منذ بدأ برنامج الثقافة والعلوم التابع لمؤسسة القطان عمله، وهو يعطي أنموذجا يعبر عن مدى رقي هذه الجائزة بجميع أفرعها، الأدبية والفنية، وغيرها كفرع الصحافة، فما قامت مؤسسة القطان به خلال سنوات عملها في هذا البرنامج، لم تقم به وزارة الثقافة الفلسطينية، وحتى لم تأخذ العبرة، وتحاولُ جمع فتاة الثقة بينها وبين المبدعين الفلسطينيين. في هذا العام 2005 وبالتحديد في 11\أكتوبر\2005 قامت لجنة التحكيم، بالإعلان عن جائزة القطان في بيانها الختامي، والذي حجبت فيه جائزة الرواية والمسرح نظراً للضعف العام في مستوى المشاركة، لكي تحافظ الجائزة على قيمتها المعنوية. وللعم أن هذه هي المرة الثانية التي تحجب فيها الجائزة في حقل الأدب.
ثم ارتأت اللجنة منح ثلاث جوائز تشجيعية في حقلي الرواية والمسرح، وهي لثلاثة أعمال:

النص الروائي "جابر البركة" للمشارك محمود الحوراني
لما عكس من أسلوب ظريف فيه خفة لا تخلو من موهبة، ورسم جميل للشخصيات. فهو نص يخلو من الادعاءات، وفي بساطته بعد إنساني عميق، حيث يحتوي على مشاهدات حياتية دقيقة تلتقط الواقع وتعيد صياغته بطريقة ذكية، محتفظة بعاطفة طازجة وحساسة وإنسانية في رؤية مسلية ومشوقة، وبلغة حياتية متدفقة. وعلى الرغم من التقطيع الضعيف للنص، وبعض المقاطع التي لا لزوم لها، ينجح "جابر البركة" في التأثير على القارئ وشدّه. كما أن هذا النص لا يخلو من جرأة وتحدٍ.

النص الروائي "امرأة واحدة لزمنين" للمشارك عبد الفتاح شحادة
لأنه يكشف عن نضج في الوعي الروائي لكاتبه، يتجلى في أسلوب "التكثيف" والتوظيف الواعي "للتناقض"، حيث حافظت الرواية على وحدة البناء الفني من غير أن تفقد دراميته، إذ من خلال التوظيف الفني الجيد "لنشيد الإنشاد"، نستكشف "العالم الجوّاني" للفنان، ونعيش عذاباته وأوهامه وتناقضاته وأحلامه الشاردة، وصيرورة الصراع الداخلي بين تجسيدات "الواقع" وفنتازيا التخيل الفني، غير أنه كان من المؤسف أن تغرق شاعرية النص المرهفة أحياناً في ثرثرة سردية بلا ضوابط، وفي استعراض مجاني أحياناً أخرى.

النص المسرحي "حيضستان" للمشارك علاء حليحل
لأنه نص جريء يؤكد موهبة كوميدية متميزة، وإن كان ينقصها الصقل. وعلى الرغم من التوجه الشعبوي النافر لهذه المسرحية، فإنها كانت الأكثر تخييلاً وتعقيداً واستعمالاً للعناصر الدرامية والبنية الممسرحة، قياساً مع المشاركات الأخرى في هذا الحقل. كما أن النص امتاز بفكرة جديدة ومبتكرة، ويمكن له أن يكون صالحاً للعمل والإنتاج.

وقد ضمت لجنة التحكيم مجموعة أسماء مهمة في الرواية والمسرح على مستوى الوطن العربي، وهي هدى بركات (لبنان)، المخرج والكاتب المسرحي جواد الأسدي (العراق)، والمخرجة والكاتبة المسرحية سوزان دروزة (الأردن)، والكاتب والروائي د. أحمد حرب (فلسطين).
أعتقد أن كل ما ذكرته حتى الآن هو شيء طبيعي، وليس فيه أي عنصر مفاجئة، وأن حجب الجائزة هو من حق لجنة التحكيم لأن القرار في تماس مباشر مع شخص اللجنة، وأي اشكالية في تقييم النصوص ستكون لها أثرها على قيمة الجائزة المعنوية، وأعضاء لجنة التحكيم كمثقفين في المشهد العربي.
لكن ما حدث أن صحيفة إيلاف نشرت مقالة بعنوان "نتائج مسابقة القطان تصدم المبدعين الفلسطينيين" وذلك بتاريخ 23 أكتوبر 2005 ورد فيها الكثير من الأخطاء والتجاوزات والتجريح، ومحاولة تشويه هذا العمل الخلاق –جائزة القطان- وكاتب هذه المقالة هو الصديق على أبو خطاب، الذي ربما لم يكتبها لو أن اللجنة أثبتت نزاهتها بفوزه بجائزة المسرح!
إن ما يحدث هو جد شيء مؤسف. فقد ورد في مقال خطاب تحت عنوان فرعي ردود فعل غاضبة: " نبدأ بأحد الحاصلين على جائزة تشجيعية – والذي رفض ذكر اسمه- "إن بيان لجنة التحكيم زادني اقتناعاً بأني أستحق الجائزة الأولى وقيمتها 4 دولار، لأني كنت خائفاً من مشاركة كثيفة ونوعية، لكن تبين أن المشاركين قلة ومعظم نصوصهم تعاني من ركاكة وخطابية وهذا ما زادني ثقة بنصي –بشهادة مبدعين قرأوا النص قبل تقديمه للجائزة- على الشروط الفنية المطلوبة وبعيداً عن كل المباشرة الفجة، بل إن اللجة أشادت بعملي في حيثيات البيان، إذن هي تناقض نفسها وتثير تساءل غامض حول موضوعيتها، كما لاحظت أن أحد المشاركين أخذ ثناءً كبيراً فما سببه" والمضحك في الموضوع أنني أقرأ هذا الكلام والمفترض أنه كلامي، لأن خطاب كاتب المقال لا يعرف غيري من الثلاثة الذين فازوا بالجائزة كما أن الاثنين الآخرين هما من خارج القطاع بالتالي وليس لهم أي علاقة بكاتب المقال المزعوم –أبو خطاب- والذي استخدم اسمي ضمنياً فمن يقرأ المقال لا يشك للحظة بأن هذا كلامي بسبب القرب الجغرافي والشخصي والعلاقة التي تجمعني بكاتب المقال.
لقد ذهلت من هذا السطو إلى آراء الآخرين وتحويرها وبثها بشكل غريب لخدمة مصالح شخصية، وتشويه جسد ثقافي يشهد له العالم العربي ويقدره المثقفون الفلسطينيون. وحتى لو أنني قلت ذلكَ للسيد خطاب فليس من حقه نشره لأن هذا الحديث المحور والغير دقيق بالمطلق والمجير لخدمة أهداف أبو خطاب من المقال ربما كان بصدد حديث عرضي على الهاتف النقال، كما أنني لم أذكر كذلك أنني رفضت ذكر اسمي تحت أي كلام أكتبه، أو أنشره لأن ذلك ينم عن ضعف حجة المتكلم نفسه.
ولم يكن الرد الغاضب الثاني والثالث أقل غباءً من الرد الأول المنسوب إلى اسمي ضمناً. فقد عول صاحب الرد الثاني والذي أعتقد أنه شخصية خيالية من وحي خيال كاتب المقال أنه قدم نصاً مسرحياً لا تشوبه شائبة، فالمشارك هنا لا يتورع عن مطالبة المؤسسة بجعله أحد أفراد لجنة التحكيم، لكي يستطيع توزيع المبلغ والذي قيمته 8000 دولار أمريكي على المشاركين الذين يستحقون من وجهة نظره هذه الجائزة، وهو طبعاً داخل القسمة، وكاتب المقال كذلك!!
أما عن الرد الثالث فهو أشبه ما يكون بوجهة نظر ضابط مصري في أحد أفلام السينما المصرية، حيث أنه يربط بشكل غريب وفنتازي ما بين الجغرافيا والفوز بالجائزة فيقول " لم يحصل على الجائزة في السنوات السابقة كثيراً ممن يستحقوها في حين حاز الكاتب علاء حليحل مرتين عليها إحداها في القصة القصيرة والأخرى هذا العام في المسرحية، كما حازت الكاتبة عدنية شبلي عليها مرتين أيضاً، بل وعملت موظفة في القطان، والمعروف عنها أنها نشرت أكثر من مرة في مجلة الكرمل، رغم أنه لا ينشر عادةً للمبدعين الفلسطينيين الشباب في مثل سنها، كما أن درويش صديق للكتاب العرب الذين كانوا في لجنة التحكيم، وأخيراً أن عدنية شبلي وعلاء حليحل من سكان الضفة الغربية أو الداخل وهم قريبين من رام الله مركز الجائزة. أنا أطالب كمبدع فلسطيني باعادة تقييم نصوص هذا العام وتوخي الحذر في الأعوام القادمة، وذلك حتى لا تفقد المؤسسة مصداقيتها"
إن كنتُ أشك في أن صاحب الرد الثاني هو من رسم خيال كاتب المقال فأنا أكاد أكون جازماً أن هذا رأي كاتب المقال والمشارك في جائزة القطان الكاتب على أبو خطاب والذي، ربط الأمور على شكل مثير للضحك، والسخرية.
فهو لا يعرف نصوص علاء حليحل ولا رواية عدنية شلبي "مساس" والتي ترجمت إلى الفرنسية، وسيتم ترجمتها إلى الألمانية، ومع ذلك نجده يقول أنه لم يحصل على الجائزة الكثير ممن يستحقونها، ويتحدث عن الجغرافيا ناسياً أن فلسطين مقطعة وأن عدنية شبلي التي من حيفا، وعلاء حليحل الذي من عكا هما بعيدين مثله عن مركز الجائزة كما أن الجائزة ليس لها أي فرع سوى رام الله، وقد فاز بها العديد من الكتاب في غزة مثل خالد عبد الله، وكذلك حصل عليها أكثر من فنان تشكيلي من غزة، وهذا العام حجبت الجائزة ومنحت ثلاث جوائز تشجيعية أحدها لي وأنا من جنوب قطاع غزة، وللعلم أن النصوص تذهب إلى لجنة التحكيم بأسماء النصوص وليس بأسماء المشاركين، كما أن عدنية شبلي لم تعمل في القطان كموظفة إلا بعد الحصول على الجائزة.
والغريب إقحام الشاعر محمود درويش في الأمر، دون أي حس بالمسؤولية، وكأن العالم أصبح خالياً من العقل!
وأذكر تماماً ما قاله لي الشاعر باسم النبريص وهو على خلاف مع محمود درويش حول دور المثقف عن جائزة القطان فقد أشاد بالجائزة وهنأني بذلك، وأشاد بأسماء لجنة التحكيم، وحدثني عن جائزة فلسطين التي فاز بها الكاتب والمترجم الفلسطيني عمر أحمد شاهين واستلمها الورثة بعد وفاته فقد فاز بها في العام 2000 واستلمها الورثة في 2004، في حين أن جائزة القطان والمؤسسة ملتزمة بكل حرف يصدر عنها دائماً وقد سلمتني الجائزة بوقت قياسي، ويدل على الشفافية والاحترام في التعامل.
كما أن لجنة التحكيم هي من دول عربية مختلفة، وتتغير كل عام على عكس جائزة فلسطين التي يترأس لجنتها محمود درويش منذ أن خلقت وحتى قيام الساعة، وتوزع على الأهل والحبايب، كما لو تتبعنا بشكل بسيط الأسماء في لجنة تحكيم جائزة القطان لزادت ثقتنا بالجائزة والعاملين عليها فمثلاً : الياس خوري، محمد برادة، ابرهيم اصلان، عباس بيضون، وغيرهم من المثقفين العرب.
وفي النهاية علي أنت أشكر القائمين على هذه الجائزة، وأدعوهم للعمل دائماً على تجميل وجه ثقافتنا الفلسطينية التي تعاني من التخمة، والازدحام بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ومحاولة سد الثغرات دائماً.

عبد الفتاح شحادة شاعر مقيم في غزة