آليات التحول وتسارعها.
