المصارف الإسلامية تخترق أسوار النشاط المصرفي التقليدي

خالد طه من الدوحة

كشفت دراسة اقتصادية جديدة ان البنوك الاسلامية تمكنت من اختراق أسوار النشاط المصرفي التقليدي واستطاعت بآلياتها وادواتها المستحدثة أن تدخل في دائرة هذا النشاط فئات من المدخرين وأصحاب المشروعات لم يكن لها نصيب فيه من قبل ، و هي فئة المدخرين الذين كانوا يرفضون التعامل بالفوائد ولا يجدون مبررات لفتح حسابات لهم لدى البنوك التقليدية.

واوضحت الدراسة التي اعدها الدكتور عبدالرحمن يسري استاذ الاقتصاد بجامعة الاسكندرية ان المصارف الإسلامية اتاحت تمويلا لم يكن متاحا من قبل لأصحاب المشروعات الصغيرة الذين كانوا دائما يعتمدون على مدخراتهم الخاصة والعائلية ومدخرات الاقارب والجيران فإذا تعرضوا لمشكلة تمويلية اضطروا إلى سوق الائتمان غير الرسمي أو سوق الربا الفاحش والذي تصفه الدراسات المتخصصة أنه مدار من قبل حيتان القروض حيث ترتفع أسعار الفائدة احيانا إلى 1000% فى السنة أو أكثر ولا يستطيع أحد أن يماري في هذه الحقيقة حتى وان ادعى بان البنوك الإسلامية ليست بعد على المستوى والكفاءة المطلوبة.

ويشير الدكتور يسري في دراسته إلى أن الغالبية العظمى من الدول الإسلامية تعرضت للاستعمار الغربى خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين وخلال فترة الاستعمار التى اختلف طولها من دولة لأخرى أخذت القوانين الوضعية للقوى الاستعمارية مكانها فى الدول الإسلامية إما محل الشريعة الإسلامية أو جنبا إلى جنب معها، كذلك تسللت الثقافة والمؤسسات الغربية إلى العالم الإسلامى مما مكن المؤسسة المصرفية الغربية من الدخول إلى العالم الإسلامى موضحا أنه كان من ضرورات الاستغلال الاقتصادى للشعوب المستعمرة .

وأكدت الدراسة أن ردود أفعال أبناء البلدان الإسلامية على دخول المؤسسة المصرفية الحديثة إلى عالمهم اختلفت فانبرى جمهور علماء المسلمين بالتحذير من التعامل مع البنوك التي تتعامل بنظام الفائدة التى لا تختلف فى معناها عن الربا " بينما انبرت قلة قليلة من العلماء يبررون الفائدة البسيطة وليس المركبة فى حدود 4% إلى 5% أو يبررون الاقراض من البنوك لاغراض الانتاج وليس الاستهلاك أو يؤكدون أن الفائدة محرمة بسيطها ومركبها ولكن يسمحون بالتعامل بالفائدة البسيطة تحت ظروف الضرورة مشيرا إلى قيام بعض علماء المسلمين بتحذير الناس من التعامل مع البنوك التى دخلت الأوطان الإسلامية لأنها مؤسسات أجنبية دخلت مع القوى الاستعمارية لتساعد فى عمليات استغلال هذه الأوطان اقتصاديا وتحويل فوائضها الاقتصادية إلى الخارج وربطها بالعالم الغربى..

وترصد الدراسة بعض الملاحظات على دور البنوك التقليدية فى التنمية موضحة انه بالرغم من أن هذه البنوك تسهم فى عمليات تمويل لمشروعات إنتاجية داخل الاقتصاد إلا أنها لا تبالي إذا كانت هذه المشروعات تقوم بإنتاج سلع وخدمات تجيزها الشريعة الإسلامية أو تحرمها بنصوص قطعية .

وطبقا للدراسة فان البنوك التقليدية بطبيعتها كمؤسسات تعمل على تعظيم ربحها عن طريق الاقتراض والاقراض بالفائدة تفتقر إلى أية معايير أو آليات تمكنها من اعطاء مميزات تمويلية للمشروعات التى تسهم فى التنمية بشكل أكبر من غيرها وهى بطبيعتها لا تمتلك من السياسات ما يجعلها مثلا تقدم على إعطاء ميزات تمويلية خاصة لرجال الاعمال الذين يعملون فى أنشطة إنتاجية تفيد بلدهم مقارنة بهؤلاء الذين يقترضون منها لأغراض المضاربات المالية البحتة أو للأنشطة التى يديرونها خارج البلاد لمصالحهم الخاصة فقط .

واشارت الدراسة الى ان استخدام القروض المصرفية فى مضاربات بحتة بقصد التربح السريع يؤدي إلى إفساد حالة اسواق الأوراق المالية وقد تقرض من يقومون بتهريب الأموال إلى الخارج لصالحهم .

فى حين أن الشريعة الإسلامية تلزمنا بتحري استخدام ما لدينا من مال استخداما رشيدا والتدقيق فى ذلك والقاعدة العامة معروفة {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما}

وذكرت الدراسة أن البنوك التقليدية أسهمت مباشرة فى تمويل مشروعات انمائية ذات طابع اجتماعى فى بعض البلدان فى بعض الظروف مثل مصر خلال ستينيات القرن الماضي وما بعدها لكن ذلك لم يحدث إلا بعد الزامها بطريق السلطات الاقتصادية وتوجيهها بتعليمات مباشرة من البنك المركزى لكنها من بعد ذلك لم تسهم فى تمويل أية مشروعات تسهم فى التنمية الاجتماعية أو البشرية

واكدت الدراسة أن المصارف الإسلامية أكثر قدرة على تجميع الأرصدة النقدية القابلة للاستثمار وأكثر قدرة على توزيع المتاح من الموارد النقدية على أفضل الاستخدامات لأغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية وأنها بتوزيع الموارد المالية على أسس الانتاجية والكفاءة الاقتصادية تسهم بشكل مباشر فى توزيع الدخل القومى على نحو عادل خلال عملية التنمية

وطالب يسري في دراسته بضرورة تطوير أدواتها التمويلية بشكل مستمر وذلك لتصحيح أخطاء التجربة لتحقيق مصالح اصحابها وعملائها بل لدفع النشاط الانتاجى نحو النمو بأعلى معدلات ممكنة مشيرا إلى أن نجاح البنوك الإسلامية فى اداء الدور المنوط بها لا يعتمد على مقولات أو مقالات وإنما على نوايا صادقة من القائمين عليها وافعال تؤكد ناحيتين هما التمسك بالشريعة الإسلامية ومقاصدها فى جميع المعاملات والتصرفات، وابتغاء أقصى كفاءة فى اداء الأعمال

وخلصت الدراسة إلى القول أنه لكى تنجح هذه البنوك الإسلامية فى دورها الانمائي لابد من توافر مناخ عام فيه جهد من الجميع على المستويين الجزئي والكلي يبذل لإحياء العمل بالشريعة الإسلامية دون افراط أو تفريط.