أحمد البغدادي
الكتابة في ظل الاستبداد الذي يعيشه العالم العربي تصبح واجباً شرعياً وقانونياً ضد السلطة
أيهما أشد خطراً على الوطن, المسؤول الذي يهدر المال العام ويرفض المحاسبة, أم الكاتب الذي يكتب منتقدا هذا الوضع? وهل تعد الكتابة التي تنتقد أحوال الوطن, خيانة للوطن? رغم تمييزي الواضح بين الوطن والدولة, إلا أن المفهوم العام لدى الكثيرين لا يتأمل في هذه التفرقة المهمة, فيحيل الوطن إلى الدولة, والعكس بالعكس. وهذا خطأ مفاهيمي فادح. مناسبة هذه المقالة تعود إلى السجال الدائر في قطر الدولة التي لا تعرف ماذا تريد بالضبط في مختلف سياساتها, من دون حاجة للقول إن معظم سياساتها فاشلة, وما كان لها أن تقوم بكل هذه التحركات لولا المال الفائض عن الحاجة. في هذه الدولة الناشئة, حدث سجال بشأن quot; الصحافة وسقف الحريات quot; في مجلس الشورى الذي لا يحقق أدنى درجات الديمقراطية, والذي تقدم فيه 24 عضوا تم تعيينهم بواسطة السلطة, أي من دون انتخابات, لبحث تشديد العقوبات والغرامات على quot; المتجاوزين quot; لحرية الإعلام في قطر, باعتبارها أقلاما مأجورة لأنها تتجاوز الخطوط الحمراء, في إشارة واضحة إلى بعض الكتاب القطريين الذين ينشرون في صحف خارجية تنتقد الأوضاع , وخصوصاً وضع الحريات الفكرية والسياسية والمسؤولين الرسميين في قطر. والانتقاد يصب ضد كاتبة قطرية تنشر مقالاتها في الكويت في جريدة quot;القبسquot;, هي السيدة الفاضلة نورة آل سعد, والتي رد عليها المدير العام في جريدة quot; الوطن quot; القطرية ردا يتسم بالضحالة الفكرية على أقل تقدير.
من حيث المبدأ, لا أعتقد بصواب الكتابة الناقدة ضد الوطن أو الدولة لمن لا يفهم الفرق, من خارج الوطن. لكن ما العمل إذا كان الوطن سيئا في مجال حرية التعبير, مقيدا لها, بل ولاغيا لها من التداول الفكري, وداعيا إلى الضرب باسم القانون الاستبدادي, على يد كل من يكتب ضد الوطن, والحمد لله أن أعضاء مجلس الشورى القطري- غير الديمقراطي- لم يطالبوا بقطع يد الكاتبة, التي لا أعلم إن كانت في قطر أم خارجها. وأتمنى الا تتعرض للأذى بسبب كتابتها اللاذعة لقضية الحريات الفكرية المكبوتة في قطر. وبالمناسبة, لا تمثل قناة quot;الجزيرة quot; الوجه الحقيقي للسياسة القطرية, فالمسؤولون في هذه القناة نفسها لا يملكون الشجاعة لنقد السياسة القطرية في علاقاتها في قطر التي استقبلت رئيسة حزب quot;كاديماquot; والتي كانت مسؤولة عن قسم الدعارة في quot;الموسادquot; قبل دخولها عالم السياسة, كما لا تتكلم الجزيرة عن القاعدة الأميركية في قطر. ولكن لو تابعنا القناة الفضائية القطرية الرسمية لوجدنا أن كل ما تقوله الفاضلة السيدة نورة آل سعد صحيحا.
هل من يكتب منتقدا الأوضاع في وطنه, يُعد بالضرورة ضد الوطن, أو لنكن صرحاء, خائنا لوطنه? هل الوطن ملك الذين يمدحونه بالحق والباطل فقط? أم أن الداعين إلى الإصلاح يكتبون ذلك بحثا عن الشهرة? ليعلم كل قارئ أن الكتابة الناقدة لأوضاع الوطن السيئة في الوطن العربي المستبد والشاسع, لا تؤدي بصاحبها الا إلى النيابة العامة ودفع الغرامات أو السجن. فالمحرمات الوطنية في قانون المطبوعات كثيرة, وعلى هذا النوع من الكتاب تحمل مواجهة العواقب الاجتماعية والرسمية, علما أنه يتحملها بطيب خاطر لإيمانه أن الساكت عن الحق شيطان أخرس, وما أكثر الشياطين في هذه الأوطان.
الذي يكتب ضد quot; الوطن quot; يتخلى طواعية عن كثير من المنافع المادية من مال ومنصب عال, بينما اذا أمسك لسانه وقلمه عن نقد السلطة, التي تعد نفسها هي الوطن. كان من الممكن للسيدة نورة آل سعد أن تكون مكان رئيس تحرير جريدة quot;الوطنquot; القطرية لو أنها غيرت كتاباتها لتصب مدحا للسلطة, لكنها آثرت الطريق الصعب, ولأنها تقول الحقيقة تريد السلطة إسكاتها عن طريق العقوبات من خلال من يقبل أن يكون مخلبا للسلطة مثل البرلمانات العربية التي توافق السلطة على استبدادها, مثل البرلمان الكويتي يوم وافق بالإجماع على قانون المطبوعات والنشر الأخير, والآن يتصايح الكتاب من الألم!
في ظل الاستبداد الذي يعيشه المثقفون في العالم العربي, تصبح الكتابة ضد السلطة macr;macr; الوطن, واجباً شرعياً ووطنياً.
كاتب كويتي
[email protected]
