قراءة في كتاب رجاء بن سلامة quot;بنيان الفحولةquot;
بين التّعريفات المعجميّة الّتي مافتئت ترسّخ أنّ quot;امرأة تأنيث امرئquot; وquot;الذّكر خلاف الأنثىquot; وquot;مرئ الرّجل ورجلت المرأة صار كالمرأة هيئة وحديثا... وهو المخنّث خلقة أو تصنّعاquot; وquot;المؤنّث من الرّجال المخنّث شبيه المرأة في لينه ورقّة كلامه وتكسّر عظامهquot; وquot;امرأة ذَكِرَة كفَرِحَة ومُذَكَّرة ومذكِّرَة أي مشبّهة بالذّكورquot; (تاج العروس)، أو ما تقترحه بعض الموسوعات عندما تعرّف المرأة بوصفها quot;أنثى الإنسانquot; (موسوعة ديدرو) وبين التّعريفات الحديثة، الجذريّة في جدّتها، الّتي جدّت في القرن العشرين مسافة هائلة هي المسافة الّتي استغرقتها الفضيحة حتّى تندلع. لم يعد ممكنا منذ أن كتبت (سيمون دي بوفوار) سنة 1949 جملتها الشّهيرة: quot; quot;لا نولد إناثا، وإنّما نصبح كذلكquot;. (1 )، التّسليمُ بأنّ الفوارق بين الجنسين قائمة فقط على أساس الطّبيعة البيولوجيّة، ولا علاقة لها البتّة بالتّشييد الاجتماعيّ والثّقافيّ للجسد. بل لم يعد من الممكن اليوم الاكتفاء بالهويّات الجنسيّة الثّابتة من جنس (رجل/امرأة) أو نوع (مذكّر/ مؤنّث) لتفسير كلّ ما يخالفها ويناقضها من quot; الهويّات الجنسيّة quot; الأخرى المضطربة كالمخنّث والمذكّرة والخنثى والخصيّ... فهذه التّسميات قد رسّخها الاستعمال في الحسّ المشترك فأصبحت من قبيل تحصيل الحاصل، ونُسي أنّها تسميات مولّدة بضرب من المقايسة قائمة على علّة الشّبه. يكفي في هذا المقام أن نستحضر أركان القياس الفقهيّ (الأصل والفرع والعلّة والحكم) ونجريه على هذه التّسميات حتّى نقف على آلية توليدها. فإذا ما اعتبرنا أنّ الأصلَ هو الذّكر والأنثى، والفرعَ هو كلّ من كانت هويّته الجنسيّة مضطربة كالمخنّث والمذكّرة... ثمّ اعتبرنا أنّ العلّة إنّما هي علّة الشّبه، بما أنّ المخنّث شبيه المرأة والمذكّرة مشبّهة بالذّكور، كان الحكم بمقتضى ذاك القياس تعريفا سلبيّا، قد سُلِب فيه المخنّث والمذكّرة نوعهما الاجتماعيّ أو جندرهما كما نقول اليوم. فهما في نهاية الأمر ليسا بالذّكر ولا بالأنثى. ويقوم هذا الحكم المولّد بالمقايسة الفقهيّة على منطق وجهته الهُوية logique identitaire يُقصي فيه المتلفّظ، أو الذّات المتلفّظة المضطلعة بوظيفة التّعريف المعجميّ، كلّ ما من شأنه أن يحدث الاضطراب في هويّتها، والأساس الّذي تنهض عليها تلك الهويّة.
إنّ التّعريفات الحديثة تضرب مبدأ المقايسة وتعصف به على نحو جذريّ وتعتبر أنّ تسميات من قبيل المخنّث والمذكّرة والخنثى والخصيّ... الرّائجة بصفة خاصّة في الفضاء العقليّ القديم للثّقافة العربيّة الإسلاميّة، لا يمكن قياسها على هويّات ثابتة ذات أساس أنطولوجيّ لاهوتي ميتافيزيقيّ onto-theacute;o-meacute;taphysique. والدّليل على ذلك أنّها قد حافظت على صلابتها وظلّت إلى أمد طويل مجرّد تسميّات منغلقة بلا تعريف إيجابيّ يظهر هويّتها ويجيب عن سؤال: من يكون؟ أي من يكون (أو تكون) على سبيل المثال المخنّث والمذكّرة والخنثى والخصيّ ؟ فكلّ تسمية من هذه التّسميات لها هويّة لا تنقاس incommensurable ولا تردّ إلى جنس رغم العنف الرّمزيّ الّذي مارسه عليها أصحاب القواميس والموسوعات لمّا عرّفوها بوصفها متفرّعة من أصل ثابت (ذكر/ أنثى). ولعلّ لهذا العنف الرّمزيّ ما يبرّره. فالتّعريفات المعجميّة والموسوعيّة الكلاسيكيّة لم تكن متحرّرة بما فيه الكفاية من المنطق الهوّيّ حتّى يكون بمقدورها التّمييز بين quot;النّوع الاجتماعيّ quot; أو الجندر Genderبوصفه مقولة ثقافية سياسيّة اجتماعيّة، وبين الجنس sex باعتباره معطى بيولوجيّا. وقد حملها هذا الخلط على المطابقة بين متصوّري quot;النّوع الاجتماعيّ quot; والجنس بإيجاد توافقات correspondences قسريّة جعلت التّطابق بينهما أمرا طبيعيّا لا ثقافيّا. هذه المطابقة هي ما تعمل الدّراسات الحديثة عن المرأة على تفكيكها وحلّ كلّ التّوافقات الممكنة بين النّوع والجنس. بل يمكن أن نذهب إلى أنّ أساس هذه الدّراسات الإيبستمولوجيّ قائم على هذه التّفرقة المبدئيّة بين المتصوّرين (جنس ne; نوع) وفضح التباسهما، الواعي أو غير الواعي، في الفكر الدّغمائيّ وخطاباته المختلفة. ولم ينشأ هذا الأساس من تلقاء نفسه، وإنّما فرضه سياق خاصّ تميّز بتحوّلات اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وعلميّة كبيرة جرت في القرن العشرين من أهمّ نتائجه إعادة توزيع الأدوار بين الرّجال والنّساء، وخروج المرأة من الفضاء الخصوصيّ إلى الفضاء العموميّ، ومشاركة الرّجل الحقّ في التّعليم والشّغل والسّياسة والحياة العامّة... وقد ساهمت الثّورة الجنسيّة والحركات النّسويّة بنصيب كبير في الإسراع من نسق هذه التّحوّلات. ولم تكن مؤسّسات البحث العلميّ تتابع ما يحدث في الواقع الاجتماعي من غليان بأذن صمّاء. ففي السّبعينيّات من القرن العشرين ظهرت بالولايات المتّحدة الأمريكيّة دراسات جديدة تتعلّق بالنّوع الاجتماعي تسمّى gender studies (أو الدّراسات الجندريّة) قد جدّدت بعمق دراسة العلاقات القائمة بين الرّجال والنّساء. ويعود الفضل إلى عالم النّفس الأمريكيّ روبار ستولر Robert Stoller في تعميم مفهوم الجندر سنة 1968. وقد كان هذا المفهوم مستعملا قبل ذلك منذ بداية الخمسيتيّات بين علماء النّفس الأمريكيّين لفهم الانفصال بين الجسد والهويّة، الموجود عند بعض المرضى. ولعلّه منذ ذلك الوقت بدأ التّفكير في عدم وجود توافق حقيقيّ بين النّوع (مذكّر/مؤنّث) والجنس (رجل/امرأة). ولا يسمح لنا هذا المقام باستعراض مختلف التّيّارات والنّظريّات والمناقشات الإيبستمولوجيّة حول الجندر والتّفرقة بين الجنسين بما فيها التّأمّلات النّظريّة في شأن الجنسانيّات sexualiteacute;s الّتي لا تخضع للمعيار السّائد كالسّاديّة المازوشيّة والبرنوغرافيا ومبدلي النّوع transgenres وما ترتّّب على كلّ ذلك من دراسات كالدّراسات حول النّساء Women's studies الّتي تطوّرت بالولايات المتّحدة بين 1960 و1970 في الجامعات الأمريكيّة ومخابرها ومجلاّتها ومنشوراتها، إضافة إلى الدّراسات المتعلّقة بالرّجال Men's studies المعتنية بكيفيّات تشييد الذّكورة والفحولة (2 )، والدّراسات حول المثليين Gays والسّحاقيات Lesbiennes أي المتعلّقة بالمثليّة الجنسيّة Homosexualiteacute;، والدّراسات الخاصّة بالشاذ جنسيا Queer. وهو لفظ ذو شحنة تهجينيّة قد ظهر في الولايات المتّحدة بين الحربين لتعيين المثليّين من ذوي السّلوك الأنثويّ. ثمّ صار يعني نظريّة تعيد النّظر في كلّ معيار سواء أتعلّق بالنّوع أم بالجنس. ويستعمل quot;الشاذ جنسياquot; لبعثرة كلّ التّصنيفات القائمة كالجنسيّة المثليّة أو التّغايريّة... والتّأكيد على مرونة العلاقة بين الجنس والجندر. فالهويّة ليست جوهرا ثابتا، وإنّما إنجاز وإبداع. وهي لأجل ذلك غائمة ضبابيّة، وغريبة متأبيّة على كلّ توزيع وتصنيف (3 ).
في إطار هذه الخلفيّة الفكريّة نشأ الأساس الإيبستمولوجيّ الّذي عليه قامت التّفرقة بين الجنس والنّوع الاجتماعيّ. وفي نفس الإطار الفكريّ يتنزّل كتاب الأستاذة رجاء بن سلامة: quot;بنيان الفحولة: أبحاث في المذكّر والمؤنّثquot;، ولكن في سياق ثقافيّ واجتماعيّ وسياسيّ غارق من جهة في سبات دغمائيّ عميق، ومختلف من جهة أخرى تمام الاختلاف عن السّياق الثّقافي الأمريكيّ والأوروبيّ المتميّز بحيويّة حركاته النّسويّة وثوراته الجنسيّة وتنوّع جنسانيّاته وثراء خطاباته في المسألة الجنسيّة وخصوبة نظريّاته في شأن النّوع والجنس. وقد اقتضى اختلاف السّياق الجذريّ أن يكون عمل الأستاذة رجاء بن سلامة متنوّع المواضيع وزوايا النّظر والأسلحة أيضا، لأنّ ما كانت تواجهه في كلّ مقالة من مقالاتها السّبع ليس خطابا يمكن دحضه وتكذيبه وتبكيته وبيان تهافته في لعبة quot;نزاع التّآويلquot;، وإنّما هو ما سمّته quot;أسطورة سياسيّة فحوليّةquot;. ولا تتجسّم هذه الأسطورة في نصوص وخطابات فحسب، وإنّما فيمظهر habitus الأفراد والجماعات أيضا. فهي quot; قابعة على نحو غير مفكّر فيه في المخيّلة والمهيكلة إلى حدّ بعيد للذّوات في سلوكها وتصوّراتها quot;. وربّما كان من المستحسن اعتبار أسطورة الفحولة تخييلا fiction من صنو التّخييلات الّتي تصنعها المؤسّسات الاجتماعيّة، لأنّ الأساطير خارج برنامج الميمزيس ليست مجرّد نصوص بينها وبين الواقع هوّة سحيقة، وإنّما هي خطابات. والخطاب كما تعرّفه رجاء بن سلامة مستوحية تعريف ميشال فوكو quot;ليس مجرّد قول يكشف أو يعبّر عن ممارسة، بل هو نفسه ممارسة وفعل في الواقع يسير وفق قواعد أو آليّات تخلق الموضوع وتضع الحدود والموانع والمعايير.quot; وإذا كان الخطاب ممارسة وفعلا، أو قولا مؤثّرا في الواقع لأنّه من قبيل الأفعال الإنجازيّة فإنّ تأثيره لا يكون بذاته وإلاّ أضحى سحريّا وإنّما بفضل المؤسّسات الّتي تتحكّم في قواعد اشتغاله. وما تبتدعه quot; مؤسّسة المجتمع الخياليّة quot; هو دائما تخييلات بها يفسّر الأفراد عالمهم ويضفون المعنى على وجودهم. بل يمكن أن نذهب أبعد في تعريف المؤسّسة فنقول على غرار دركايمDurkeim وموس Mauss وبورديو Bourdieu إنّما هي تخييل اجتماعيّ ومنتجة في الآن نفسه للتّخييلات الاجتماعيّة المختلفة. وبهذا الاعتبار نعرّف الفحولة بكونها مؤسّسة منتجة لتخييلات لا وظيفة لها سوى التّشكيل المستمرّ للماضي. وليس الماضي في سياق مؤسّسة الفحولة سوى ميراث طويل من الهيمنة الذّكريّة وما يرتبط بها من عنف مادّيّ ورمزيّ. وعندما يصبح موضوع النّظر متعلّقا بالمؤسّسة فإنّ عمل الباحث لن يقتصر على فهم النّصوص وإعادة تأويلها وإنّما يتجاوز ذلك كلّه إلى اكتشاف قواعد إنتاجها وطرق اشتغالها، كما أنّه لن يكتفي بإنجاب المعنى أو إنتاجه لأنّ المعنى عنده صار يُكتشف بتعرية مؤسّسات المعنى، وفضح القوى، أو إرادة القوّة الّتي تفرض المعنى في الواقع، وترسّخه في النّفوس، وتطبعه على الأجساد مثل وشم أو وسم أو دمغة. فالاشتغال على التّخييلات يقتضي من الباحث اليوم أن يكون quot; كلبيّا quot;cynique (4 )، فيودّع أوهام المعرفة النّبيلة الّتي مافتئت ترسّخ في النّفوس منوال المعرفة الإيروسيّ القديم القائم على حبّ الحكمة والعلم والأدب، ويعتبر أنّ المعرفة تقوم على السّلطان pouvoir، وأنّ السّلطان هو أن نحكم، وأن نحكم هو أن نردّد مع هوبز Hobbes أنّ الحكم هو الحمل على الاعتقاد: Gouverner c'est faire croire. والحكم والسّلطان في سياق مؤسّسة الفحولة لا يعنيان سوى أمر واحد: المحافظة على الهيمنة الذّكريّة على المرأة العربيّة المسلمة بإنتاج التّخييلات المختلفة الّتي تجعل الذّكر فوق الأنثى. ولعلّ طرافة كتاب quot;بنيان الفحولةquot; تكمن في أنّه يقدّم مثالا حيّا على ما ينتظر الباحث اليوم من مهامّ لعلّ أثقلها وأضناها استئناف عمل الفضح النّقديّ أو صناعة الفضائح (5 ). وما يفرض هذا الضّرب من الأعمال هو تصوّر الخطاب على شاكلة إستراتيجيّات وذي طابع تكتيكيّ. ويصبح الخطاب على هذا النّحو عندما تغدو طرائق إدراك العالم مختلفة وأساليب تأويله محلّ نزاع على إثبات هذه الحقيقة أو تلك. ويمكن تجاوز الخلاف والنّزاع بالحوار والمحادثة والمفاوضة والمجادلة والنّقاش، على أن تكون الأطراف المتحاورة متساوية وتعتمد على الإقناع والحجاج. وتحصل القطيعة التّامّة إذا كان أحد المتخاطبين يعتمد على النّصّ ويستخدم الحجّة النّقليّة عموما في خطابه. فهذا الضّرب من التّخاطب يفرض الحقيقة بالسّلطة، أي بطريقة لا تتلاءم مع أشكال المحاورة، لأنّ أيّ شكل من أشكال السّلطة يقتضي ضربا من الطّاعة والمراتبيّة (6 ) يلغي كلّ مساواة تقوم عليها المحاورة. وعلى أساس الطّاعة (كطاعة المرأة لأبيها ثمّ لزوجها...) والمراتبيّة الّتي تجعل الذّكر فوق الأنثى قام بنيان الفحولة، وظلّ في المجتمعات العربيّة الإسلاميّة شامخا لا يقوّض أسسه شيء، ضاربا بذلك مثالا حيّا يؤكّد أنّ المؤسّسات إذا فارقت شرطها التّاريخيّ الّذي أوجدها أصبحت آلة جهنّميّة تشتغل لحسابها الخاصّ، وهو ديمومتها واستمرارها في الزّمان لا في التّاريخ، فتقلب الكائن إلى جهاز حيّ لحفظها بدل أن تشتغل لحفظ النّوع البشريّ الّذي من أجله أنشئت في الأصل. تذكّرنا الأستاذة رجاء بن سلامة بما نسيته مؤسّسة الفحولة، وهو أنّ الإنسان مهما كان جندره من حقّه أن يعامل ... على أساس أنّه غاية لا وسيلة، وعلى أنّه أغلى من كلّ شيء، وأنّ له قيمة قصوى. وهي بهذا التّذكير المبدئيّ تصرّح في كلّ مقالاتها بأنّ المرجعيّة الأساسيّة الّتي تنطلق منها هي مرجعيّة حقوق الإنسان الحديثة ومنظومتها الّتي تجعل من الحرّيّة والمساواة في الكرامة والحقوق بين النّاس جميعا دون تمييز قاعدة أخلاقيّة وفلسفيّة. وقد ورد ذكرها في الفصل الأوّل من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان لسنة 1948: quot;يولد جميع النّاس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء.quot;. ما الّذي يمكن أن يترتّب على هذه القاعدة الأخلاقيّة والفلسفيّة؟ ها هنا ندعو القارئ إلى أن يتابع بنفسه التّحليلات الشّيّقة الّتي كان موضوعها الأساسيّ تفكيك تخييل الفحولة في نماذج من تجلّياتها الخطابيّة. ذلك أنّ للفحولة أكثر من خطاب، وأكثر من وجه في التّاريخ. نجدها على سبيل المثال في بعض أخبار الأدب الّتي حفظها لنا كتاب الأغاني، وهي أخبار تقصّ علينا صورا من العنف المادّيّ الّذي زاوله بعض من أولي الأمر من الخلفاء والأمراء والولاة على أجساد بعض المخنّثين (الخصي) والماجنات (الطّلاق والدّفن)، كما نجدها في أحكام النّساء الّتي كان فقهاء الماضي يقدّمون فيها دعامة دينيّة لسلطة الرّجل على المرأة باسم الإسلام معربين بما يستنبطونه من أحكام عن مركزيّة لاهوتيّة قضيبيّة. نجد تخييل الفحولة راسبا كذلك في الخطابات الحديثة ككتابات مصلحي النّهضة من روّاد تحرير المرأة، والفتاوى الصّادرة عن شيوخ الإفتاء في هذا الزّمان، وكتابات الإسلام الأصوليّ من الرّجال وخاصّة النّساء المدافعات عن المرأة من وجهة نظر إسلاميّة، وحتّى بعض الكاتبات المناضلات البارزات في الثّقافة العربيّة الحديثة. فهذه الخطابات على تنوّعها الظّاهر مازالت تستخدم بوعي أو دون وعي مقولات التّفكير الفحوليّ محافظة بذلك على نفس القواعد الّتي تبنى بها العلاقات الاجتماعيّة، أي تلك الّتي تعيد إنتاج الهيمنة الذّكريّة في صور متجدّدة.
إنّ ما ترمي إليه بحوث الأستاذة رجاء بن سلامة لم يقتصر على بيانِ أنّ كلّ بنيان هو عرضة للشّروخ والثّغرات، أو الانتباهِ إلى هذه الشّروخ والثّغرات و...النّظام الفحوليّ العابر للأمكنة والأزمنة، وإنّما تجاوز ذلك إلى تطبيق إستراتيجيّة، هي إستراتيجيّة التّفكيك والتّحليل النّفسي، لا للإنصات إلى هذه الخطابات في هذيانها وهوسها ونفاسها وهلاسها، وإنّما لبيان مآزق هذه الخطابات وتهافتها وما ترشح به من معضلات apories وتناقضات. وليست هذه الإستراتيجيّة سوى إستراتيجيّة تأويليّة تبيّن عمق القطيعة بين منظومتين متعارضتين أشدّ التّعارض. تجد المنظومة الفحوليّة كلّ مبرّرات وجودها في الماضي، والتّراث الفقهيّ الدّينيّ البيانيّ بوصفه أفق انتظارها. أمّا منظومة حقوق الإنسان فشعارها عدم تقديس التّراث لأنّه ينتمي إلينا ولا ننتمي إليه، نحن ورثته ولنا الحقّ في اختيار ما نرث، وهو شعار يجعل من الحداثة أفق انتظاره. والفرق بين الأفقين، هو أنّ quot;فضاء التّجربةquot; في سياق تخييل الفحولة قد جعل من الماضي بتراثه أفق انتظاره بخلاف الحداثة الّتي quot;(...) مافتئ البون بين التّجربة والانتظار يعظم في الأزمنة الحديثة، وبصفة أدقّ لا يمكن فهم الأزمنة الحديثة على أنّها زمن جديد إلاّ حين تبتعد الانتظارات ابتعادا ثابتا عن كلّ التّجارب الّتي جرت إلى حدّ الآن quot; (7 ). وفي نطاق هذا البون المتّسع يوما بعد يوم بين quot;فضاء التّجربةquot; والحداثة بما هي quot;أفق انتظارquot; تنزّل الأستاذة رجاء بن سلامة بحوثها في المذكّر والمؤنّث. فهي تعرّف الحداثة في مقالها quot;الحداثة والحدادquot; على هذا النّحو الطّريف: quot;الحداثة حركة تعرية وتعرّ. إنّها وضعيّة نقديّة تأويليّة تعرّض كلّ المسلّمات في كلّ الميادين إلى الانهيار، وهي إذ تكون علاقة تأويليّة بالتّراث، تكون تعرّيا لبناه الرّمزيّة اللاّواعية وتفكّكا أليما ولكن لا مناص منه، لأساطيره المؤسّسة. لذلك يمكن أن نذهب إلى أنّ الحداثة تفترض حدادا على الماضي وأمواته، أو بالأحرى quot;عمل حدادquot; حسب العبارة الفرويديّة.quot;.
تكمن طرافة هذا التّعريف في كونه يربط الحداثة بما هي أفق زمانيّ ربطا إشكاليّا معقّدا بين المعالجة التّأويليّة والمعالجة التّطبيبيّة الإكلينيكيّة. ويظهر التّعقيد في هذه الصّياغة في أنّ الأستاذة رجاء بن سلامة ترهن حركة الحداثة بعملين يبدوان كالمتلازمين. بل إنّ أحد العملين، وهو العمل التّأويليّ، يبدو ـ في نظري ـ بمثابة الشّرط الضّروريّ لتحقّق العمل الآخر، وهو عمل الحداد travail de deuil. فأن نؤوّل التّراث ونفهمه ونبيّن تاريخيّته وحدوده وعدم صلاحيته لكلّ زمان ومكان ونكشف الشّروط الّتي أوجدته، ونعرّي القوى الّتي مازالت تحافظ عليه بمحاولة استعماله وتنفيذه وإنفاذه لتستمرّ هيمنتها على الواقع، إنّما هو عمل يتجاوز حدوده المعرفيّة إلى التّأثير في الذّات المؤوّلة على نحو يمكّنها من التّحرّر من سطوة التّراث والكفّ عن الانخراط في أفق انتظاره الّذي هو لا محالة الماضي بما هو ذاكرة جريحة meacute;moire blesseacute;e. وعندما تتحرّر الذّات من كلّ الرّوابط الّتي تشدّها إلى التّراث، الموضوع الّذي تتشبّث به، يكون عمل الحداد قد تحقّق واكتمل. أمّا في حالة المقاومة المفضية إلى الإبقاء على التّراث بما هو أفق انتظار لفضاء التّجربة فإنّ تلك المقاومة دالّة على إخفاق العمل التّأويليّ لأنّ الذّات مازالت محافظة على الرّوابط الّتي تشدّها إلى التّراث، الموضوع الّذي تتشبّث به، على نحو يقلب عمل الحداد إلى ماليخوليا. وبذلك يصبح العمل التّأويليّ بما هو عمل حداد محاولة مؤلمة للخلاص من عصاب الماليخوليا الرّهيب. هذا وجه التّعقّد في هذه الصّياغة، أمّا وجه الإشكال فيها فيكمن في أنّ الانتقال بعمل الحداد من المستوى الفرديّ إلى المستوى الجماعيّ لا يخلو من مصاعب لا يمكن تذليلها إلاّ إذا قرّبنا على غرار ريكور Ricoelig;ur عمل الحداد من عمل التّذكّر travail du souvenir (8 ). ورغم ذلك يبقى الإشكال قائما في بعض التّصوّرات الّتي تميّز عمل الحداد من الوظيفة الجنائزيّة المتمثّلة في تجديد الفراغ. وهذه الوظيفة الخاصّة بالجماعة مخالفة لعمل الحداد الخاصّ بالفرد. quot;فلدى الفرد يتمثّل عمل الحداد في قتل الميّت (لاغاش). وفي الزّمرة يتمثّل الفقد في إعادة إحيائه. ففي المسار الأوّل، يجهد الشّخص في أن يقطع رباطه بما كان موضع ارتباطه المشبوب، وفي الثّاني يجهد (النّحن) في أن يرتبط مجدّدا بالشّيء الّذي كان قد انفصل عنه انفصالا خفيفا. فالفرد يسير نحو النّسيان، والزّمرة نحو النّدم.quot; (9 ).
مهما يكن الأمر فإنّ quot; الحداثة مشروع لم يكتمل quot; (10 ). وسواء أتحقّق هذا المشروع بعمل الحداد أم بالوظيفة الجنائزيّة أم بعمل التّذكّر فإنّ اعتبار الحداثة وضعيّة نقديّة تأويليّة تعرّض كلّ المسلّمات في كلّ الميادين إلى الانهيار يمكن أن يفهم في نهاية المطاف على أنّها عمل واسع النّطاق يهدف إلى تغيير بنود quot; العقد الاجتمـاعيّ quot;. وما تناول تخييل الفحولة بالتّفكيك والتّحليل النّفسيّ والنّقد لبيان ما في هذا البنيان من شروخ وأوهام سوى محاولة من طراز رفيع ترمي إلى تأسيس قواعد جديدة تبنى بها العلاقات الاجتماعيّة بين النّاس قوامها حقوق الإنسان، لا اعتبار فيها للجندر ولا للجنس ولا للّون ولا للطّبقة.
إحالات:
1- انظر: Beauvoir, Simone: (1949-2003) Le Deuxiegrave;me Sexe, reacute;eacute;d Gallimard ، النص الأصلي للعبارة: quot;On ne naicirc;t pas femme, on le devient quot;
2- في خصوص العالم العربيّ وجدنا الدّراسات التّالية الّتي جمعتها وأعدّتها: غصوب، مي وسنكليرويب، إيما: الرّجولة المتخيّلة، الهويّة الذّكريّة والثّقافة في الشّرق الأوسط الحديث، الطّبعة العربيّة، ط1، دار السّاقي، بيروت ـ لبنان، 2002.
3- صاغت هذه النّظريّة سنة 1990 أستاذة الأدب المقارن بجامعة بركلي Berkeley بكاليفورنيا جوديث بطلر Judith Butler (صحبة Eve Kosovsky Sedgwick) الّتي سرعان ما أصبحت منظّرة حركة الكوير. وهي تعارض النّسويّات في خصوص تعريفهنّ النّساء بوصفهنّ زمرة ذات خصائص مشتركة مقوّيات بذلك منوال التّغاير الجنسيّ الثّنائيّ. وتعتبر من جهتها أنّ الجندر يتبدّل بكلّ سلاسة ويقبل التّغيّر كلّما تغيّر السّياق والظّرف. وهي تدعو إلى القيام بعمل انقلابيّ، أو إلى quot;الجندر المضطربquot; للحفاظ على نوع من الالتباس والتّكاثر في الهويّات. فهويّة الجندر عندها يمكن للممثّلين أنفسهم أن لا يكفّوا عن ابتداعها. وقد ترجم كتابها (Gender Trouble: Femenism and the subversion of identity, Routledge, 1990) بأخرة إلى الفرنسيّة بعنوان: Butler, Judith: (2005) Trouble dans le genre. Pour un feacute;minisme de la subversion
4- انظر:Sloterdijk, Peter: (1987) Critique de la raison cynique. Traduit de l'allemand par Hans Hildenbrand, Christian Bourgeois Eacute;diteur, p8.
5- نرجع أصول عمل الفضح والفضيحة إلى بيان المثقّفين الأوّل الّذي كان يهدف إلى مساندة مقال زولاZola التّشهيريّ quot; أتّهم ـ Jrsquo;accuse quot; بعد إخفاق كلّ الإجراءات القانونيّة والشّرعيّة في اكتشاف الحقيقة وتفجيرها في قضيّة دريفوس. وقد تضمّن هذا البيان في واقع الأمر ثلاثة حقوق أبرزها حقّ التّشهير أو الفضح Le droit au scandale. راجع في هذا الشّأن :Charle, Christophe : (1990) Naissance des laquo; intellectuels raquo;1880-1900.Paris, Les Eacute;ditions de Minuit, p.p7-8.. وقد لفت انتباهنا في: Sloterdijk, Peter : Critique de la raison cynique, op.cit, p14 قوله التّالي: quot; Parler de cynisme c'est soumettre agrave; la critique un scandale spirituel et moral; ensuite on preacute;sentera les conditions des possibiliteacute;s du scandaleux quot;
6- انظر مقالة: quot; ما السّلطة؟ ـ Qu'est-ce que l'autoriteacute;?quot; في كتاب: Arendt, Hannah (1954 -1994)La crise de la culture. Huit exercices de penseacute;e politique. Traduit de l'anglais sous la direction de Patrick Leacute;vy, folio/essais, p123
7- انظر: Habermas, Juuml;rgen: (1988) Le discours philosophique de la moderniteacute;. Douze confeacute;rences. Traduit de l'allemand par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, nrf Eacute;ditions Gallimard, p14. . والشّاهد لكوسلاّك Kosselleck وقد استظهر به هابرماز ليبيّن أنّ الوعي الحديث بالزّمن عند كوسلاّك Kosselleck يتميّز بكون البون بين quot; فضاء التّجربة quot; l'espace de l'expeacute;rience وquot; أفق الانتظار quot; l'horizon d'attente ما فتئ يتّسع.
8- انظر: Ricoelig;ur, Paul: (2000) La Meacute;moire, lrsquo;Histoire, lrsquo;Oubli. Lrsquo;ordre philosophique. Eacute;ditions du Seuil , Paris, p.p87-88 الّذي يعتبر كذلك أنّ عمل الحداد بوصفه عمل تذكّر إنّما هو عمل محرّر على نحو باهض. فعمل الحداد هو ثمن عمل التّذكّر، ولكن عمل التّذكّر هو غنمُ beacute;neacute;fice عملِ الحداد.
9- دوبريه، ريجيس : نقد العقل السّياسيّ. ترجمة عفيف دمشقيّة، منشورات دار الآداب، بيروت، الطّبعة الأولى 1986، ص397.
10- quot; La moderniteacute;: un projet inacheveacute; quot; هو عنوان المحاضرة الّتي ألقاها هابرماز في سبتمبر 1980 لمّا تحصّل على جائزة أدرنو Adorno، وقد نشرت ترجمتها الفرنسيّة بمجلّة: Critique, Trad fran par G. Raulet, ndeg;413, octobre 1981, p.p950-967. ونقلها إلى العربيّة بسّام بركة بعنوان quot;الحداثة. مشروع ناقصquot;، الفكر العربيّ المعاصر،مركز الإنماء القومي، بيروت، العدد39، أيار ndash; حزيران، 1986، ص.ص 42-49.
