خالد طه من الدوحة: تطرقت ندوة التواصل الثقافي بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت في الدوحة مساء امس الاول الى الواقع الثقافي بالتحليل والتشريح في محاولة منها لإعادة التركيب والتكوين، وطرحت قضية الثقافة في منطقة الخليج وتناول المحاضرون همومها المشتركة كاشكالية مع جرأة علي نقد الواقع الثقاف الخليجي.
شارك في الندوة الدكتور عبدالمالك التميمي استاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الكويت والدكتور إبراهيم غلوم عميد كلية الاداب بجامعة البحرين والدكتور أحمد عبدالملك من قطر وشهدها نخبة من المثقفين الخليجيين. فعن الهم الثقافي المشترك في دول مجلس التعاون قدم الدكتور عبدالله التميمي ورقة ساخنة تناولت الثقافة في منطقة الخليج العربية كاشكالية مثيرا العديد من الاسئلة التي جعلت الحوار بين الحضور حيا ومفيدا.
وتساءل التميمي: ماذا نعني بالثقافة في الخليج ؟ مشيرا الى انه لا توجد هناك ثقافة خليجية لان السؤال يبقي ما معني مصطلح الخليج أليست إيران علي ساحل الخليج ودولة خليجية، وهل ثقافتها جزء من الواقع الثقافي الخليجي إذا ما نقصده ونعنيه هو غرب الخليج ولا مانع من تأثره ثقافيا بالثقافات المجاورة فنحن نتحدث عن واقع ثقافي في دول مجلس التعاون وليس عن ثقافة (خليجية) وراى أن مياه الخليج لا تنفصل عن مياه بحر العرب و الخليج لا ينفصل عن سياقه العربي.. والخطاب العربي التاريخي المعاصر يتضمن الخليج داخله، وضميره بما له وما عليه، وليس من سبيل الي فهم الجملة الخليجية إلا من خلال سياقها العربي. وأضاف قائلا: حتي لو رأي البعض خصوصية هنا أو هناك تتعلق بالثقافة فهي التعددية في اطار المفهوم الواحد للثقافة، فلغتنا عربية وتكويننا التاريخي عربي، والبيئة والواقع الجغرافي والتاريخي قد أسهما بشكل أساسي في بلورة ثقافة المنطقة لكن ذلك لا يعني بأي حال أنها منفصلة عن عمقها العربي وتراثها الإسلامي، ولا ضير من التأثير والتأثر بالآخر فهذا دليل حيوية وإثراء وليس العكس.
تعدد الثقافات
ثم اثار التميمي سؤالا طالما يتردد وهو:هل في منطقة الخليج العربي ثقافة واحدة أم عدة ثقافات ؟ وقال ربما تكون الاجابة علي هذا السؤال مدخلا لمعالجة أزمة الثقافة في هذه المنطقة والتي هي جزء من أزمة ثقافية عامة في العالم العربي، وفي هذا الصدد يمكن مناقشة الأمور التالية: أولا، ان طرح هذا السؤال يدل علي ان هناك اضطرابا وضبابية في فهم ظروف المنطقة وتطورها الثقافي. وثانيا، لابد من ان نعرف ان مكونات الثقافة في المنطقة تقوم أساسا علي الثقافة العربية الإسلامية وهي جزء منها، وهذا يعني بطبيعة الحال نبذا للعرقية العنصرية من جهة وللطائفية الدينية من جهة أخري،
وقال مؤكدا نعم هناك عدة ثقافات بين الوافدين في المنطقة ولكن ليست هناك ثقافات متباينة أو ذات فروق ثقافية بين مواطني هذه المنطقة، لقد شكلت بيئتا البحر والصحراء حياة السكان في منطقة الخليج العربي، وكونت عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم المجتمعية. واضاف ان تكوين السكان القبلي والمهاجر لا يختلف في مرحلتي الإمارة والدولة وان ما يراه البعض اختلافا ثقافيا هو أمر طاريء نتيجة هذه الموجة العارمة من الوافد البشري والثقافي والتحولات الكبيرة والسريعة التي تشهدها المنطقة في هذه المرحلة التاريخية.
كما تحدث عن هموم الثقافة في منطقة الخليج العربي من حيث:
أزمة المثقف الذي يعاني من مشكلات عديدة تشكل أزمته الحقيقية علي الرغم من عدم وجود معاناة في مسألة الهوية والانتماء والمعتقد فالمثقف نفسه يشكل أزمة،
وتساءل أولاً من هو المثقف في هذه المنطقة وهل ما أطلقناه من تعريف للمثقف ينطبق عليه قولا وفعلا ألم تمتليء الساحة بأدعياء الثقافة والذين اشتروا الثقافة بالمال وعدوا أنفسهم مثقفين، ألا يعاني المثقف الحقيقي من التهميش وعدم الاهتمام فيجتهد سنة أو سنتين ليؤلف كتابا لا يقرأه الا عدد قليل، ولا يحصل حتي علي تكلفة طباعة ونشر الكتاب، في الوقت الذي تزور فيه مطربة بلدا أو فضائية أو غيرها وتحيي حفلة في ليلة واحدة لتحصل علي عشرات الآلاف من الدولارات.
ثم مشكلة الدولة والثقافة:
فالدولة هي الكيان السياسي في العالم العربي ومنطقة الخليج العربي جزء منها تبني مشروعيتها من الموروث التاريخي والولاءات الاجتماعية القائمة، ومؤسساتها وما تملكه من سلطة القرار، وهناك ما يسمي بمثقفي السلطة الذين يحاولون بلورة ثقافة السلطة لتثبيت واستمرار الكيان من جهة، ولتبرير وتمرير سياساتها من جهة أخري.
وتملك الدولة مشروعيتها في المنطقة ليس من الولاءات الاجتماعية فحسب ولكن ايضا من تحقيق مكاسب أساسية لشعبها في مرحلة دولة الرفاه الريعية، والأمر الذي يهمنا هنا هو: كيف تنظر الدولة للثقافة والمثقف، وكيف تتعامل معهما. واضاف حينما نتكلم عن الثقافات الوافدة الي منطقة الخليج العربي علينا ان نصنفها الي عربية وأجنبية، والأجنبية ثقافات وليست ثقافة واحدة فالآسيوية ليست كالافريقية والثقافتان غير ثقافة أوروبا والأمريكيتين، لقد شاءت الاقدار ان توجد هذه الثقافات في منطقتنا ولفترة امتدت طوال النصف الثاني من القرن العشرين ولا تزال، وهذا الامتداد البشري والزمني يعني خلق تراكمية ثقافية تتعلق بكل جماعة وافدة وربما تطغي في بعض الأحيان في بعض المناطق علي الثقافة العربية لهذه المنطقة بيد ان مهمة المثقفين الحقيقيين ان يفهموا أولا هذا الواقع الثقافي ثم ان يبادروا لتشخيص الهم الثقافي، ثم يحاولون وصف العلاج لأزمة الثقافة في المنطقة وذلك لا يأتي عن طريق معاداة أو محاربة الثقافات الأخري ولكن بتأكيد وتأصيل وبحث لثقافتنا والاستفادة من ايجابيات الثقافات الأخري.
كما تحدث التميمي عن الثقافة السياسية فقال ان الثقافة السياسية في منطقة الخليج العربي (دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية) جزء من ثقافة سياسية سادت العالم العربي في قضايا الإصلاح السياسي والتحرر والديمقراطية وغيرها، لقد بدأت نزعة وفكرة القومية العربية في الانبعاث منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ضد السلطة العثمانية التي كانت تسيطر علي العالم العربي وبخاصة في عهد الاتحاديين الذين غلبت عليهم النزعة العنصرية ضد العرب وغيرهم فاستنهض ذلك التحدي النخبة المستنيرة من العرب ليطالبوا بالاستقلال والتخلص من الحكم العثماني وسياسة التتريك، وفي مقدمة أولئك كان عبدالرحمن الكواكبي، ثم ما لبثت الدولة العثمانية ان سقطت في الحرب العالمية الأولي، ومنذ ذلك التاريخ نشأت في العالم العربي وبخاصة في سوريا والعراق ولبنان جمعيات ونواد ثقافية قومية تطورت الي قوي سياسية بعد سقوط الدولة العثمانية وسقوط العالم العربي أو ما تبقي منه تحت السيطرة الأوروبية، وأيضا منذ ذلك الوقت بدأت الحركة الصهيونية نشاطها لخلق الوطن القومي لليهود في فلسطين عن طريق التحالف مع الغرب الاستعماري فنما الوعي السياسي القومي العربي، وتأطر في أحزاب سياسية ضمن هذا التيار وتيارات أخري معادية للاستعمار والتغريب مثل الاحزاب الماركسية والأحزاب الدينية والوطنية الأخري، وكانت نكبة فلسطين عام 1948 فاصلة فولدت ردود فعل نتجت عنها ثورات وانقلابات في عدد من الدول العربية، وظهرت الناصرية ضمن التيار القومي وعلي رأسه، وبلغ هذا التيار أوج نشاطه وعنفوانه في الخمسينات والستينات من القرن العشرين حتي هزيمة 1967 فانكسر وتدهور التيار القومي، وكان لكل تلك التطورات تأثير علي منطقة الخليج العربي حيث تفاعل شباب هذه المنطقة مع الأحداث القومية، وتشكلت تنظيمات سياسية في المنطقة هي امتداد لتنظيمات قومية عربية، وكونت ثقافة سياسية قومية لا تختلف في مقوماتها ورومانسيتها عن التيار السياسي القومي العام في العالم العربي، ووجدت في مؤسسات المجتمع المدني مجالا لنشاطاتها وبعد انهيار هذا التيار صعد التيار الديني الاسلامي منذ بداية الثمانينات وتمكن من خلق ثقافة سياسية أصولية عارمة علي امتداد الساحة العربية.
الثقافة الدينية:
وتطرق التميمي للثقافة الدينية في المجتمع الخليجي قائلا: ان منطقة الخليج تضم مجتمع مسلم، وثقافته عربية إسلامية، وهناك فرق بين الثقافة الدينية الطبيعية التي يكتسبها الانسان في هذه المنطقة من تراثه وواقعه وتعليمه، وبين الثقافة الدينية المؤدلجة التي تحملها الأحزاب والجماعات الدينية التي في معظمها دينية سياسية، والادلجة ليست خاصة بالاحزاب الدينية، فالأدلجة بدأت مع الحركة الوهابية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في نجد عندما ولدت كحركة سلفية أرادت العودة بالإسلام الي سيرته الاولي في صدر الإسلام في عصر الرسالة والراشدين علي المذهب السني، ولكن هذه الحركة انتهت بالتطرف الذي نشهد آثاره اليوم. واضاف كانت الادلجة الدينية الاسلامية في العشرينات والعقود التالية من القرن العشرين عند ميلاد ونشاط حزب الإخوان المسلمين ردا علي التغريب والاستعمار الاوروبي في العالم العربي، وتحت عباءة هذا الحزب ولدت في تاريخنا المعاصر عدة جماعات تفرعت عنه أو انشقت عليه تنحو منحي التطرف في منهجها كجماعة التكفير والهجرة، وغيرها الي جانب الحركة السلفية التي مرجعيتها فكر الحركة الوهابية.
اما الدكتور ابراهيم غلوم فقد تناول التواصل الثقافي بالمراجعة والتفكيك حيث تساءل ماذا صنعت التأطيرات النظرية والأيديولوجية بعناصر الوحدة والاختلاف في الخليج والمنطقة العربية وعبر مصطلحات راسخة في ثقافتنا العربية الوحدة والأمة والقومية والاقليمية والتعاون والتواصل والعمل المشترك والتكامل ونحوها من منظومات وضعت الاطار وسيجت له النظرية والايديولوجية ولم تضع يدها علي الواقع عملا وممارسة ولم تستكشف فاعلياته الفردية والجماعية المتناثرة والمتحدة علي السواء.
وتساءل هل تجدي الآن العودة الي هذه الاطر وبعد أن كانت سلاحا مؤقتا وموقفا قوميا أبديا ماذا أغفلنا في سباقها وماذا تركنا ما الذي ينبغي العودة له فعلا ما الذي نحتاج الي اكتشاف تخومه في ذواتنا وفي سياجنا الداخلي هل هناك فاعليات مغفلة أم هناك أقدار وهزائم أم هناك عقل معطل وكيف يمكن احتمال السكوت علي تعطيل الفاعلية الثقافية والعقلية لشعب بأسره بل لأمة بأسرها.
واخيرا تحدث الدكتور أحمد عبدالملك عن الثقافة ومجلس التعاون مشيرا الي أن كلمة ثقافة أو ثقافية وردت في البيانات الختامية لاجتماعات قادة دول مجلس التعاون سبع مرات فقط خلال 24 عاما منذ انشاء المجلس مقتبسا معوقات العمل المشترك في المجال الثقافي كما صورتها الامانة العامة لمجلس التعاون الخليجي والتي تتمثل في:
عدم توافر ميزانيات خاصة بالنشاط المشترك لدي اللجان المختصة بالنشاط الثقافي داخل الدول الأعضاء. وتعدد جهات العمل المسؤولة عن العمل الثقافي والتراثي داخل الدول مما يعيق الاتصال الفعال بين الامانة العامة والجهات المسؤولة.
وفي مجال التشريع: صدور الأنظمة الخاصة بكل دولة، مما يعيق تطوير الانظمة الاسترشادية الي أنظمة موحدة. ونقص الكادر الاداري في ادارة الثقافة. والحد من حركة الادارة في المشاركة في الفعاليات والاجتماعات العربية والدولية في مجال الثقافة، وكذلك النشاطات والمواسم الثقافية التي تقيمها دول المجلس، ما يبعد الادارة عن الصورة الثقافية العامة ويجعلها عاجزة عن متابعة التطورات والاستفادة من المستجدات في هذا المجال لما يخدم العمل الثقافي المشترك في دول المجلس. وانعدام الدورات التدريبية أو ورش العمل التي يمكن أن يحصل موظفو الادارة من خلالها علي فهم أفضل للموضوعات الثقافية التي يقومون بالاعداد لها، كالملكية الفكرية وصناعة السياحة علي سبيل المثال. واخفاق العديد من المشروعات التي طرحتها الادارة بسبب نقص التمويل، مثل جائزة الابداع الثقافي. ولم تول الثقافة بمفهومها الاشمال الأهمية الواجبة، ودائما كانت توضع في ذيل الأولويات.
وأكد أن معظم البحوث التي تناولت الشأن الثقافي في دول مجلس التعاون، تفتقد التخطيط الثقافي والذي يربط الثقافة بين التنمية الشاملة للدولة، لذلك فان التخطيط الثقافي - في كل بلد - سوف يسهم في ارساء قواعد التواصل بين دول وشعوب المجلس، وهذا يتطلب ايجاد أجهزة للتخطيط الثقافي في كل بلد، وتتعاون هذه الاجهزة مع الامانة العامة لمجلس التعاون.
وشدد عبدالملك علي أهمية ايلاء تأسيس الذاكرة الجماعية للشعوب في المنطقة، وتنطلق هذه الذاكرة من سياسات يشارك فيها المثقفون دون استثناء، وتعتمد هذه السياسات علي تأكيد قواعد الحرية والديمقراطية وعدم الاشتراط الرسمي في عملية الابداع، وتسعي هذه السياسات الي اعتماد الثقافة العربية كأساس ومنطلق لثقافة انسانية شاملة وعدم الانغلاق علي الثقافة المحلية، مع التأكيد علي المحافظة علي التراث وقيم المجتمع. وتأكيد دور المبدعين الخليجيين، ودعوة وسائل الاعلام الي التركيز علي ابداعاتهم مع تحديث قوالب واتجاهات البرامج الثقافية حتي وأن خالفت هذه الابداعات أجهزة التحكم والرقابة. وانشاء مراكز للبحوث الثقافية في الجامعات أو دور الكتب أو المجالس الوطنية الثقافية ورصد ميزانيات لهذه المراكز.
ودعم الدول للجمعيات والاتحادات الثقافية، والاستفادة من منتسبيها في اثراء الحراك الثقافي علي مستوي الدولة. وتوفير المنجزات الثقافية والابداعية لتكون في متناول الجميع بما في ذلك الذين يعيشون خارج العواصم. والاهتمام بالقيم الاجتماعية حيث أنها مرتكزات أساسية للثقافة وعدم التفريط بها في شكل البرامج، أو نوعية الخطابات الاعلامية. وتحقيق الانفتاح الأسمي للثقافة وعدم الانغلاق علي الذات، والاستفادة من تجارب الآخرين، وتفعيل دور العقل في عملية الانتاج الثقافي. كما طالب عبدالملك بتحقيق الأمن الثقافي لمجتمع الخليج بغية انتشاله من أشكال الصور النمطية للبرامج والأفلام الوافدة، وتبديل النظرة الخاطئة لوسائل الإعلام بأنها وسائل ترفيه، ورفع الرقابة عن المنتج الثقافي.
