في مناسبات عديدة ينسى اهل هذه المدينة الرب ويبتهلون بنذورهم لغيره , ويستبد بهم جنون الشفاعة والخلاص من تانيب الضمير، بانتظار معجزات في تحقيق اماني لادخل للرب فيها او من ينذر لهم النذور، يحدوهم امل في تحقيق ماعجزوا عنه في سعيهم المحموم لتحقيق احلامهم العادية والمؤجلة ولم يفتئوا باطلاق احر التمنيات بعودة الغائبين والمغيبين في بلاد كلما خرجت من محنة اشتدت عليها محن، حروب، احتلالات، كوارث. منذ الازل ومواكب العزاء والبكاء مستمرة بلا انقطاع حتى في الاعياد والافراح. كما عادت الاسلاف يوفون هذه المناسبات ويقيمونها خير قيام.
حشود بشرية تتراص وتنفرط على ضفاف النهر الذي وقف عليه سبطي الرسول وقتلوا عطشى. ومثل الكثيرين الذين حثوا الخطى الى النهر بتهليل لقصة اخرى لمولد زكريا حبيب الصابئة الذي نادى ربه واستجاب له، ومثل كل المؤمنين بهذه المناسبة التي اختلطت عليهم مناداة زكريا او سبطي الرسول الامر سيان لها، جاءت لتوفي نذرها على ضفاف النهر. بخطى مثقلة وئيدة تاركة مدينة تموج بجموع من البشر اختلط عليهم الامر مثل اختلاط امانيهم وتضرعهاتهم المحمومة ولجج توسلات لاتبدي ولاتعيد. احلام تتمزق وخيبات امل تتراكم مع الايام.
التقطت انفاسها، وملئت صدرها رائحة النهر التي تختلط ببخور النذور وافترشت الارض قرب الجرف الغريني بجانب شجيرات مبعثرة بعشوائية، احست بلدونة الارض وبرودتها من تحتها وتصاعد في اعماقها حزن اجفلها وهز كيانها مثل رعشة خفية، وفي راسها يدور امل لايصال رسالتها الى زكريا الذي ناشد ربه فاعطاه، كان مرور الاخرين بين الفينه والاخرى يسلبها صفاء وحدتها وهي غارقة بغوايات الانتظار، تراءت لها مويجات صغيرة تتقدم نحوها خلفها مركب متوسط الحجم اجتاز النهر طوليا. كان المركب مشحونا باطفال ونساء غارقين ببهجة الاحتفال، اعادها شخير المركب الى تامل النهر بعمق، راقبت انحسار المويجات تتراجع وتتلاشى. حبست انفاسها من جديد وكتمت بكاء سري في اعماقها، واخرجت كيس قماش اخضر وضعت صينة مطلية بلون فضي مطرزه حوافها باوراق نباتية مذهبة عجنت بطاسة صغيرة حناء وهي تغرف بيدها ماء النهر وتصبها في الطاسة، اصطبغت اصابع كفها اليمين بلون كستنائي ساطع. نظرت للاعلى بدات السماء اكثر اتساعا وصفاءا وقبل ان تسبل اجفانها تعالى صوت اغنية لمسلوب فؤاد تاتي من بعيد خلجات نفس تقطر وجع انتظارها وغربتها هي الاخرى. وجدت الكلمات طريقها وحركت انياط قلبها مثل قيثارة سومرية تعزف حداد طلسمي .
{ غريبة الروح.... غريبة الروح
&لاطيفك يمر بيها ولاديره التلفيها
وغدت وي ليل هجرانك ترد وتروح}
ارواح هائمة بهذا اليوم تشكو قساوة الحياة التي خذلتها بضراوة همومها وجعلتها اسيرة قيود ايام مسفوحة على مذبح الصبر والحلم. تصاعد صوت المغني بقوة وبات اكثر وضوح صوت جميل يعصف به الاسى والحنين مثلما يعصف بها مع تتالي ترانيم الاغنية التي حلقت بها بعيدا وايقظت فيها احساسا مدهشا
&{ سنين الصبر حنن.... وانته ما حنيت
&&& ترف ماحسبت بيه
&&& وانه وغربتي وشوقي
&&& نسولف بيك ليليه.. }
&اختفى الصوت الملكوم وبدا قرص الشمس يختفي في الجهة الاخرى للنهر وبان قوس احمر ملتهب في الافق البعيد تاملت صينية نذرها المعقودة فيها كل الاماني. جربت ايقاد اول شمعه وبالية ثبتت بقية الشموع باصابع مرتجفة، وضعت الحناء الطرية وثبتت عليها اغصان صغيرة من الآس واكتملت دائرة نذرها حول الصينية وبدا المكان يفيض بسلام وهدوء زاد من عزلتها ووحدتها مع انقطاع تقاطر المارة الى هذا المكان القصي من المدينة المائجة بالمحتفلين كل على طريقته مغمورين بصفاء استجابة الدعاء وتحقيق مرامهم في قادم الايام.
بدات صواني النذور تتباعد بمنظر متناهي الروعه والقدسية، زادته عتمة المساء الكابي اشتعالا وتوهجا، كانت افكارها مشوشة قلب يسبح في قدسية المناسبة.صدر يختزن حزن السنين الخوالي لايام تمضي دون رجعة، حملت نذرها بقدمين حافيتين كمن يدخل ضريح مقدس او معبد شعرت بنعومة الجرف غاصت قدماها بغرين لدن ناعم وتنادى صوتها مثل بوح سري وهي تتوسل لمرادها المنشود وتبوح بكل رغباتها المكتومة، اجتاحها ارتياح بالرضا وشعور طاريء منعش بدد وحشتها كانها وجدت بعض العزاء لنفسها بهذه المناسبة. تقدمت بخطوات بطيئة متوترة دفعت صينيتها بسهولة وملاسة وانعكس ضوء الشموع وهي تسمع هسهستها خيل اليها كنحيب مكتوم. كانت الشموع تحترق مثل صمتها المشتعل داخلها , الجميع يبكي بكاءا سريا، اشتد توقها لملامسة ماء النهر الجاري منذ الاف السنين , تملكتها رغبة عارمة بالارتماس به وغسل احزانها بمثل هذا اليوم الذي لايعود الى ان تدور رحى الايام لعام اخر يزداد فيه الفقد والحزن. يحرص الباقون على الوفاء بنذورهم من اجل ازاحة الظلام عن ذكرى الاحبة والغياب بضوء الشموع لتكون ذكراهم حاضرة بقوة لتخلصهم من عتمة النسيان والفراق.
تخلصت من نذر كان يثقل كاهلها، وبعثت رسالتها مع الاف النذور وتباعد كل شيء وسط ازدياد العتمة وهي لاتمسك نفسها من نوبة نحيب خفية مع احتراق شموع تتللأ برونق آسر غريب وتنحب بصمت. لملمت بقايا حاجياتها وبقايا جسد نحيف لازال يحتفظ بكبريائه رغم عجف السنين مثل قامة نخلة مشدودة لهذه الارض وللنهر الذي مازالت تلتقيه كل عام بمثل هذا اليوم مملوءة بالامل وغلواء احزانها، وحيدة قاطعة المسافة باتجاه المدينة وهي تغرق في احلام يقظتها المخادعة والمالوفة التي بررت وجودها هنا مثل كل عام تعيش بين الامل والانتظار للغائب الذي ابى ان ياتي.

&