ماجد محمد قاروب
يلاحظ الجميع بل يتألم من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والتي تحولت إلى ظاهرة عالمية وليست إقليمية أو محلية وينادي الجميع محلياً وعالمياً بضرورة مراجعة الكثير من السياسات والتشريعات لمواجهة هذه الظاهرة التي كثرت أسبابها من زيادة عالمية في السكان وتحويل الكثير من المحاصيل الزراعية لتوليد الطاقة وهو أمر تحذر منه المنظمات العالمية حيث صرح المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة من عوامل ارتفاع الأسعار وانخفاض الإنتاج العالمي بسبب التغير المناخي إلى مستويات متدنية لا مثيل لها بالإضافة إلى ارتفاع استهلاك اللحوم والألبان في الدول ذات الاقتصادات الناشئة وزيادة الطلب على إنتاج الوقود الإحيائي والجفاف.
وبطبيعة الحال تضاف إلى ما سبق زيادة أسعار الشحن والنقل والتأمين والطاقة ورفع الدعم عن المزارعين والصناعات الغذائية كأحد شروط العولمة فغيرت كثيراً من اقتصاديات الصناعة الغذائية على مستوى العالم و يزيد من الصعوبات التي تواجه الصناعة الغذائية عالمياً ازدياد عدد الحروب والنزاعات المسلحة حول العالم بالإضافة إلى الاضطرابات السياسية في كثير من دول العالم ناهيك عن اتجاه الاستثمارات عالمياً وإقليمياً و محلياً إلى الصناعات المالية والإنشائية و الاتصالات الأكثر ربحية والأسرع نمواً والأسهل لجهة التنظيم والإدارة وبالإضافة إلى أثرها في رفع المستوى المعيشي والاقتصادي.
وسياسات التوظيف والتأهيل والتدريب للشباب الجامعي المؤهل على حساب المزارع البسيط، بل حتى الاستثمارات الزراعية في العالم العربي توجهت للمحاصيل التي تحتاجها أوروبا والغرب مثل الفواكه وذلك لغرض التصدير لجلب عملة أجنبية ولمعادلة ميزان التبادل التجاري ولم تكن استثمارات زراعية لغذاء مواطنيها فنجدها تستورد القمح والشعير واللحوم الأكثر أهمية للشعوب والمواطنين كل ذلك وغيره كثير حول العالم جعل رئيس البنك الدولي يطالب الدول الغنية أن تعمل في الحال على سد الفجوة وأن يكون هناك تعديل فوري وسريع لسياسات الأغذية وهو ما أدى أيضاً لبرنامج الغذاء العالمي أن يطلق نداء لتوفير 500 مليون دولار إضافية، كما أوضح تقرير أخير للبنك الدولي زيادة أسعار القمح بنسبة 181% في السنوات الماضية وارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 83% خلال عام واحد فقط.
وهو ما جعل رئيس صندوق النقد الدولي يعلق قائلاً إن القادم أسوأ فيما يتعلق بأزمة الغذاء عالمياً، وما يزيد من حجم مشكلة الغذاء محلياً و للأسف الشديد العادات والتقاليد السيئة للطعام، والمحزن أنك تجد هذه العادات لدى الشعوب المستوردة للغذاء وليست المصدرة فانظر إلى حجم الأرز على مائدة العائلة الأمريكية أو الأوروبية و قارنها بالعربية أو الخليجية بل انظر إلى إعلانات الأرز في الإعلام السعودي حيث تجد طاولة الطعام عليها عدة أنواع و أصناف من الأرز على المائدة الواحدة لعائلة من أربعة أشخاص وانظر إلى موائد الولائم وكمية الأرز في كل سفرة الزائدة عن القدرة على الأكل ومصيرها إلى النفايات.
وبالرغم من قوة الشكوى من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، لم نجد سوى حلول تقليدية لم يصاحبها ترشيد أو تقنين كما يحصل في كثير من دول العالم حيث تكون كمية الأرز في طبق الطعام معلومة الوزن وتختلف في وجبة الغذاء عن العشاء ونحن لا نجد سوى الغرف والكب بدون أي معيار حيث تظهر أهمية التقنين لكمية الأرز في أطباق الولائم و المطاعم العامة والشعبية فعوضاً عن تعويض مستوردي الأرز وتجاره بعدة مليارات من الريالات لمحاولة خفض سعر استهلاكه الذي يذهب إلى مكب النفايات، كان يمكن تقنين وترشيد الاستهلاك فنحافظ على تلك المليارات للأجيال القادمة ونخفض فاتورة الاستيراد الضخمة جداً للأرز التي تذهب أموالها في جيوب التجار وهذا رزقهم ويذهب ربع ما نستورده تقريباً في مكب النفايات و هذا مخالف لآداب وسلوكيات الطعام للإنسان المسلم بل إن إعلانات وحملات تسويق الأرز في كل مكان الأمر الذي يضع شكوكاً حول قله المعروض أو المخزون.
كما أن معالجة الإعلام والصحافة و وزارة التجارة لمشكلة الغلاء بالنسبة للمواد الغذائية فيها كثير من أوجه القصور وتساعد على الهلع بدون أي مبرر، فكلنا يعلم أن هناك مواسم معينة لأنواع الخضار والفاكهة تصل في ذروتها البضائع لأدنى الأسعار ولا تجد من يشتريها ويتعب التجار في تصريف فائضها وفي غير مواسمها ترتفع أسعارها وبالتالي فإنه عوضاً عن وضع مؤشرات رقابة الأسعار ونشرها يجب أن نضع بجوارها مؤشرات توقع الأسعار بالنسبة للخضار والفواكه، ولذلك نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة لصناعة الغذاء بكل مقوماتها وعناصرها وعلينا مراجعة حجم الاستيراد ومقارنته بعدد السكان فمن غير المعقول أن نكون في الترتيب العاشر عالمياً في استيراد المواد الغذائية وتعدادنا لا يتجاوز 30 مليون نسمة، وعلينا مراجعة أسواق الخضار والفاكهة والمواشي وعلينا مراجعة تشريعات وقوانين الأسواق المركزية والسوبر ماركت والمحلات، وأثر صناعة النقل والتأمين و سياسات السعودة و حجم التضخم على أسعار المواد الغذائية بما في ذلك العولمة واحتياجاتها ومتطلباتها تجاه صناعة المواد الغذائية، وذلك كشأن داخلي.
أما على المستوى العالمي فإن حق الإنسان في الحياة يتساوى مع حقه في التغذية ولذلك نجد أن قضايا النفقة في معظم القوانين العالمية والقضاء تأخذ الأولوية والتنفيذ الجبري والفوري لأنها تتعلق بالحق الإنساني في الغذاء لأجل الحياة، فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل إنسان على الحق في مستوى معيشة كاف لتأمين صحته ورغد عيشه مع عائلته وبخاصة حقه في التغذية كما نص قرار إنشاء منظمة الأغذية والزراعة العالمية على أن الهدف الرئيس للمنظمة هو تحرير الإنسانية من الجوع، وهو ما أكد عليه العديد من المؤتمرات العالمية و منها إعلان حقوق الطفل وبرنامج التغذية العالمية وإعلان المبادئ للمؤتمر العالمي حول التغذية عام 1992 وبرنامج عمل القمة العالمية للتغذية ومؤتمر القمة المنعقد في روما عام 1996 الذي ضم دول العالم التي اعتبرت أنه من غير المقبول وجود أكثر من 800 مليون إنسان في العالم يتضورون جوعاً، و اتفقوا على بذل الجهود الضرورية لمحو الجوع من العالم بمقدار النصف كحد أدنى بحلول عام 2015 ولكن الملاحظ أن العدد تضاعف في منتصف المدة وزاد عدد الفقراء في العالم عن 3مليارات فقير ما يقارب نصف سكان المعمورة ونصف هؤلاء الفقراء يعانون من الجوع وسوء التغذية وأن هناك 50 مليون طفل يموتون جوعاً كل عام.
وفي مقابل ذلك نجد أن الدول الغنية والمنتجة للمحاصيل الزراعية تتلف ملايين الأطنان من المواد الغذائية الأولية مثل القمح والذرة واللحوم والحليب و البندورة والبن حفاظاً على أسعارها في البورصات والأسواق العالمية حيث نجد الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم المزارعين والمنتجين للمواد الغذائية بعكس ما تطالب به دول العالم بتحرير ورفع الدعم أتلفت 43 مليون طن من الحبوب كانت مخصصة للاستهلاك وأن نسبه الهدر في الفواكه والخضراوات و الحليب والحبوب تصل إلى 60%من الإنتاج الأمريكي وهذا صادر عن دراسة لوزارة الزراعة الأمريكية عام 1995 وأن دوله كفرنسا تنفق على حيواناتها من الكلاب و القطط ما يقارب 40 مليار يورو سنوياً و اخترع الغرب لأجلهم (وعاء الكلاب) DOGY BAG لأخذ ما يفيض عنهم في المطاعم.
مثل هذه الممارسات العالمية والجوع وسوء التغذية حول العالم وارتفاع أسعار المواد الغذائية يجعلني أطالب بمراجعة كل ما يتعلق بالغذاء وفق مبادئ الشريعة السمحة والعمل على تشجيع الزراعة والاستثمار في المشاريع الزراعية الأساسية ودعم مشاريع الإنتاج الغذائي خاصة في مجال اللحوم والأسماك في دول العالم العربي والإسلامي من خلال دعم شامل لمشاريع الغذاء بكل أنواعها وإن كنت أتفق مع مطالبة الرئيس الفخري للاتحاد الدولي للمحامين الأستاذ المحامي أنطوان عقل في إصدار تشريع عن مجلس الأمن الدولي وعن المجالس المختصة في الدول الأعضاء في الأمم المتحدة يعتبر إتلاف المواد الغذائية الأولية الأساسية جريمة ضد الإنسانية و إحالة مرتكبيها إلى المحاكم الجنائية و إعطاء منظمة الأغذية والزراعة العالمية حق الرقابة و الإشراف على تنفيذ التشريعات ووضعها موضع التطبيق العلمي وإعطاءها حق الإدعاء على مرتكبي هذه الجرائم أمام المحاكم الجنائية الدولية وذلك في محاضرته التي قدمها بمناسبة يوم الغذاء العالمي لعام 2007 وفي اعتقادي أن 3 مليارات فقير حول الأرض منهم مليار يعانون من سوء شديد في التغذية ويموت لهم 50 مليون طفل سنوياً يتفقون معنا في هذا الطلب ولكن لعلي أزيد عليها أيضا اعتبار استخدام المواد الغذائية في إنتاج ما يسمى الوقود الإحيائي هو أيضاً جريمة ضد الإنسانية ، لأنها قضية أخلاقية عالمية كبرى وتؤدي إلى تعميق أزمة الغذاء العالمي وتؤدي إلى مزيد من سوء التغذية والجوع وموت الأطفال بسبب ذلك حيث وصلت المعدلات الأخيرة إلى وفاة طفل كل 5 ثوان.
