بين الصين وأثيوبيا والإمارات، تقع موانئ جيبوتي كحلقة وصل بين شراكات ذكية، تستثمر في التمويل والاستخدام والإدارة، فالصين هي الشريك الأكبر في عملية تشييد وتطوير الموانئ، وأثيوبيا هي المستخدم الأبرز، حيث تمثل موانئ جيبوتي الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد الأثيوبي في تأمين احتياجاته من التصدير والاستيراد، باعتباره دولة بلا شواطئ. أما الإمارات فهي التي تملك حق الامتياز في التشغيل والإدارة، بموجب اتفاقية مع الحكومة جيبوتي تنص على اتفاقية امتياز مدتها عشرون عامًا.


حسن حاميدوى من جيبوتي: تقع دولة جيبوتي، التي تأسست في العام 1977، على أنقاض ما كان يعرف بالصومال الفرنسي، على الشاطئ الغربي لمضيق باب المندب، بإطلالة بحرية على البحر الأحمر وخليج عدن، وعلى مساحة تبلغ& 23 آلف كلم مربع، ويحدها الصومال وآريتريا وأثيوبيا، فيما لا تبعد شواطئها عن اليمن سوى 20 كلم، وتحتضن جيبوتي الحائرة بين موقعها الجغرافي في قلب القرن الأفريقي، وانتمائها الرمزي لجامعة الدول العربية، القاعدة الأميركية الوحيدة في القارة السمراء، كما تحتضن أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في القارة.

وتصنف جيبوتي كبلد فقير بالموارد، يعيش خمس سكانه تحت خط الفقر، مع نسبة مرتفعة للبطالة، وهو ما جعلها& تركز جل جهدها على استقطاب استثمارات عربية وأفريقية وآسيوية، انطلاقًا من موقعها الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر، ومن خلال وضع مشروعات طموحة للاستفادة من خدمات موانئها البحرية وبناء قدراته وتأهيل مرافقه، باعتباره مرفقًا اقتصاديًا حيويًا لبناء اقتصاد البلاد، بحسب ما صرح به لـ "إيلاف"، أبوبكر هادي، مدير سلطات الموانئ والمناطق الحرة في جيبوتي.

الصين وأثيوبيا والإمارات
وقال أبوبكر هادي إن النمو الاقتصادي لأثيوبيا ينعكس بشكل مباشر على جيبوتي، حيث يعتبر محركًا ودافعًا تنمويًا لاقتصادها، لاسيما أن جيبوتي تعتبر النافذة البحرية الأولى لتصدير واستيراد احتياجات أثيوبيا، مشيرًا إلى أن النمو الاقتصادي المتسارع في أثيوبيا يضاعف الطلب على خدمات الموانئ الجيبوتية، مما يعتبر مكسبًا كبيرًا للاقتصاد الجيبوتي.

وأضاف قائلًا "التحدي الذي يواجه البلدين يكمن في عملية عبور البضائع من جيبوتي إلى أثيوبيا، حيث لم تكتمل حتى الآن خطة سكة الحديد السريع، والتي ستساهم حال الانتهاء منها في تقليل تكلفة نقل البضائع وتقليل الزمن الذي يستغرقه نقل البضائع".

وباتت جيبوتي الممر المفضل لمناطق شرق أفريقيا الداخلية، وخاصة أثيوبيا وسكانها السبعين مليونًا، منذ استقلال آريتريا (1993)، حيث أصبحت أثيوبيا بعدها دولة حبيسة وبلا شواطئ بحرية، فاقم هذا الوضع النزاع الحدودي بين آريتريا وأثيوبيا (1998-2000)، حيث منعت آريتريا على أثره أثيوبيا من استخدام ميناء عصب الآريتري، والذي كان منفذ أثيوبيا البحري قبل اندلاع النزاع الحدودي بين الدولتين.

وعن الدور الصيني، أوضح هادي في حديثه لـ إيلاف، أن الصين هي الشريك الأكبر في عملية تطوير الموانئ وإنشائها، مشيرًا إلى أن 90% من التمويل يأتي من الصين عبر بنك (أكسيم). وتابع قائلًا: جيبوتي والصين تعملان معًا لتطوير البنية التحتية للموانئ البحرية، وهناك خطة لبناء 4 موانئ جديدة لأغراض متعددة في أجزاء مختلفة من البلاد، وهو ما سوف يساعد جيبوتي على تقديم خدماتها البحرية بأسعار تنافسية، خاصة للدول الأفريقية، كأثيوبيا وجنوب السودان، فضلًا عن سفن الملاحة الدولية، على حد وصف هادي.

وفي ما يتعلق بالاستثمارات الإماراتية، أوضح أبوبكر هادي، أن شركة موانئ دبي العالمية، تدير موانئ جيبوتي منذ حزيران (يونيو) 2000 م، وذلك بموجب اتفاقية بين& الطرفين، تنص على اتفاقية امتياز، مدتها عشرون عامًا، وتقوم من خلالها موانئ دبي العالمية بإدارة ميناء جيبوتي، وتتولى وضع وتطبيق أنظمة التشغيل الحديثة للميناء وتوفير أعلى مستويات الخدمة لعملائه.

وقال هادي إن موانئ دبي وقعت الاتفاقية انطلاقًا من وعي استثماري مبكر لأهمية المنطقة ملاحيًا، حيث تقع موانئ جيبوتي على خط رئيس، يمتد من أوروبا إلى آسيا والشرق الأوسط، فضلًا عن كونه الساحة الخلفية للدول الأفريقية الحبيسة، مثل أثيوبيا، تمر به حركة مرور دولية ضخمة وسفن تنقل آلاف الحاويات، مما يجعل الميناء ممرًا مهمًا لحركة شحن المعابر، وهي الحاويات التي تتحرك من سفن ضخمة إلى سفن أصغر تأخذها إلى الوجهات النهائية.

نفط&جنوب السودان
في ما يتعلق بالمشاريع الآتية موانئ جيبوتي، كشف أبوبكر هادي، أنه تم توقيع اتفاقية ثلاثية بين جيبوتي وأثيوبيا وجنوب السودان، لتصدير النفط الخام من جنوب السودان إلى جيبوتي، عبر مروره بأثيوبيا، مشيرًا إلى أنه بموجب هذه الاتفاقية ستقوم الدول الثلاث ببناء محطات لنقل النفط الخام في منطقة الموانئ بتكلفة قدرها 200 مليون دولار، فضلًا عن خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز الطبيعي عبر مناطق "كالوب" و"هيلال" في الإقليم الصومالي الأثيوبي إلى المواني الجيبوتية، إضافة إلى مصفاة لتكرير البترول وأحواض جافة داخل منطقة الموانئ، إلى جانب بناء طرق تربط جيبوتي بأثيوبيا بجنوب السودان لتسريع عملية الشحن وتعزيز النقل السريع وتقليص الزمن وتوفير الجهد، بحسب وصف هادي.

يشار تاريخيًا إلى أن ميناء جيبوتي، والذي يعرف محليًا باسم "دورالي"، تم اكتشافه في العام 1882، إثر غرق سفينة حربية فرنسية بجواره، حيث لم تكن له أهمية سوى كونه نقطة عبور للقوافل، وأحد الأرصفة المحددة لتزويد البواخر بالتموين، لكن حادث غرق السفينة لفت انتباه الفرنسيين إلى موقعه الاستراتيجي، فقاموا بتوقيع اتفاقية في العام 1882 مع الإمبراطور الأثيوبي منيلك، لجعله ميناء للبواخر، ومع الأعوام تطور نشاطه، وبات جزءًا مهمًا وحيويًا من شبكة التبادل الدولي البحري، وأصبح أحد أبرز ممرات الشحن في البحر الأحمر.
&