ملف العدد الجديد لمجلة قضايا اسلامية معاصرة
تناول العدد المزدوج 31ـــ 32 (شتاء وربيع 2006) لمجلة قضايا اسلامية معاصرة التي يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين في (بغداد) موضوع (العيش سويا في فضاء التنوع والاختلاف: مقاربات في التعددية الدينية والثقافية). ومنذ سقوط صدام حسين تمحورت اهتمامات هذه الدورية العراقية على معالجة الاستقطابات الطائفية والعنصرية المتفجرة في المجتمع العراقي، فتناولت laquo;التسامح ومنابع اللاتسامحraquo; في أكثر من عدد، وأصدرت سلسلة كتاب شهرية رديفة لها في بغداد بعنوان laquo;ثقافة التسامحraquo; طبع منها اثنا عشر كتابا. كذلك اهتمت قضايا اسلامية معاصرة ببحث اشكاليات التعددية الدينية والعرقية والثقافية والسياسية. كما نلاحظ في مواد هذا العدد الذي ساهم فيه نخبة من المفكرين والباحثين والدارسين العرب والايرانيين .
جدل العالمية والخصوصية)
ففي (كلمة التحرير) يتحدث الدكتور احميدة النيفر عن (جدل العالمية والخصوصية) في قراءة للتعددية من منظور مختلف ، فيقول: إنّ سؤال: quot;كيف يمكن أن نعيش سويّا و مختلفين؟quot; يثبت أوّلا ما أصبح واقعا معايَنا فيما عُرف مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين بعودة المقدّس أو الصحوة أو انبعاث الأديان. يؤكّد السؤال من ناحية ثانية الحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى quot; ثقافة الحوار quot; بديلا عن ثقافة التنافي، التي حوّلت التحديث العربي في أكثر من حالة إلى تنظير للاستئصال، كما أفضت بالتراثيين إلى رفض مطلق للآخر، أدّى في حالات تزايد الضغوط والإحباط إلى إهمال الدعوة، والارتماء في مسالك الترويع والتدمير.
من جهة ثالثة يحقّق إرساء شروط ثقافة الحوار التجاوزَ الإيجابي لما انساق فيه quot;حماة الخصوصياتquot; من ضرورة مقاومة العولمة إيديولوجيا، أي الإعراض عن تقديم إجابات لأسئلتها الكبرى، ورفض التحكم في آلياتها وتقنياتها.
ويشير الدكتور النيفر الى: ان من أهمّ ما مكّن الإسلامَ من البقاء والاستمرار، سواء أكان ذلك في فترات السطوة السياسية أم في مراحل ضعف الدولة أو اختفائها، كان عنصر التمازج الثقافي القائم على قبول الآخر. هذه القيمة أتاحت للإسلام أن ينتشر في أصقاع نائية لا تربطها أية صلة ثقافية بالجزيرة العربية أو الـهلال الخصيب. ثم مع الانتشار كان الاستمرار الذي لا يُعزى بأي حال إلى سلطان سياسي.
لقد أدركت نخب المسلمين هنا وهناك أن مصدر قوتهم في الرهان على عنصر التثاقف مع الآخر، فاختاروا في لحظات تاريخية مفصلية ما أثبتوا به وعيهم، بأنّ أساس كل استمرار للحياة متحقق بالتنوّع والتغيير. ذلك هو الحسّ الذي دفعَهم إلى الربط الواعي بين الثبات والتغيّـر، الربط القادر على تسويات تاريخية لا تخطر اليوم على بال التراثيين، فضلا عن دعاة القطيعة. تلك هي فاعلية الثقافة الإسلامية في أطوار قوّتها المُبدعة، حين أخذت على عاتقها تطوير الجماعة ثم المجتمع. هو ذات العنصر الذي ـــ باختفائه ــــ تأكّد اندحار المسلمين في درك التقليد والعجز، بتغليبهم - في مواقع الحسم - جاذب الثبات والاتباع على دافع التحوّل والتطوير. quot;سر ّquot; البقاء والاستمرار- إذن ــــ كامنٌ في جدلٍ بين الثابت والمتغيّر، قادرٍ على إبداع صيغ وحلول جديدة، جدلٍ لا تحتلّ قيمتا الحصرية والإقصاء محلاّ في مكوّناته الثقافية الأساسية.
وفي باب( حوارات) يحاور الباحث المصري حسام تمام المفكر الفرنسي باتريك ميشيل حول(الدين والعلمانية والهوية في عصر سقوط الأيديولوجيات ونهاية الروايات الكبرى) ويوضح بجلاء صعود الدين اليوم وكيفية انعكاس ذلك على الهوية بقوله: نحن في عصر أعيد فيه تشكيل العلاقة بين الزمان والمكان تماما..وهو ما أحدث خلخلة وذبذبة أعادت حضور الدين مجددا كفاعل رئيسي..فتمت تعبئة الدين بهدف إعادة بناء الـهوية. وفي مسألة الـهوية، فإن كل المقاييس التي كانت تنظم مسألة الـهوية فيما مضي تغيرت، ومن ثم فقد صارت معايير تحديد الـهويات غير واضحة، فنتيجة هذه الخلخلة أو الذبذبة لم تعد الـهويات ثابتة كما كانت سابقا، لقد صارت الـهويات متحركة ومتغيرة وهو ما يعني أنها أضحت ضعيفة، وللتوضيح نضرب أمثلة مختلفة: فالنوع الجنسي الذي كان يحدد الـهوية (ذكراً أو أنثى) تغير فأعيد تعريف الذكورة والأنوثة حتى بيولوجيا، وظهر الجندر أو النوع الاجتماعي بديلا عن النوع البيولوجي، ولم يعد مقبولا فكرة التفرقة الجنسية في تنظيم الحياة (مثل العمل).كما شهدنا حالة انفجار في النماذج الأسرية بعد أن تكسرت الأسرة النووية التقليدية، وقد رصدت دراسة في فرنسا 27 نموذجا أسريا مختلفا، بينت عدم الوضوح أو التغيير السريع في الـهوية الأسرية؛ فمثلا نجد أن الفرد يمكن أن يكون لديه ابن ويتزوج من امرأة لديها ابن والأربعة يعيشون مع بعضهم وفي نفس المنزل ونجد الابنين يتعاملان مع بعضهما معاملة الإخوان ولـهما نفس الأقارب من طرف الأب والأم، بينما في الأوراق الرسمية ليس لـها أي صلة.
كما حدث التغير نفسه في الـهوية المهنية: ففيما مضى كان العمل أكثر ثباتا وكان الواحد يمتهن بمهنة معينة طول حياته الوظيفية، بينما الآن يمكن أن يتنقل من شركة الى أخرى أو من مجال عمل إلى آخر، ويتم ذلك بسهولة ومرونة. وكذلك الحال في الـهويات الاجتماعية إذ لم تعد فكرة التفرقة البرجوازية أو ظهور الطبقة العمالية والأرستقراطية ثابتة وصار ممكنا الانتقال بين الطبقات. وفي الـهويات السياسية: تغير محور اليمين واليسار الذي كان سائدا قبل سنوات، وكان يعطي إمكانيات لتفسير السياسة ورسم خريطتها، ولم يعد لـه الآن نفس المركزية التي كان عليها. والشيء نفسه فيما يخص الـهويات الوطنية حدثت تغيرات عميقة أهمها التغير في مفهوم ونظام الدولة القطرية، فلم يعد من الممكن في فرنسا ـــ مثلا ـــ أن نتحدث عن وحدة التاريخ المشترك بيننا كفرنسيين فقط، وصار من المفترض إعادة النظر في فكرة المواطنة نفسها بعد أن انفتحت الدولة الفرنسية لموجات الـهجرة، كما تكسر وهم quot; المثل quot; الذي كانت تعتمد عليه الدولة الوطنية، كما تكسر نظام الدولة القطرية بسبب مطالب الاستقلال المحلية(دعاوى الاستقلال في اسكتلندا عن بريطانيا، وكورسيكا عن فرنسا، والشمال في إيطاليا، والأندلس في أسبانيا..) كما ضعفت الدولة القطرية من مستو أعلى، تمثل في ظهور كيانات أكبر منها، مثل الاتحاد الأوربي، كما جاء الضعف نتيجة الاعتراف باستحالة علاج بعض المشكلات على مستوى الدولة القطرية مثل قضية التقنية العلمية (فليس هناك دولـة الآن تستطيع أن تصنع طيارات بمفردها لأن هذا مشروع أوروبي ليس فرنسياً أو إيطالياً أو ألمانياً..) وحقوق الإنسان وحماية البيئة..فكلـها قضايا صارت فوق قطرية، وعابرة لحدود كل دولة. وهذا ينطبق أكثر ما يكون على حركات المقاومة والحركات المناهضة للعولمة فهي لا تتم في إطار الدولة وإنما تتسع على مستوى العالم.
ومن أكثر الـهويات التي صارت تفتقد للوضوح الـهويات الدينية؛ وإعادة تشكيل الـهويات الدينية يتم في نفس السياق لكل الـهويات الأخرى، بمعنى أن الشأن الديني ليس منفصلا عن المجتمع، وبالتالي فإن الـهوية الدينية تفقد الاستقلال والاستقرار نتيجة الفردنة، بمعنى أنها يمكن ان تتغير، ولا توجد أية مؤسسة دينية يمكن أن تمنع ذلك، فقد صار من الصعب أن تقنع المؤسسة الفرد بوجود شيء مستقر ومطلق ومركزي ينظم كل شيء(القدر والنصيب..) يمكنه أن يؤمن به، والـهويات الدينية مثل الـهويات الأخرى تتقدم وتتغير وتنمو نموا سريعا، ولا يمكن النظر إلى أن التحركات بين الـهويات لا يمثل ضعفا في الـهوية، فالـهويات متنقلة وتعكس مناخا عاما يؤثر في الـهوية ويشكلـها بمختلف أشكالـها سواء كانت اجتماعية أو أسرية أو جنسية أو دينية، فأبناء الجيل الثاني من العرب في فرنسا يحملون الـهويتين العربية والفرنسية في نفس الوقت، ورغم أنه بإمكان الواحد منهم أن يختار أن يكون فرنسيا فقط لكنه دائما ما يرجع إلى أصولـه العربية، ردا على التهميش وعدم الاعتراف بخصوصيته، ولأن الـهوية العربية تصطدم مع بعض مبادئ الـهوية الفرنسية التقليدية فالحل في هذه الحالة النزول لمستوى آخر في الـهوية وهو الإسلام؛ بمعنى التخلص من الـهوية العربية إلى هوية أكبر وأوسع يمكن أن تضم الـهوية الفرنسية أيضا لكن تتجاوزها وتحقق الخصوصية والتميز (شعار مسلمي فرنسا: فرنسي نعم ولكن مسلماً أيضا) وهو ما يمكن أن يفسر صعود الدين بين أبناء الجاليات المسلمة. وأود التأكيد على أنه وإن كانت هناك حركات تفكيك دينية ولكن هناك رد فعل عليها بمحاولات إعادة البناء، والتحدي أمام حركات إعادة البناء هو تكوين هويات قابلة للحركة، والـهوية المتحركة لا تعني أن الـهوية نفسها تتحرك ولكن تعني أن الناس أنفسهم يعترفون بأنهم يتحركون من هوية لأخرى. نحن في سياق إعادة تشكيل عام للعلاقة بين الإيمان ومضمون الإيمان فالمناخ العام يشير إلى قبول حركة التنقلات بين المرجعيات الدينية، ومن نتيجة البحوث الاجتماعية في أوربا نلاحظ أن الناس لا يتأثرون بالمضمون فمن الممكن أن يكون الفرد مسيحيا لفترة ثم يخرج منها إلى الإسلام ويعرج منه للبوذية وربما انتهي إلى مزيج إيماني من عدة ديانات مختلفة، وهو ما نراه بوضوح لدى المتصوفة في أوربا فالتصوف حالة إيمانية لا تتعلق بدين محدد بل وربما يدخلـها ملحدون كما أسلفنا، وهو ما نسميه بعصرnew age (أو الإيمان دون انتماء ديني محدد) لكن هذه ليست قاعدة ثابتة إذ يمكن لـهذا المشوار أو الطريق الإيمانية أن تتوقف ويستقر الفرد في مرجعية دينية معينة، وهو ما نراه في المنتمين للحركات الإسلامية الأصولية في أوربا، فهم بمجرد دخولـهم في هذه المرجعية الدينية استقروا غالبا فيها ولم يدخلواـــ كأبناء جيلـهم ـــ في new age، ولكن في أغلبية الوقت يمكن أن نفسر الإيمان في أوربا على أنه كمشوار أو كطريق، فالإيمان حاليا ليس معناه أن ينتمي الفرد لديانة معينة، وإنما يعني التنقل بين مرجع إلى آخر، والحركة بدلا من الاستقرار.
أبعاد القراءة الانسانية للدين
كما تضمن العدد حوارا مع الشيخ محمد مجتهد شبستري تكلم فيه بصراحة واسهاب عن (أبعاد القراءة الانسانية للدين) وشدد على انه لا يؤمن بحصر الدين في نظرة دينية واحدة ثابتة. وانه لا يصح القول بوجود نظرة دينية ثابتة واحدة، إذا توفرت في كل العصور كان الدين موجوداً، وإن لم تكن موجودة لم يكن الدين. فالنظرات والرؤى الدينية قد تتفاوت عبر الأزمنة. يمكن القول ان النظرة الدينية القديمة تنسجم مع رؤية laquo;الوضع الطبيعي للأشياءraquo; ومع ثقافة تلك العصور ومجتمعاتها، و... ، أما في العالم الحديث فما عادت تلك النظرة مستساغة لدى كثير من الناس، لذا ينبغي ان تظهر فيهم، وقد ظهرت، نظرة دينية جديدة. ربما كان القاسم المشترك بين كافة النظرات الدينية في العصور المختلفة هو ان الإنسان يواجه نفسه والعالم، ويرغب في تجريب الحقائق والوصول إلى حقائق متعالية. لكن أدوات هذا الأمر ومقدماته وآثاره متباينة تماماً في العصور المختلفة. ان مواجهة الذات والعالم هذه قائمة حتى في العصر الحاضر.
في كل الأحوال، نحن نعيش في زمن حل فيه الاختيار والانتخاب محل الاستسلام للقدر. في العهد الماضي أرادوا اتباع القدر، أي تشخيص ما تم تقديره سابقاً والعمل وفقاً له. غير ان النظرة القدرية تركت مكانها اليوم لنظرة اختيارية، فتحولات العلم والمعرفة البشرية، وظهور التقنية، تآزرت كلها لتفتح حيال الإنسان، وعلى شتى الصعد، آفاقاً جديدة في حياته. انها آفاق تنفتح أمام الإنسان في مجالات العلم والفلسفة والفن والسياسة. المجتمعات تفتح أمام نفسها آفاقاً جديدة باستمرار، ولا أحد يدري إلى متى سيستمر هذا السياق، بيد ان الإنسان الحديث يعي جيداً ان حياته آخذة بالاتساع، بمعنى ان أنواعاً وصنوفاً مختلفة من الحياة تظهر إلى النور باستمرار. وربما كان هذا هو الفارق الأبرز الذي يميز عهد الحداثة عن العصور التقليدية القديمة. في العهد التقليدي كان الإنسان يعيش بفكرة القدر، أما في عهد الحداثة فالإنسان ينير الطريق أمامه باستمرار، ويتقدم إلى الأمام خطوة خطوة، وكأنه يضيء الأقاليم الغارقة بالظلمة أمامه واحداً تلو الآخر. إنني حينما استخدم تعابير الإضاءة والتقدم إلى الأمام لا أتغيا طبعاً إصدار حكم أو تقييم، ولا أقصد حتى الكمال بمعناه الفلسفي، إنما أرمي فقط إلى التحول والتعقيد والتنوع. انه واقع لا يظهر فيه الحق بشكل كامل ولا الباطل.
القراءة الإنسانية للدين تنطوي على كل هذه الاعتبارات في داخلها، الاعتبارات الفلسفية، والقيمية، والحقوقية. في القراءة الإنسانية للدين، يُعرّف الدين بالسلوك المعنوي للإنسان في الحياة. انه نوع من العيش والسلوك الإنساني. في الأديان الوحيانية، يبدأ خطاب الله للأنبياء هذا السلوك ويفجره ويشرع به، بيد ان التدين يبقى من عمل الإنسان على كل حال، والدين مراد الإنسان. جاء في القرآن الكريم ان الدين عند الله الإسلام. ان الإسلام والتسليم هو من فعل الإنسان. الدين القرآني هو تسليم الإنسان، لذلك ورد في القرآن صراحة ان الدين من فعل الإنسان. ان الله بمخاطبته للإنسان يبدأ أشواط التدين، وينير الضوء الأخضر كما يقال وهذا يشبه الدور الإلهي في البدء بتشغيل كل أنشطة الإنسان، باعتبار ان الله أساس الوجود. كذلك تنطلق الأنشطة الدينية للإنسان عن طريق الخطاب الإلهي. بهذا المعنى يتبدى التدين نشاطاً إنسانياً، ولأنه كذلك لا يمكن للدين ان يلغي الإنسان. ينبغي ان ننظر ما الذي عرضه الإنسان طوال تاريخ حياته من أبعاد؟ انها انثروبولوجيا فلسفية تقوم على التجربة، وليس بمقدور الدين إلغاء أي من تلك الأبعاد. ليس بوسعنا تكوين مفهوم ذهني انتزاعي للإنسان، ثم نقول هذا هو الإنسان، وحينما نستعرض الواقع التاريخي نرى الإنسان شيئاً آخر. ان تدين الإنسان بوصفه السلوك المعنوي للإنسان بكل وجوده، ينبغي ان لا يزاحم أياً من أبعاد وجود الإنسان، ولا يعطله. ليس باستطاعة الدين ان يحل محل العلم أو الفلسفة أو الفن فيطردها، إنما يجب على الإنسان الذي يحمل كل هذه الأبعاد ان يكون متديناً أيضاً. فالإنسان عن طريق معرفة الله والأديان الوحيانية، وعن طريق إجابة الخطاب الإلهي، وسائر التجارب الدينية، يضفي على نفسه (أي على كافة أبعاد وجوده) المعنى. فالدين يمنح للفلسفة والعلم والفن والقيم والحقوق معانيها من منطلقات دينية، بيد ان إضفاء المعنى هذا لا يفيد إفراغ تلك المقولات من مضامينها والجلوس مكانها. ان الإنسان الذي يتوفر على كل هذه الأبعاد، سوف يضفي المعنى عليها جميعاً، حينما يمنح المعنى لنفسه، ويخصص لها مواقع في دائرة laquo;الحقيقة النهائيةraquo; ويتحرر من العدمية. كل هذه أبعاد لوجود الإنسان، ولا يمكن لأي منها، سواء كانت فلسفية أو حقوقية أو قيمية، ان تنفصل عن الإنسان.
تأسيساً على هذا، حينما نقول قراءة إنسانية للدين، نقصد ان يفهم الإنسان دينه وتدينه بالشكل الذي تقتضيه كل أبعاد إنسانيته. الدين للإنسان وليس لله، فالإنسان هو الذي يحتاج الدين وليس الله. الدين وليد آلام الإنسان وحاجاته من ناحية، وصنيعة التجارب الدينية للإنسان المحتاج صاحب المعاناة من ناحية ثانية، حتى يخفف من آلامه ويشبع حاجاته. لا يستطيع الإنسان ان يفهم دينه بما يتناقض مع شطر من إنسانيته وأبعادها، كأن يتناقض مع الفلسفة أو الحقوق أو القيم مثلاً. هل من الممكن أساساً للإنسان بما هو إنسان ان يفهم الدين الذي هو للإنسان، ومن شأن الإنسان وممارسته، بشكل يلغي سائر أبعاده الوجودية؟! حينما أقول laquo;قراءة إنسانية للدينraquo; أروم فهم الإنسان للدين والتدين وفق ما تمليه عليه إنسانيته.
على الضد من هذه القراءة، تقف القراءة غير الإنسانية أو فوق الإنسانية للدين والتدين، والقائلة: ليس الدين سلوكاً معنوياً للإنسان ذي الأبعاد الوجودية المختلفة، بل هو مجموعة من المعارف والأحكام الغيبية المتعالية على عقل الإنسان، والتي نزلت من الله على البشر، لكي يعلمها البشر على شكل علوم، ويعملوا بها كأحكام. في هذه الحالة سيغدو الدين شيئاً آخر. معنى هذا التصور ان الإنسان كما ظهر على مر التاريخ، وأفصح عن أبعاد وجوده، وكما تطورت ثقافته على مر الزمن، شيء، والدين شيء آخر، غير تلك الأمور، بل ومسلط عليها. في هذه الرؤية، يتبدى الدين شيئاً وافداً من عالم الغيب الىحياة الإنسان، وعلى الإنسان مقارنة كل ما يملك من أرصدة وقدرات بذلك العامل الوافد من عالم الغيب، والذي لا يعد من أرصدته وممتلكاته، فيتأكد من صحة أو سقم أرصدته بالقياس إلى ذلك العامل الغيبي، فينبذ كل ما لا ينسجم معه. في مثل هذا التفكير يصبح الوحي سلسلة عبارات علمية، مضامينها غير علوم الإنسان وكفاءاته، وفوق عقله. وبالتالي فهو تفكير يكتنف ضرباً من الانقطاع بين الإنسان والله. فالوحي أمر غيبي قدسي، يدخل عالم الإنسان من عالم الغيب، فيغير عالمه ويفنيه، ويسقط كل المعارف الأخرى عن الاعتبار، ولا يقر معرفة إلا إذا جاءت من الغيب. معنى هذا الكلام ان دخول الوحي يسقط عن الاعتبار أية معرفة، فيتلاشى الإنسان، وتذهب كل أرصدته إدراج الرياح. هذه هي القراءة غير الإنسانية أو فوق الإنسانية للدين. مضافاً إلى الإشكالات الفلسفية والمعرفية التي يعاني منها هذا التصور للدين، فهو لا يتسق مع تصور المسلمين الأول للدين والوحي، ولا مع تصور الفلاسفة المسلمين للدين والوحي.
وبالتالي، إذا تكرست القراءة غير الإنسانية وفوق الإنسانية، ستضطرب معايير العالم الإنساني برمتها، وإذ ذاك لن تبقى قيمة للعلم، ولا للفلسفة، ولا للحقوق، ولا للقيم الإنسانية. الإنسان المشطوب عليه لا يستطيع إدعاء علم، ولا إدعاء حقوق، ولا إدعاء قيم. في مثل هذه الحالة يشطب الدين على الإنسان، ومع إسقاط الاعتبار عن كل معاييره وآرائه تتمهد الأرضية لغرض أي حكم أو معيار على الإنسان باسم الدين، وبمعزل عن أي اعتبار إنساني. الدين بهذا المعنى يصنع واد من الظلمات، ليس من اليسير الخروج منه. إحدى محاولاتي في قضية laquo;القراءة الإنسانية للدينraquo; ان أسوق نماذج للقراءة الإنسانية للدين، وأبين ان الإنسان في هذه القراءة لا يُلغى، بل ان الدين سيعترف بإنسانيته عن طريق الاعتراف بالحقوق والقيم الإنسانية.
للأسف الشديد ثمة في مجتمعنا أرضيات مساعدة عديدة للقراءة غير الإنسانية ومشكلاتنا الاجتماعية والسياسية المتراكمة هي اليوم وليدة القراءة غير الإنسانية للدين قبل كل شيء. اعلم ان البعض يعدون القراءة الإنسانية للدين تنصيباً للإنسان كند لله، ونفي لألوهية الله وربوبيته، هؤلاء لا يتنبهون الىحقيقة ان الإنسان كيفما تحدث عن الله وصفاته فلن يستطيع ذلك إلا بمفاهيم إنسانية. ومعنى الألوهية والربوبية هو الآخر غير ممكن الإدراك مباشرة أو بصورة غير مباشرة إلا بالمفاهيم الإنسانية. ان الاعتراف بهذا القصور الإنساني هو عين التوحيد والتنزيه. اعتبار ان القراءة الدينية هي قراءة إنسانية في كل الأحوال، يمثل السبيل الوحيد للإطلاع علىصفات الله في حدود الممكن البشري. بهذه القراءة حصرياً يمكن للدين ان يكون ذا معنى بحيث يلتزم به الناس. ان هذه القراءةهي الكفيلة ببقاء الدين والتدين. ان ما يسقط الدين عن الاعتبار هو طرحه بصورة غير مفهومة في إطار قراءة غير إنسانية.
التعددية الافقية والهرمية
كذلك ضم الملف ندوة نظمتها قضايا اسلامية معاصرة لتحليل اشكاليات (التعددية الافقية والهرمية) وادارها رئيس التحرير الدكتور عبدالجبار الرفاعي الذي افتتحها بالقول: يضج العالم الذي نعيش فيه بالغيرية والتعددية والاختلاف في الأعراف والتقاليد والثقافات واللغات والأديان والمذاهب والاعراق والاجناس، ويمتد الاختلاف إلى الشخص الواحد، حسبما يوضح المفكر الإيطالي أري دي لوكا وجود عدة أشخاص داخل الإنسان الواحد، اذ يقول: laquo;يخفي كل واحد منا جماعة من الناس في داخله. ومع مرور الوقت نركن إلى تبديل هذه الكثرة إلى وحدة أو فردية جوفاء، فنحن مرغمون على الظهور كفرد واحد له اسم واحد. ونتحمل مسؤوليته وحده، ونعوّد الأشخاص المتنوعين داخلنا على الصمت والسكونraquo;.لا تكمن المشكلة في هذا التنوع والاختلاف، وإنما في محاولة القفز على ذلك، والتعسف في استيعاب الاختلاف، والسعي لمسخ البشرية ودمجها في بوتقة إيديولوجية أو ثقافية أو عرقية أو لغوية، تعمل على تذويب كافة ألوان التعددية والتنوع، وتبذل المستحيل من أجل جعل الناس نسخة واحدة تكرر صورة السلطان أو الأمير أو الرئيس أو رجل الدين، وتقهرها على مطابقته في كل شيء.
واضاف الرفاعي: للمرة الرابعة تعقد مجلة قضايا إسلامية معاصرة ندوتها السنوية في موسم الحج، وتنعقد الندوة لهذه السنة في منى في مكة المكرمة ، لدراسة قضية التعددية الدينية والعرقية والثقافية، والتعددية الأفقية والهرمية، وحق الاختلاف. وقد شارك فيها:
1ـ الأستاذ الدكتور عبد الوهاب بوحديبة (تونس): أستاذ مبرز في الفلسفة، دكتور دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من باريس، وحالياً رئيس بيت الحكمة في تونس.
2ـ الأستاذ الدكتور عبدالله إبراهيم (العراق): أستاذ جامعي، دكتوراه من جامعة بغداد، عمل في الجامعات العراقية والليبية والقطرية، وحالياً خبير في الأمانة العامة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في قطر.له مجموعة من الكتب في نقد المركزيات الثقافية. 3ـ الأستاذ الدكتور أبو بكر أحمد باقادر (السعودية): أستاذ علم الاجتماع بجامعة الملك عبد العزيز في جدة، وزميل في كامبردج.
4ـ الأستاذ الدكتور هشام داود (العراق): باحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية في المركز القومي الفرنسي للبحوث العلمية في باريس.
وتسائل مدير الندوة :ما السبيل لإرساء قيم بديلة في مجتمعاتنا تكرس مفهوم الاختلاف، وتشيع قيم التعددية الاستيعابية التي لا تقفز على الخصوصيات، وتتفهمها ولا تعمل على محوها؟
فأجاب الدكتور بوحديبة: منذ عقود كثيرة، علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي وعلم الأنثروبولوجيا ركزت على الوظائف والأدوار، بحيث ان الشخصية الفردية أو الجماعية ترتبط ارتباطاً متيناً بالوظائف التي تقوم بها وبالأدوار التي تلعبها في مجتمعها، سواء كانت أدواراً اجتماعية يلعبها المجتمع على الساحة الكونية، أو إزاء الأفراد المكونين لهذا المجتمع. لذلك التعددية هي أساس، لا أقول: انها كسب، ولكن أقول: اننا ننطلق نفسياً واجتماعياً من التعددية، لأننا نعيش في جدليات عميقة كثيرة متداخلة ولا يمكن أن نتكلم: وهذه الفكرة عن التعددية بصفة مجردة ولكن لابد أن نربطها بالزمان وبالمكان، أي بالظروف التي تبرز فيها التعددية أو تُهدم أو تضمحل، وان ركزنا على هذه الفكرة، فان القضية الخطيرة بالنسبة إلى كافة المجتمعات وخاصة المجتمعات العربية، هي ان وسائل الإعلام الآن تبث أنماطاً من السلوك تمت فبركتها وتنظيمها وتكوينها في مخابر معينة، تبث نماذج أسطورية ولكنها فاعلة، وهي التي تمحو تلك التعددية، أي ان المشاهد العربي أو الطفل العربي لا ينقاد بوظائفه الاجتماعية فقط، بل تداخلت فيه وظائف اجتماعية مبررة بصفة كونية وعالمية، ولكن أيضاً بصفة تخضع إلى مقاييس سياسية واقتصادية. فكل ما يُبث في وسائل الإعلام، مثلاً في إطار الإشهار، يدخل في هذا السياق، ذلك ان الإشهار الذي نشاهده يحث المستهلك العربي على: التعامل مع المبيعات الفلانية وبالماركة الفلانية أو بالآليات الكذائية، هي في حقيقة الأمر أفلام وضعت بصفة كونية في إطار فني، وحتى الصور التي يراها المشاهد العربي ليست لنماذج عربية، بحيث قضية التعددية التي هي مكسب فطري عند الإنسانية أصبحت إذن مهددة بالخطر، داخل المجتمعات الغربية طبعاً، وداخل المجتمعات التي تنقاد بصورة واعية أو غير واعية إلى هذه الدعوة التي تحتكر العقول والنفوس والأدوار والوظائف حتى تخضعها لإرادة سياسية، إرادة اقتصادية... سنعود إلى الموضوع.
وتلاه الدكتور عبدالله ابراهيم قائلا: أبدأ الحديث من حيث انتهى الدكتور بوحديبة، وأعدّ كلامي استئنافاً لما تفضل به. لا يمكن التفكير بمفاهيم التعدّد، ولا بقبول تعدديات عرقية أو دينية أو ثقافية إلا بالانتقال من حقبة المجتمع التقليدي(الأهلي) إلى حقبة المجتمع الحديث(المجتمع المدني). المجتمع التقليدي يستقر في ركائزه الكبرى على تشكيلات مغلقة، كالقبيلة، والطائفة، والعقيدة، والعرق، وهذا الانغلاق يفرز تشكيلات اجتماعية نمطية محكومة بعلاقات تبعية، وهذه العلاقات لا تتيح للمكونات الاجتماعية أن تتفاعل فيما بينها، ولا تمكنها من التحاور وقبول بعضها بعضا، إنما تنتهي اختزالات متواصلة ولانهائية لكل ما يختلف عنها. أما المجتمع الحديث، أي المجتمع المدني، فهو الذي توجهه المؤسسات من نخب، وأحزاب، وجمعيات، وروابط، والعلاقات فيه تقوم على الشراكة وليس التبعية، وما دامت علاقات الشراكة تضع الأفراد على مستوى واحد من الروابط والمصالح؛ فإن التعددية تجد لها أرضية مناسبة لأن تنبثق، ويتم تداولها كجزء من فلسفة ذلك المجتمع. وبما أننا مازلنا نعيش في حقبة المجتمع التقليدي يصبح الحديث عن التعدديات بكل مجالاتها حديثاً سابقاً لأوانه، فإذا كان لنا أن ندعو للتعدديات، يلزمنا أولاً تفكيك عرى المجتمع التقليدي لكي ينبثق مجتمع مدني حديث، يتفاعل ويتداول ويتبادل المفاهيم الخاصة بهذه التعدديات، التي أصبحت الآن الرهان الأكثر لهويات تحديث أي مجتمع. من هذه الزاوية أجد أن الحديث عن التعدديات بدلالتها الحقيقية يلزمنا بأن ننقد، قبل كل شيء، نقداً جذرياً بنية المجتمعات التقليدية التي تحول دون ظهور معنى إنساني لكل التعدديات الدينية والعرقية والثقافية. ولهذا أجد أن بداية حديثنا يفضل أن تأخذ بعين الاعتبار الحقبة التاريخية التي تعيش فيها هذه المجتمعات، التي نحاول الآن أن نجد للتعدديات مكاناً فيها.
وعالج الدكتور باقادر المسألة برؤية اخرى فقال: أن المصالح العالمية المشتركة تُفضي بالضرورة إلى تجانس المجتمعات، وقد ساد التجانس كما هو معروف في الولايات المتحدة الأمريكية إلى الستينات، حتى جاءت انتفاضة الملونين الذين لا ينتمون إلى ما يعرف ب White يعني الأبيض البروتستانتي من الطبقة الوسطى. وبدلاً من الدراسات التي تقوم بالأساس على ان العلاقات بين الأعراق تقوم بناءً على السيطرة وعلى الاستبداد، ابتدأت تظهر دراسات من منظور: هل بالإمكان ان تكون هناك تعددية ثقافية وقبول للآخر أم لا؟ وقد رسخ الاقتصاد المعولم والعلاقات الاستثمارية من هذه الوتيرة، كذلك تنامت عناصر أخرى مهمة بسبب عولمة التقنية،وان الاتصالات والمواصلات، ومن ثم الهجرة أصبحت تغير تركيبة كثير من البلدان. فإذا ذهبنا الآن إلى أوربا سنجد ثاني دين هناك هو الإسلام. لربما تحدثنا عرقياً بعد أعوام أو بعد عقود من الآن بأنه لم يعد العرق الفلاني في فرنسا هو المسيطر وإنما هناك تغيرات ديمغرافية أساسية. ولا ريب أن هذه النقلة الجديدة في المجتمع ستنقل دون شك الدراسات في العلوم الاجتماعية التي تركز على العلاقات بين الأعراق وبين الاثنيات إلى توجهات ورؤى جديدة. هل ستفضي إلى تمترس بسبب ضياع بعض الحقوق التقليدية أم لا؟ هذا أمر في غاية الغموض، لكن علماء الاجتماع يترقبون آفاقاً جديدة، ذلك لأننا نشهد تحولات كثيرة جداً في أوربا التقليدية، بل في المناطق التي وصل إليها الاستعمار وأحضر إليها مجموعة من البشر، وأحسن مثال لذلك فيجي، فهل فيجي من المفروض أن تكون النخب الحاكمة فيها من أصول هندية أم من أصول فيجية؟ والسبب هو هذا التزاحم، وهذا التشاكل، وهذا التنوع، الذي أفضى إلى معادلات جديدة في العلاقات بين الأعراق وبين الأثنيات. ومن الواضح ان هذا يرتبط بوظائف وأدوار، والوظائف والأدوار تحولت من مجتمع تقليدي متجانس إلى مجتمع صناعي لا متجانس. ونحن في العالم العربي نلاحظ مشهداً في غاية الأهمية، فقد كنا نظن ان العرب من المحيط إلى الخليج، بينما اليوم ينبغي علينا ان ننظر بفطنة، ان نستدرك بأن هناك مخزونا ثقافيا متنوعا يعلنه كل واحد في البلاد الموصوفة بالعربية. فإذا ذكرنا مثلاً الجمهورية العراقية، لا نقول مثلاً الجمهورية العراقية العربية، وإنما نقول البلد الذي تعيش فيه أطياف كلها تنتمي إلى العراق، والسودان، ومصر ، والمغرب، وجزيرة العرب، وهكذا كل بلد من البلدان المسماة عربية. وهذه طفرة نوعية، ستدعونا إلى إعادة التفكير أولاً في نوعية العلاقات، وفي الأخلاق والمعايير الضابطة لهذه العلاقات.
وخلص الدكتور هشام داود الى انه بعد هذا الغنى والتعدد في طرح الزملاء، ستكون مهمتي عصية بعض الشيء حيث علي أن أتناول ما فلت منهم من إشكاليات ومحاور جديدة. دعوني إذن أستنجد باختصاصي العلمي، ألا وهو الأنثروبولوجيا الاجتماعية. العديد من الطلبة يواجهونني عادة بالسؤال التالي: ما هي الأنثروبولوجيا الاجتماعية وحقل دراساتها ؟ أجيبهم مازحاً بأنه العلم الذي يهتم بما تهجره العلوم الأخرى ! ولأكن صادقاً معكم بأني أرى في هذا التعريف، المبتسر والسريع، شيئا من الصحة. ترى ما علاقة ما أقوله بموضوع ندوتنا اليوم: التعددية؟ الجواب هو أن الأنثروبولوجيا الاجتماعية كانت من بين العلوم الأولى التي سخرت جل اهتماماتها لدراسة ظاهرة التعددية في المجتمعات البشرية: التعددية الثقافية، الاجتماعية، الأثنية، الطبقية، الدينية، المذهبية، اللغوية، الخ. بل أن ولادة الأنثروبولوجيا كعلم جاءت سبباً لهذه التعددية وكنتاج طبيعي للتطور البشري. من هنا، لا يعتقد الأنثروبولوجيون أبداً بوجود مجتمع واحد على الأرض يفلت مما نسميه بالتعددية. اعتقادهم هذا تكون منذ منتصف القرن التاسع عشر، فكرسوا له جزءا كبيرا من نشاطاتهم العلمية والمعرفية وسموه فيما بعد بالتعددية الأثنية والعرقية، الخ. أرجو أن لا يساء فهمي منذ البدء، كون الأنثروبولوجيا كانت، هي الأخرى، ولسنوات طويلة، بنتا للحضارة الغربية المصابة بداء التطورية والارتقائية حد تقديمها للذات الأوربية كنقطة وصول والمحطة الأخيرة للتطور البشري. أما الثقافات الأفريقية والشرقية فكانت في نظرهم نقطة انطلاق ، أي المحطة الأولى! كل المدارس الفكرية الأوربية تقاسمت هذا التصور المكون لفلسفتها: من الماركسية ولحين الليبرالية مروراً بالمدارس الوضعية. القطيعة حصلت مع البنيوية الليفي- شتراوسية في منتصف القرن الماضي، بعدما ساءلت الأنساق الفكرية السائدة في العلوم الاجتماعية عن ماهية التطور وبعدما حللت البنى الفكرية والمخيالية والأسطورية لعدد كبير من المجتمعات البشرية. منذ هذه اللحظة جرى نزع البريق الأيديولوجي عن الكثير من الطروحات المتداولة. هذا لا يعني بأن البنيوية لم تصطدم هي الأخرى بتناقضاتها الخاصة. مثلاً، إن كنا نتفق مع كلود ليفي شتراوس في نقده للوضعيين بكل أطيافهم بشأن مفهوم التاريخ والتطورية، هذا لا يعني اتفاقنا مع من يحاول إلغاء ظاهرة التطور الاجتماعي عينها. أي، أن ظاهرة التطور هي معطاة موضوعية قائمة بذاتها في حياة المجتمعات البشرية، في حين التطورية الاجتماعية (الدارونية ، الليبرالية ، الماركسية ، الخ) كانت أقرب منها للأيديولوجية منها إلى العلم. أذكر هنا فقط بأن الهويات تتداخل، خاصة في مجتمعاتنا. نحن في العراق، على سبيل المثال، نصنف أبناء وبنات مجتمعنا كعراقيين، وقد يكونون أكرادا أو عربا أو تركمانا الخ، شيعة أو سنة أو مسيحيين أو صابئة أو أيزيديين، الخ. فما أريد أن أقوله هو أن الهويات المتعاقبة لا تدمر الواحدة منها الأخرى. فهوياتنا الاجتماعية والدينية والأثنية المتعاقبة قادرة أن تتعايش دون عناء، وكل هوية لا تعمل بالضرورة على إضعاف وتدمير الأخرى إلا إذا كانت مدفوعة بوعي نحو ذلك وموجه أو محكومة بظرف موضوعي يدفعها باتجاه الكف عن العمل بالتعددية الهوياتية للمواطن العراقي. مثلاً، يعيش أكراد العراق اليوم هويتهم الأثنية أكثر من هويتهم العراقية. وهذا أمر طبيعي في ظروف العراق الحالية. ولكن هكذا تصنيف هو أيضاً إستراتيجية محسوبة ومدروسة كونه يدر عليهم بالنفع أكثر مما لو قدموا أنفسهم كعراقيين فحسب. فيتحول التأكيد على هويتهم وخصوصيتهم الأثنية إلى نوع من المطالبة بتقاسم السلطات السياسية والاقتصادية والرمزية بل وحتى تقاسم السيادة.
ثم انتقل مدير الندوة الدكتور عبدالجبار الرفاعي للحديث عن (الخصوصية والهوية المركبة ) وأشار الى ان هناك علاقة عضوية بين موضوع الهوية والتعددية، فمما لاشك فيه ان تكريس الهوية النقية أو الهوية الطهرانية، منبثق من مفهوم عرقي أو ديني مغلق يفضي إلى إلغاء الآخر. والإيديولوجية الفاشية دائماً تلوذ بوهم الطهرانية، وان هذه الهوية متفوقة واصطفائية. بينما كل هوية في صيرورة أبدية، وفي تشكل دائم، وليس هناك من هوية سكونية قارة، خصوصاً في عصر ثورة المعلومات الذي نعيش فيه. هذا العصر الذي أتحد فيه المكان وأصبح الزمان نسبياً، وانهارت الحدود الجغرافية التقليدية. فإذن الهوية تبدو: هوية مركبة، أو مرقعة، أو مزدوجة، أو هوية بأربعين وجهاً. وبالتالي هذه المستويات التراتبية للهوية التي أشار إليها الأخ الدكتور هشام موجودة في كل المجتمعات، وهي تعبيرات عن ان هذه الشخصية تتكامل فيها مجموعة من الهويات المتجاورة التي لا تلغي إحداها الأخرى، وإنما تتفاعل وتنسجم، وتمثل تعبيرات اجتماعية وثقافية متنوعة. والسؤال هو: كيف يمكن لمجتمعاتنا التقليدية أن تتجاوز فكرة الهوية النقية الاصطفائية الطهرانية، وتدرك ان الهوية في عصرنا هذا، هي هوية مركبة مرقعة مزدوجة، وفي صيرورة أبدية؟
فأوضح الدكتور بوحديبة بأن المجتمعات التي تنطوي وتتقوقع على جذورها هي مجتمعات فاشلة. تستعمل تلك الرموز، ولكن الرموز تتهرأ. تستعمل الماضي، ولكن الماضي يضيع. تستعمل المبادئ، ولكن المبادئ أيضاً تفشل. فمثلاً كشف أحد الباحثين ان مفهوم العدل انحدر إلى العدالة كمؤسسة، وانحدر في الواقع الاجتماعي إلى العدلية التي هي متضاربة تماماً مع مفهوم العدل ، فإن الكلمات والرموز تتهرأ.
من هنا فإن المجتمعات التي لا تعول في هويتها إلا على عنصر معين هي مجتمعات تتماسك، ولكنها في نهاية الأمر تنحدر، تتناقص قوتها، فهي شاءت أم لا كتب الزمان لها أن تكون في انحطاط مستمر. وهذا ما جرى بالنسبة للبلاد العربية. في حين ان هناك عنصراً أخر، عنصراً دينامياً، وهو النظر إلى الأمام، النظر إلى ما يمكن أن نبنيه، أن نقدمه لشعوبنا ولأبنائنا ولدولنا.
بالنسبة إلي فإن الهوية الحقيقية هي مشروع يتحقق باستمرار وليست فقط وراثة. وإن كانت وراثة فيجب ان نستغل ونستثمر هذا الموروث؛ ولكن أصلاً الهوية هي مشروع حضاري يتشكل، والبلاد العربية تبحث الآن عن مشروعها الحضاري، فلجأت إلى كل العناصر الممكنة تاريخياً، والتي استقتها من هنا ومن هناك، لجأنا إلى الليبرالية، إلى الاشتراكية، إلى الشيوعية، إلى كل هذه العناصر التحررية. وفي نهاية الأمر نحن في حاجة إلى تفعيل الهوية كمشروع ننظر به إلى الأمام، نؤمن به، ونجعل أبناءنا يؤمنون به، ويواصلون العمل على بنائه.
واضاف الكتور عبدالوهاب بوحديبة ان : هذه قضايا هامة جداً وخطيرة، ووراءها ملابسات كثيرة، لأننا لا نزال نتحرك بحكم التعصب الديني. أذكر ذلك لأني دعوت في السبعينات إلى حوار بين الأساتذة المسيحيين والأساتذة المسلمين، وقد عقدنا أربع ندوات، وفي إحداهن تناولنا قضية كانت آنذاك جديدة جداً، وهي قضية معاني الوحي والتنزيل، لنقارن ونتباحث بين مسيحيين ومسلمين، واتضح لنا والله أعلم: ان معاني الوحي هي معان تتطور حسب عنصرين أساسيين، هما:
1- الجدليات التاريخية.
2- التجارب الشخصية.
الكتاب المقدس هو موحِد، وليكون موحّداً لابد أن يكون موحّداً إلى مستويات معقولة. والتجارب الدينية هي تجارب فردية أو جماعية، ولكن تتجدد بحكم ما يجري في التاريخ والتفاعلات بين المؤمنين وربهم من ناحية، وبين المؤمنين والمؤمنين الآخرين من ناحية أخرى.
ولابد أن ندخل في كلمة المؤمنين الآخرين، الذي يؤمنون بطقوس وبعقائد لا تتماشى دائماً مع حيثيتنا نحن. ولذلك أعتقد ان لا مناص لنا نحن المسلمون ان نفكر ملياً في نتائج هذا الحوار، لأن الذي يجري عادة ويفشل الحوار في هذا الإطار، اننا نريد أن نغالط أنفسنا ونغالط الآخرين، أو أن نعتقد اننا لما في الحوار مع الأديان الأخرى توصلنا إلى شيء موحد نسارع لنقول: هم أسلموا ، في حين انهم لم يسلموا، ولم يتمسحوا، وإنما وصلنا إلى مستويات من الفهم الديني والتعمق بمعانيه جعلتنا نجد ثوابت مشتركة، ولكن هذه الثوابت لا يمكن أن تغلطنا، ونخطئ في تأويلها، فهي تخضع بدورها من ناحية إلى ثوابت الكتاب المقدس بالنسبة لكل دين معين، وتخضع في نفس الوقت إلى تجربة فردية. كلنا نتكلم عن معان روحية، ولكن وراء الكلمات معاني تختلف وتتغير وتتطور، لذلك أظن اننا في حاجة إلى مزيد ومزيد من الفلسفة المقارنة للأديان، من اللاهوت المقارن، من الدراسات الاجتماعية النفسية، حتى نقول ما معنى هذا المبدأ، ما معنى القرآن؟ وللقرآن معان مختلفة. هناك من يعتبره شيئاً، طلسماً، هناك من لا يقرأه ويضعه كحرز. وهو مستواه في الدين له قيمته ووظيفته الاجتماعية والدينية. وهناك من يرى فيه تقنينا، قانوناً، شرعاً، شريعة، يتمسك به، وهناك من يرى فيه روحاً تنبثق بصفة متواصلة من جيل إلى جيل، بل ربما في إطار التجربة الروحية الفردية، التي تجعل الإنسان بين فترة واخرى يجد في نفسه للكلمات معاني أخرى، أي ان الرموز تختلف، وتحيى أو تموت. نحن في حاجة أخرى ان نخضع الطقوس الإسلامية والمعاني الإسلامية إلى هذا النوع من الدراسات. ولا نغتر بأن نظن ان هناك ديناً واحداً، وان هناك إيماناً واحداً. هناك تعددية في الإيمان بالنسبة لكل دين، وتعددية بطبيعة الحال بالمستوى الكوني بين الأديان.
الأديان تموت، والأديان تحيى، حسب المعاني، الأديان تنتقل إلى فلكلور، تنتقل إلى تقاليد، تفقد حيويتها، لأن الرموز هي في ذاتها تتغير. ان المعالم والرموز تختلف، أنا لا أرى الكعبة كما رأيتها منذ خمسين سنة، تغير موقفي منها، ولا أراها كما كانت تراها أمي، ولا أراها كما كان يراها أبي. هل هو أصح أو أقرب؟ لا أعتقد، لأن العقيدة تنبثق من الروحانيات، ومن تلك التجربة العميقة جداً، ونحن في حاجة إلى تعميقها أيضاً.
اما الدكتور باقادر فأكد بأنه : على صعيد اللاهوت الإسلامي نقر بأن هناك أديانا أخرى ، وبان الله سبحانه وتعالى قرر سلفاً أن تتعدد، ونحن نعترف بكل الأديان السابقة لنا. لكن هذا فقط على المستوى العام، ولكن بالنسبة لمستوى الإجابة، فيبدو هناك ثلاث إجابات، وأنا أنقل عن أحد اللاهوتيين إذ يقول، وأنا أوافقه: ان هناك إجابة بسيطة، ما يسميها هو بالإجابة الأصولية، وليست فقط عند المسلمين ولكن عند كل الأديان، أنا على حق والباقي على باطل. وهذه إجابة وثوقية ومريحة للنفس. وهناك إجابة قلقة، وهي ما يسمى بالنسبية المطلقة. وهي ترى ان كل الأديان صحيحة، كل الأفكار صحيحة، كل الروحانيات صحيحة، بلا معيار. ثم هناك نقطة هي الحقيقة المقلقة، ما أسماها غيلنر بالعقلانية النسبية، وهي انني أعرف كيف أبرر ما أؤمن به، لكن لدي من الذكاء والفطنة أن أتفهم ما يمكن ان يبرر به مؤمن آخر إيمانه. وهذه تحتاج إلى مهارة وثقافة وقدرة على الفهم والتأمل والتأويل، ومعرفة لاهوت الأديان، وجوهر الإيمان. وبالنسبة للعالم الإسلامي هناك ثلاثة إتجاهات مختلفة:
1- السلفيات في كل المذاهب؛ والتي ترى ان مذهبها وفكرتها هي الصواب، ودائماً تحتج بالآية القرآنية (ان الدين عند الله الإسلام) وهي الجماعة الحق. في الثلاث والسبعين فرقة هي الفرقة الناجية، هي الفرقة الصحيحة الوحيدة. وهذا ما أفضى إلى: إرهاب، وحروب، وصراع، وخلاف.
2- بعض المواقف الصوفية، والمتجسدة في فكر ابن عربيوالذي ينشد:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي اذا لم يكن ديني الى دينه داني
وقـد صار قلبــي قابــلاً كل صــورة فمرعى لغزلان وبيت لأوثان
وديـــر لــرهبـــان وكـعـــبــــة طــائــف وألـواح توراة ومصحف قرآن
أدين بديـن الـحب أنـــى توجهـت ركائبه فالحب دينــي وإيمــانــي
ولعل هذا المعنى يفقد التعددية معناها، لأن كل شيء يكون صحيحاً، وكأن المعايير تنهار، والحدود تتلاشى، وتتداخل الأمور، وتلغى الفواصل والمسافات بين الحقيقة وسواها.طبعا يصح هذا الكلام اذا فهمنا ماذهب اليه ابن عربي فهما مبسطا ، غير ان الفهم العميق والدقيق لرؤيته يفضي بنا الى موقف آخر.
3- الموقف الوسط، وهو الموقف المعروف في التراث (رأيي صحيح يحتمل الخطأ ورأي خصمي خطأ يحتمل الصواب). لكن صياغتنا الحديثة هي: انني بقدر ما أؤمن وأرى مبررات إيماني، ينبغي ان يكون لدي الوعي ان أتفهم لماذا غيري يؤمن بتلك الصورة.
هذا مستوى مهم جداً. والمستوى الآخر، هو اننا مازلنا نعيش في عالم إصدار الحكم النهائي فيه هو بيد الله، واننا في تعاطينا جميعا مع الآخر نذكر حالات وحوادث لابد من التريث فيها قبل اصدار أي حكم ، فإن من نراه كان زنديقاً ربما كان عند الله مقبولاً، أو ما كان مخالفاً لنا ولا يتطابق مع موقفنا المذهبي لا نستطيع ان نجزم بهلاكه ولعل الجزمية والاحكام القطعية تنشأ من طغيان التقاليد وبسبب الرغبة في الوثوقية، فكل الناس ترغب ان تكون واثقة مما هي عليه، فان صاحب العقل هو الذي يشقى وصاحب الوثوقية يسعد، لأن الأمور تصبح لديه أسود وأبيض.
لكن الدكتور عبدالله ابراهيم يقارب الموضوع من زاوية مختلفة فيؤكد بصراحة : أنا سأكون واضحاً، التعددية الدينية تقتضي العلمنة، علمنة الدين، وإخضاع الظاهرة الدينية للبحث التاريخي والنقدي، وذلك لا يتم إلا بالفصل بين النص الديني المؤسس والتفاسير اللاحقة له، وتعريض تلك التفاسير إلى نقد جذري، يبين مدى تواطئها مع عصرها الذي ظهرت فيه، فهي تلزم أهلها وعصرها ولا تلزمنا بشيء، أقصد التفاسير. حينما ننجح بنقد التفاسير، التي هي اسقاطات لرؤى ومفاهيم ومقولات وجهاز ثقافي خاص بالمفسر، أو صاحب المذهب في عصره، أعتقد أننا نحرر الدين من العقبات التي تحول دون وصوله إلينا.إذا نجحنا في هذه المهمة، مهمة علمنة الدين، تصبح الأرضية ممهدة للتعددية الدينية والثقافية، لأن الدين يصبح تجربة فردية تاريخية، وليس تجربة لاهوتية تلزم الجميع بالطاعة، ومن هنا تتهيأ الأرضية المناسبة لظهور تنوعات وتفسيرات مضطردة للظاهرة الدينية. وأقصد بعلمنة الدين إدراج الدين في الوعي العام كظاهرة تاريخية، تصلح أن تنخرط في تنظيم العلاقات الأخلاقية العامة، وترك التفاصيل الواقعية للقوانين الوضعية التي تستجد وتستحدث باستحداث العلاقات وحاجات الإنسان في كل زمان ومكان، طبقاً للتعدديات المتنوعة في الجانب العرقي والثقافي والديني. ترون أنني لم أتحدث عن أية تعددية متحققة في هذا الحوار لأنني أعتقد بغياب الأرضية التي تنبثق عنها، يلزمنا في البدء تدشين نقد جذري للأرضية المانعة للتعدديات، والمدمرة لها، ولكن طرح الموضوع على بساط البحث يدفع بالقضية من مستوى المأمول إلى مستوى المتحقق.
يتبع
