قرأت مرتين الرواية الأخيرة للروائية المعروفة quot;ليلى الأطرشquot; التي صدرت عام 2012 عن الدار الأهلية في العاصمة الأردنية عمّان، بعنوان مثير للتساؤلات والشكوك السابقة لقراءتها وهو quot; أبناء الريحquot;. والسبب في القراءة الثانية كان بهدف التأكد من انطباعاتي وفهمي للرواية من القراءة الأولى أم لا، خاصة أنّها رواية صادمة بمعنى الكلمة، امتلكت الروائية فيها جرأة بالغة الشجاعة في تشخيص حالة اجتماعية عربية محزنة للمشاعر المرهفة، ومذلة لصورة المجتمع العربي في العديد من سلوكياته التي لا يتطرق لها الكثيرون لا روائيا ولا تحليلا اجتماعيا، خاصة حالة quot; أبناء الريح quot; هولاء الذين هم نتاج سلوكيات اجتماعية لا ذنب لهم في اتمامها والنتيجة هي معاناتهم التي ما زالت غالبية المجتمعات العربية تمارسها دون الإعلان عنها بجرأة هذه الرواية غير المعهودة، التي تنطلق من أحاسيس انسانية عايشت أصحاب هذه المعاناة مما جعل منهم شخوصا بشرية لكنها في مهب الريح، بمعنى أن ظروف وجودهم البشري هذه جعلتهم كورقة ملقاة على قارعة الرصيف، تأخذها الريح عندما تهبّ حسب اتجاهها، وهذه الشريحة البشرية ريحها في هبوب دائم مما يجعلها في طيران مستمر من رصيف إلى مقهى، ومن تقاطع طرق إلى معمل نجارة أو حدادة، وفي الغالب تكون هذه الريح غير رحيمة إذ تقذف في طريقهم أناس بقلوب خلت من الشفقة والإنسانية، مما يجعلهم يمارسون مع quot;أبناء الريحquot; قذارتهم وبشريتهم الحيوانية التي في أحيان كثيرة الحيوان أرحم منهم، لأنّ الحيوان لا يفكّر في ممارسة شرورهم مع البشر، ولا تخلو حياتهم المحزنة هذه من ملاحقة الشرطة من شارع إلى حارة فتضطرهم ظروفهم للحيلة والخداع كي يفلتوا من أيدي شرطة غالبا لا ترحم بسبب نظرتها الدونية مثلهم مثل باقي المجتمع المتخلف ل quot;أبناء الريحquot; هؤلاء.
مجتمعات تدين بلا أخلاق تحتاج لدور رعاية!!
لا يمكنك أن تمنع دموعك من النزول مهما حاولت وأنت تقرأ هذه الروية، لأنّ quot;أبناء الريح quot; هؤلاء يطرحون سؤالا فلسفيا أو وجوديا: لماذا أنا؟ وإذا كان العقاب على قدر الذنب، فصراخهم يصل سقف السماء ومن خلقها : ماذا فعلت كي تعاقبني هذا العقاب، وتلقيني في مهب الريح وفي الوقت ذاته تحسبني من بني البشر، ووضعي لا يختلف عما تطلق عليه مجتمعات التدين بدون أخلاق صفة quot; حيوانات ضالةquot;!!. هذا بينما من خلال معايشتي الشخصية حوالي ربع قرن ل (مجتمعات أخلاق بدون تدين ) لا وجود لهذه الحالة، لأنّ أخلاق هذه المجتمعات هي الدين والتدين، ألم يقل الرسول quot; إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاقquot;؟. فهو لم يقل quot;إنّما بعثت لأتمّم الصلوات الخمس quot; مثلا، لأنّ الأخلاق تسبق التدين الذي هو نتيجة طبيعية لتطبيق الأخلاق وممارستها في كافة نواحي حياة الفرد. في مجتمعات quot;أخلاق بدون تدينquot; فور ولادة الطفل يعطى اسم عائلة أمه، إلا إذا اتفق الزوجان على أن يأخذ الطفل اسم عائلة الأم أولا ثم عائلة الأب، أو اسم عائلة الأب فقط، أي أنّ القرار للأم (الجنة خلقت تحت أقدام الأمهات )، ومجتمعاتنا في غالبية ممارساتها شعارها التطبيقى (الأقدام فوق رقاب بعض أبناء الأمهات) خاصة هولاء أبناء الريح الذين فقد الأب والأم أية عاطفة انسانية أو شفقة ايمانية فرموا بهم أمام المستشفيات أو المساجد أو في صناديق القمامة، ليخفوا نتيجة عمل غير قانوني مارسوه، وتعاقب عليه العشيرة والمجتمع قبل أخذ القانون مجراه من قبل أجهزة الدولة. وبشكل عام لا وجود لحالة quot;أبناء الريحquot; هؤلاء في هذه المجتمعات التي يطلق عليها بعض شيوخنا quot;أحفاد القردة والخنازيرquot; بينما هؤلاء الشيوخ لا يتدخلون لإصلاح مجتمع يعاقب طفولة لا ذنب لها عقابا لا يليق بالقردة والخنازير!!.وهل يصدق شيوخ الفتنة في بلادنا وممارسو الشتائم والإهانات في دور الرعاية في (بلاد العرب أكفاني) أنّه في بلاد من نسميهم ظلما (أحفاد القردة والخنازير) إذا أساء والد أو أم معاملة طفله ينتزعونه من العائلة ليجد عشرات العائلات تتمنى رعايته ودفع كافة مصروفاته إلا أن تتوب عائلته الأصلية عن ممارساتها السيئة بحقه.
طفولة الحزن والانكسار
هل عرف من لم يقرأ الرواية الآن من هم quot;أبناء الريحquot; في دار يطلق عليها (دار الرعاية ) وهي مسكونة برعاة خلت الرحمة والصدق والإيمان من قلوب أغلبهم نساءا ورجالا؟. هل تريدون معرفة واحد من هؤلاء الأبناء بشكل أكثر مباشرة؟ إنّه ( إبن المدعوة التي رمتك وهربت من عارها، فاختارت لك الدار اسما لها في شهادة ميلادك) ص 8 . من يتخيل أنّ هؤلاء الرعاة لأطفال رمتهم الريح في هذه الدور، أغلبهم لصوص وحرامية، يسرقون الغالي والثمين الذي يتبرع به من في قلوبهم رحمة لهذه الدور سواء الطعام من دجاج ولحوم وسكر وأرز وأشياء أخرى، وطوال الإسبوع أكل أبناء الريح هو العدس أو الملوخية، وإذا ضجّوا من هذا الروتين يكون عقابهم الضرب والشتم ومعايرتهم بماض لا ذنب لهم فيه ، فهؤلاء الرعاة اللصوص كل سلاحهم (لعنوا آباء أولاد الحرام الذين لا يثمر فيهم معروف ) ص 5 ، بينما ينسون سرقاتهم ومنهم المرأة المحجبة تدينا، ومنهم من أنهى الصلاة وفورا يأخذ مسروقاته من لحوم وسكر ودجاج وأرز لسيارته، وغيره يمارس شذوذه الجنسي مع أبناء الريح هؤلاء، دون أن ينسوا سلاح الضرب المبرح لطفولة سكنها الحزن والانكسار..من لا يبكي يا أصحاب القلوب الرحيمة المليئة بالإيمان وليس السرقات واللصوصية من وصف يقول: ( أسكتنا الألم والخوف فلم نقل إننا جميعاً نذكر أنه كان أسبوع العدس، عدس مجدَّرة، وعدس بسلق، وشوربة عدس حامضة وعدس مع السوس، وأن الدجاج والأرز يراودان أحلامنا فقط، ولكن.. ربما بتنا لا نفرق بين الأحلام والحقيقة فتصورنا أن الدجاج والأرز طبخة عدس.. وفي شدة ما قاسينا من ضرب وركْل لم نصف لهم كيف تعصرنا معدنا الطاوية حين نقطع السوق في الطريق إلى المدرسة.. فواكه فوق بسطات أو تزين الواجهات، وروائح أطعمة شهية تدمِّر مقاومتنا ثم تهاجم أحلامنا بقسوة.... أفرجوا عنا بعد اعترافنا بأننا طفحنا الدجاج والأرز كلّه لكننا نسينا ) ص 5.
من هم أبطال الرواية؟ سفيان و نادرة أم اللغة والدموع؟
تعودنا في غالبية القراءات الروائية أن نبحث عمن نطلق عليه بطل أو أبطال الرواية، وضمن هذا السياق يمكن أن نختار من أبناء الريح هؤلاء شخصين هما quot;سفيانquot; و quot;نادرةquot; كبطلين للرواية. فسفيان بعد الكدّ والإصرار وصل لأفراد من عائلته أعادوه لأحضانهم فتعلم ودرس حتى أصبح طبيبا يمارس مهنة الطب، رغم أن إنكسار البحث عن أسرار موت أبيه وأمّه لا يفارقه أبدا فهو في الحلم واليقظة مصدر تكهنات وسيناريوهات، خاصة أنّ كل ما قيل له روايات ضعيفة لا يصدقها عقل، ومنها إصرار وتكرار إمرأة العم quot;سعادquot; أنّ امه المفقودة موتا غامضا كانت جميلة تركض وراءها عيون كافة رجال الحي، وفي لحظات هذيان أو ما يشبه أحلام وحمى اليقظة يدخل الشكّ لقلبه أن هذا العم له علاقة بموت الأب والأم. ويصل حد ركض وإصرار سفيان على الوصول إلى هذه الأسرار كما تسرده الرواية إلى حد الإحساس أنّ سفيان هو محقق دولي في قضية غامضة وليس طبيب فقط. وربما مهنة الطب هي التي غرست عنده هذا الإصرار، فالطبيب المجتهد في عمله، يواصل البحث ليعرف أسباب مرض مريضه، وهل هناك أهم من مرض فقدان الأم والأب في ظروف غامضة، مجريات الحدث توحي له أنّ من حوله يعرفون الأسرار ولكنهم يحجبونها عنه، ورغم ذلك هو مضطر للسكوت أو التجاهل كي لا يخسر من قاموا برعايته وتعليمه ومساعدته حتى أصبح طبيبا.
و quot;نادرةquot; ظلت تبحث حتى وصلت لأمّها الحقيقية ومعهاأختيها وشقيقها. وهي نادرة في اسمها وسلوكها لأنّها رفضت بإصرار وعزيمة الانخراط في سلوك من وصلت لهم من عائلتها، لأنّه هو نفس السلوك الذي رماها وصارت واحدة من quot;أبناء الريحquot;، وهذا ما يرفض ضميرها الذي فقده الأخرون أن تنخرط فيه. هذان إل quot;سفيانquot; وquot;نادرةquot; يمكن حسب السرد الروائي والسيطرة على قمة الحدث الروائي اعتبارهما بطلي الرواية دون تجاوز محنة وانكسار بقية الأبناء، ولكن ضمن قراءتي للرواية أعتبر أنّ بطلا الرواية هما:
اللغة و الدموع
فقد تمكنت ليلى الأطرش في هذه الرواية من لغة فائقة العمق والتركيز مما استدعى بالنسبة لي على الأقل كقارىء أن أعيد قراءة بعض الصفحات أكثر من مرة والرواية كاملة كما قلت مرتين. وهذا العمق اللغوي لم يؤثر على السرد الروائي لأحداث تشدّك دون تمكنك من الهروب من البطل الثاني للرواية وهو quot;الدموعquot; التي لا يمكن التحكم في عدم هطولها من جراء هذه الشجاعة الروائية في وصف حي وبث مباشر لمجتمع بشكل عام خلا من الرحمة إلا ما ندر، أمّا فيما يفترض فيه quot;مجتمع الرعايةquot; فهو في الحقيقة مجتمع في غالبيته بدون رعاية ورحمة وأخلاق. لا يعرف معنى حزن طفولة وانكسارها الذي تمّ فرضه عليها بسبب أخطاء أو زلات آخرين، من هنا مشروعية سؤالهم الفلسفي الوجودي للسماء أو حارسها أو خالقها كما أوردته ليلى الأطرش في مطلع الرواية:
يا حارسَ الأبْعادِ الثلاثة
إلهَ المطر والقوةِ والريح
مصدرَ خِصْب الكائنات
لماذا تركْتني؟
نعم لماذا؟ وأنت إله الكل بما فيها الريح، فلماذا تتركني في مهب الريح لهذا الوضع غير الإنساني والذي لا يليق باية كائنات تقول انّك حارسها!!. إنّ لغة هذه الرواية تشدّك في غالبية صفحاتها وفي بعض مقاطعها تشعر أنّك بصدد قصيدة شعرية تشخّص مشاعر بشرية انتهكها آخرون بدون ضمير أو مسؤولية فمثلا هذا المقطع من الرواية بعد توزيعي له على شكل جمل شعرية، بينما هو فقرة سردية نثرية:
( بخار الأنفاس المحشورة في يوم بعيد غطّى زجاج نوافذ الباص حين توقف،
كان بعضنا قد رسم بيوتاً على الزجاج، قليل منها اكتمل،
وآخر نتركه عادة غير مكتمل ونمضي،
والأولاد يرسمون على كلّ شيء وبأي شيء..
بأصابعنا وبأعواد الشجر وبألوان وورق..
نقيم بيوتاً من بخار الأنفاس على النوافذ شتاء،
ونخربشها على تراب الملاعب صيفاً،
ولم يسلم سور الدار من بيوت نتخيّلها ويفصلنا عنها.
أنقذوه من خرابيشنا بألوانٍ وأوراقٍ قدَّمها مشرفون نفسيون وهم يحثوننا على الرسم،
وشدّدت الإدارة القصاص فنجا السور من عبثنا وأعادوا طلاءه،
فرسمنا على الأوراق وجوها لا بيوت لها).
هذا ليس مقطعا من قصيدة شعرية بل مقطع سردي عميق من الرواية متوغل في أعماق الإنسانية لا يصدر إلا عن كاتبة عايشت بمرارة وإنسانية حياة أبناء الريح هؤلاء..ليست مجاملة لا أجيدها ولا أمارسها: ليلى الأطرش : تتوجين بهذه الرواية رحلة روائية لها مكانتها المميزة في مسيرة الرواية العربية.
www.drabumatar.com
معلومة لمن لا يعرف، هذه هي الأعمال الروائية للكاتبة quot;ليلى الأطرشquot; قبل رواية quot;أبناء الريحquot; موضوع هذه الدراسة:
- وتشرق غربا، 1988
- امرأة الفصول الخمسة، 1990
- ليلتان وظل امرأة 2000
- صهيل المسافات، 2001
- مرافئ الوهم، 2005
- نساء المفارق، 2009
- رغبات ذلك الخريف، 2010

