هذا فصل من رواية شعرية جديدة للشاعر العراقي الشاب بشار عبد الله. الرواية غير منشورة لكنها فازت هذه السنة بإحدى الجوائز الأدبية التي تمنحها منشورات ناجي نعمان بلبنان، كما ابلغني الشاعر شخصيا بالخبر. إلى ذلك فإن بشار عبد الله مهتم بالتنظير لقصيدة النثر ونقدها والكتابة عنها تأليفا وترجمة عن اللغة الإنكليزية التي درسها ويجيدها، وأصدر في هذا المجال رفقة شعراء آخرين كتاب بعنوان "الاجتثاث والمغادرة"، كما انه تعزى إليه تلك المحاولات الدؤوبة أوائل التسعينات من القرن الماضي لاستبدال مصطلح قصيدة النثر بمصطلح "القصاصة" فيما يشبه الحمى العراقية وقتها من اجل الاعتداء على تسمية قصيدة النثر بعد الضيق بها. ويخيل إلي ان هذه الرواية التي بين أيدينا فصلها الأول بعنوان "من يسكب الهواء في رئة القمر" ما هي الا امتداد لتلك المحاولات التي كان بشار عبد الله في طليعة الجيل الذي سمي بجيل التسعينات والذي وجد في السرد وفي قصيدة النثر ما يقض مضاجعهم الشعرية فراحوا يقذفون ذاك وهذه، بقدر ما فهموا بشكل واع تماما تلك الوشيجة الأكيدة ما بين الحكي والاستعارة الشعرية في سبيل صنع قصيدة نثر عربية صحيحة.
قراءة سعيدة لكم في هذه الرواية الجميلة
. (حكمت الحاج)

القسم الأول

في زمن يضيع فيه كل شيء، لا بأس أن تضيع الفكرة

- 1 –
مشحوذة كَيَدِ موظف ضريبة هذه السنة ملأنا جيب حزيرانها بالموتى، ووشمناها بلحظة مرارة كانت تهرول خارج السياق. وشمناها وعدنا بها الى شِفاه السياق، ثم كضحكة وخطتها الحرب، انزلقنا الى ضغينة ظلت تفغر فضاءَ ها في فراغ المزولة.
والسبت ظل حاسر السماء؛ من فوديه تتدفق مصائر من بايعوا المعلم الصارم وملأوا بطنه بكلام لا يفقههه الحواة، كلام تتلاطم في احواضه تنبؤات التاروت العاقلة واستغاثات بحر ايجة الغاص الى العنق باحلام غريقة وعقلانيات ابن مسافر التي استقطرتها تجسداته الاربعة والستون من بذور التغيرات واسرت بها الى نهارات طاب لها المقام في صومعة السعد المحمولة على اكتاف اربعة معلمين: باباجي، سري يوكتسوار، كَورو ناناك والطوخي الفلكي.
حملوه ومضوا به خارج الكلام، غادروا به ليصير الكلام حطاما طافيا فوق امواج الشتائم، ايام كانت الشتائم انواعاً، منها العَمْ مودي و العنقودي وصمون الجيش المقفّى بالاجبان كلّها سوى الـ (كيري) الذي كان يخدش حياء الآريات ويحرج الفرسان الآريين في الربايا. ومن الشتائم المطعمة بامزجة مذيعات الاعلان وغنجهن المسكوب داخل عبوات الرطانات من شربت فرات ومينو والقائمة مفتوحة لتشمل نقيع التمر ونقيع النسيان والتناسي، هذا الى جانب شتائم الغاز الخام، والمنقى لتعبئة مقدحات المرَّة الواحدة، مع اعتذار الشتامين عن تلبية النداء القادم من مقدحة الافق المحمولة على كتفي سعد محمود وزاريه الملاك.
وكان يمكن ان تبتلع القائمة في طريقها ما يندفق من عبوات الكَلامور والغيرلين واخواتهما المتضاحكة على كل انج هانئٍ فوق نجوى كرم ولطيفة وانغام وديانا حداد وما يتصاعد من جيلهن خارج الحدود الاقليمية، وكذلك ما تعلمن ان يدلكنه على الطريقة العبرانية بين اثدائهن من النادرين، وعلى بطونهن من الزنبق، وعلى افخاذهن من اللوتس، وبين اوراكهن من النعناع والزعتر وعلى عصافيرهن من التوسيرام والليزر، العطر والسلاح، وعلى اقدامهن من البلسم، ولكن الشتائم وجدت لها ايضا ممرا عند سابع منعطف للكسوف جهة النهار، وبقي الحطام معلقا بين تعفف الطفو وشبق الموج.
ومد المعلّم يد غفلتِنا واقتلع بها من سماء السابعة عصرا اخر غَسَقٍِ حطَّ على زرقتها المحكوكة، جريا على صرعة اقتلاع الحطاطين على الجينز المحكوك ومؤخرات النساء المحكوكة على الظرفية لحظة يدمدمن: ما كان الفقر ليحط عندنا، لو لم يعرف اننا اكفاء في مهاجمته. لكن، لم تكن هناك خيول او بغال ولا حتى حمير. والبقر لم يتشابه علينا بعد ان تقمص ابقارهم جنون الموهومين بانتصار موانع التفكير ودشداشات شاكر المهفهفة فوق احذية البلدوزر.
كل شئ ممكن اذاً، ما دام في السنة شئ اسمه حزيران وخلفه الاف علامات الاستفهام. طابور الاسئلة كجيش الاسكندر لا ينتهي وكالأنكشارية لايفتح مسربا لأنطلاقة اجوبة.

***
يوم بلا غسق، وكاهن بلا اصابع يبحث عن وحي، أي وحي ليشهده على ولائه لابن مسافر الذي هبط ذات لثغة الى وادي الاحلام ولم يعد. هبط وغاص ولم يعد. بحث عن القميص المقدس بين ركام الحضارات الملطخة بدماء طواويس وحصافات ملائكة هادرة بين رغبتين لـ طيطفون•. هبط ولم يعد .. هبط ولم يعد .. هبط ولم يعد، وظل هاتف تي . في الشباب ذو الرقم 7791212 يتلقى هبط ولم يعد وينفخها في شريط الاغراء بجائزة كبرى لمن يعثر عليه. لكن كل شئ ذهب ادراج الكوابيس الثقيلة والخفيفة والنمساوية ذات الأنين وحتى المتمركنة في قوقعة الخوف وحاويات الضباع.

***
لم يبق في الحضرة من احد. كلهم سافروا .. السعد والصلاح ومحمد الفاتح واديبهم الوحيد .. كلهم .. كلهم .. كلهم .. سافروا وتركونا وحدنا الى جانب فكرةٍ صارَ من حقنا ان نفتح تاءها على الرطانة. كانوا كثرةً من الأب والأم والعم والعمة والأخوال الذين استقلوا مقبرة مسرعة كالضوء. مروا بالابراج الاثني عشر واكتشفوا ابراجا اخرى: برج التوسيرام والارقام المدقوقة واسمهان خوري، وروزي عبده، وحسرات اخرى مثل فاطمة بن حوحو ودليلة بن مراد، ونشوى، وليليان اندراوس، ورندة جدعون .. مرّوا بها وورموها بهموم الابناء الذين صارت خراطيمهم كالحبال تسحل في ساحات العرض الصباحي وفي خيبات البنات العوانس او الثيبات اللاتي وقعن في شرك بوصلة معطوبة او اللاتي قررن البحث عن ذواتهن خارج المزابل الآرية. ورّمونا نحن ايضا وأتموا رحلتهم الى هناك. وظلوا يسألون عن الـ هناك، وظلت المشكلة الاكبر تضرب باقدام ثقيلة وصارمة على ارض هواجسهم لتطلع ماء على نية العريف محمد جفال. لكن الماء بقي راكدا في قعر خيبة العريف، والمقبرة التي سافرت لم تعد. اين سندفن من تبقى اذا زارهم عزرائيل؟ وماذا لو حصل خطأ في النسخ وقرأها الجيل البريكي سهوا عزازيل؟
يوم بلا غسق، غاب في احراشه العريف، ونامت الخيبة، وتثاءب قعر الضرورات. وصاح به المعلم: فتحت كل شئ ورحلت وأبقيتني معها بلا نواميس او قواميس، لماذا لم تخبرها كما اخبرك المعلمون الاربعة، بأن المربع الحقيقي ليست له زوايا، وبأن بوابات الغيب تنفتح كلما اجهضت نفس رغبة. وانتِ لماذا لم تخبريه، كما اخبروك، بان المبالغة بشحذ السكين تثلم حدها القاطع، وبأن المبالغة في التداهي تقفل مداخل السماء وتكبل الاشكال بالصور والصور بالاشكال؟ وانتما معاً، لماذا لم تنتظرا حتى اقول لكما، كما قال لي المعلمون الاربعة، اصنعا للغرفة ابوابا ونوافذ، ولكن اعلما ان الفتحات هي التي تجعل السكن صالحا وان صلاحية السكن مرهونة بفراغ الغرفة لا بالجدران.
لماذا افترقتما قبل ان اقول لكما ان دهاء السلف هو الذي اباد قعر المعرفة وانه باجتناب القداسة والحكمة والاخلاق والرحمة تولد البداية المعقمة من اللصوص، وانتِ، لماذا تضعي اصابعك في اذانك كلما قلت: في البدء كان ثمة شئ، تشكل خلف بوابة اللغز الاكبر، وخرج قبل الطواويس والملائكة، وكان بابه بلا قفل، لأنه سبق الأسود والأبيض.
أنا العالم الذي تحسبين نفسك قادرة على تحسينه. ولا تعرفين انك ان حاولت، فستحيلينني الى خراب. اذا كيف؟ تعالي معي نبتعد عن الحروب والسنوات ذوات الألسنة اللاهثة خلف الحروب. ثم قلت لها: تعالي نجهض الفعل. نعم، نعمل، ولكن بلا فعل. هكذا المعلمون الأربعة علموني: "افعل الاقل فالاقل، حتى تستكمل اللا فعل، واذ لا تفعل شيئا فلن يبقى شئ غير مفعول، العالم يقوم على ترك الأمور لمجاريها، ولا يمكن ان يدار بالتدخل.•
وتسألينني: كيف؟ وأجيبك: هكذا .. تعالي نلعب. انا العب آدم وانت تلعبين حواء، ولكن هذه المرة بلا شجرة ولا شيطان ولا ثمرة. ولنبدأ من الحروب والجوع والجوع والجوع والجوع والجوع والجوع والجوع وكذلك من الجوع.
لم تستطع نسيان تلك النشأة الأولى. وانا كأي ادم جبت الأرض سبع مرات لأعود اليها بأول رغيف افلت من بين ايدينا، دون ان اجد لها اثرا، في كل مرة اعود الى تنورها الحجري.
هي ايضا دارت الارض سبع مرات لتعود بي الى تنورها الملتهب. وحين التقينا اعجبها ان تلعب فأرة وترغمني على ان العب قطاً. وكأي ادم مرغم على التقطط قلت لها:
- اقلقني ان لا اراك وانا اجوب الارض سبع مرات.
وكفأرة حاذقة تنوي نبش تنورها بدماثوغٍ، صارم اجابت:
- لكنني لم ابرح هذا التنور منذ انطلقت.
ادمع العمود وفار التنور اكثر. هل كتب عليًّ ان اتجسد خطاءً في كل مرة؟ هل كتب علي، في كل تجسدٍ، ان ادفع حواء الى حلق طيطفون؟
- طيطفون على الباب!
لكنها لم تجب. وافهمني دمعها ان النعمان كان متواطئا معه .. والا فكيف ضاعت المناذرة ؟!
ثم انها قرأت لي ورقة تاروت كان قد خمرها المعلم الصارم في كيس تبغه منذ تجسده الثلاثين:
لم يمت النعمان تحت اقدام الفيلة
قتل بعد اغتصابه طيطفونة
انتقاما للفحولة
وتمريغا لشرف بعلها الطيطفون
في اوحال
ظلت تتأسن داخل بصيرته
ثم درنا الارض معا سبع مرات اخرى؛ وكانت تستهويها في كل دورة فكرة ان نخبز رغيفا كي يفلت من بين ايدينا ويجري، فأحبّها اكثر. بينما اجرجرها انا الى مسالك لم تطأها اقدام حدسها؛ اخذتها الى الفكرة مفتوحة التاء على الرطانة،ودرت بها على السحاقيات اللاتي يلهثن في اتصال لا ينتهي خلف الستائر المواء الازلي لاباء وامهات يفعلون كل شئ مريع من القبلة والرفع والنصب الجر ودق الرقم وحتى الرعشة والشخير. ادمعت روحها وعطس التنور، وتوهج الكلام اكثر، وتجنح اللسان صوب الجوزاء الباردة كالازبري، وهي لاتعرف عن نكهات الشخير والمواء والرفع والنصب والجر الا في حدود ما وردت منه توصيفات بالتراسل والتخاطر المثلجين. ادمعتها روحها فانفجر الكلام وانغرست كبائر اللسان في كل محظور وانساحت الدفائن:
للسان الى جانب النطق
وظيفة تنطيق المثلثات السحرية
حين يفترشها ويلعق زواياها ويعطسها
لتقول اعجازات كتلك التي استوحى منها حمورابي
شكل مسلته الخالدة.
والا فكيف اهتدى الى تصميمها هكذا:
اسطوانة على رأسها حشفة
ثم كررت:
- تعالي نلعب. انا العب ادم وانت تلعبين حواء
- تعال نلعب. انا العب فأرة وانت تلعب قطاً
- ….. انا العب ادم وانت تلعبين فأرة
- ….. انا العب حواء وانت تلعب تفاحة
- ….. انا العب شيطاناً وانت تلعبين تفاحة
- ….. انت تلعب خبازا وانا العب جائعة
لماذا لم تفهمها وفتحت كل شئ، واجبرت المعلم على دخول برميله الى الابد؟؟

***
يوم اخر بلا غسق، وجوع يفتح فكيه ومطر، لكن من سلاحف وجدالات وازمنة ومثلثات فقدت سحرها وهضاب بديلة. فجأة تفاقم جدل بين العقال وبين السماء واذن مؤذن: ايتها الحروب، انكم لسارقون واذنت: ياحرباً او امرأةً جديدة او سرفات او قمحا يحترق او جوعا ينبت في الحقول، او …. لم تعد للدوال اهمية. وصحح للسماء المعلم:
منذ انقلب الدورق
وساحت ذرية ادم
على مساء السابعة عصراً
منذ ان رجموا برنابا والاناجيل الثمانين
وجزوا عنق التوراة
منذ اغتسلوا بدمها الدافق على جسد التضاهرة
صار القلب زيارة عابرة في الجسد.
واذنت جوزاء المناذرة .. اغثني ياكاهناً بلا اصابع من الاصفار ومطابخ اهوائهم فاغرة القدور والصحون والابخرة، وعمِّد احلامي المتبقية من غواية امنا المقدسة. اغثني، انا حفيدة المعلم الاول الذي دخل الزير ولم يخرج وتعقبوه في تجسداتهم كلها، بينما سرحوا نواياهم المبيتة خلفي. انى اتجهت فثمة نية تبصبص وام مقدسة تصفح وجهها كي لا يأخذوه. ياعمر الدفاتر والمخطوطات قبل الكتب اغثني من اصالهم المتقهقرة وافرش تحت بصيرتي افاق اليقين. ثم انها اضافت الى حاشية اذانها المعنون الى ظمأ المدن المعوقة هذا الهامش:
كنت تقول لي اسرجي نبض الجواد الجرئ لمن طالبوك بدليل العذرية، لكنك خذلتني وقدمت لهم اوجاع من طالبوك بالفرح باقةً من نجوم الاغلفة المحاصرة الى ابراجهم السقيمة. وكنت كلما قلت (آه) تترجمها لهم " دم في رداء دخان " بدلا من "دم نافر في عروق مسلة ".. واذاً فقد عرفت كيف تحز رقبة الغيب وتصب ملح كوابيسه فوق حلمي الجريح ونسيت انك من سميتني " السيدة جداً "
وصاح المعلم: ها انت ذا فتحت كل شئ ورحلت وابقيتني معها بلا نواقيس قبالة
برميل اعزل .. يا انت يا من طفحت سماواته الى العنق بماء النسيان والتناسي، هل لي بكأسٍ من نقيع الشمس؟ هل لي بعبرانيةٍ، اراميةٍ، فرعونيةٍ، كنعانيةٍ، آريةٍ – تتناول جبنة الكيري بلا تحفظ – كلدانيةٍ، خلاسيةٍ، تدمريةٍ، باريسيةٍ، ويلزيةٍ، دايانيةٍ في تنور سيدةٍ جداً كي اعلفه دفعة واحدة واستريح.

-2-
لو كنت اعلم بما ستفتحه علي بوابات قرطاج التي دخلتها جوزاء المناذرة بعدي، لملأت بها احشاء سياق اخر لا يتماس مع تأثيرات الكواكب المكتنزة بالنساء العاديات المتألهات في سماوات السذج وهن يتطلعن الى جدران الفناجين بحثا عن المجونات السيالة في غرف الزوجية وهن المتعثرات دوما بحتميات الواجب والسأم واجترار لازمة عمر الطالب التي لدغتها الحية، وآية حية‍
انا المحتال الذي بالت على ثيابه اللهفةُ الى ليندا هاملتون وصوفي مارسو ودايانا الاميرة وهوليا ازرق ازرق ونبيلة عبيد السيدة جدا جدا جدا، ومن حبيباتي الى الخيبات الاربع اللاتي كانت سكين طالعي امضى من خلواتهن الشرعية، انا المحتال يا جوزاءهم، كما تحللين بنيات ما فصله الراوي وارتداه المروي له، احلل بلا خجل ملابس هذه الرغبة المختنقة تحت الوسائد الدينية، واسافر الى خصر السؤال الوحيد عن معنى هذه الوسائد التي تحول بصري الى ما يتثاءب من كسل وتهاون واسترجال بين الفخذين، بينما تلمحين انت هذا الذي اسميه تحليلا وتسمينه انذهالا، واراه رغيفا يركض ولا تقوى على اللحاق به هذه الرغبات، وترينه سببا لانتصار فأرة، يتبع سببا من خلفه سبب ومن بين يديه اسباب، وانا لازلت اجوب الارض سبعا سبعا وانت خلفي تدورين وتعلفين التنور فلماذا اذا كل هذه الوسائد وليس في الطريق من عمود يفاوض؟ لماذا تطفئين ماكنة غفلتي كلما فاوضت تنورا تجلسينه بين الفخذين وتتوجينه بصرة دامعة؟ لماذا تعليفنه دون ان تفكري في تنظيف تلك الرغبة على الطريقة المصرية؟ لماذا تفضلينها مشعرة على طريقة العبرانيات؟ هل جربت ان تقذفي بالدغل خارج ذلك الذعر لتدركي كفرعونية، ولو للحظة واحدة مفعول الزينة والعطور والالوان على ادم سيخبزك يوما لا محالة اسطورةً فضولية الطبع يعرف انها لن تشي بارقام حظها الا لمومياء او لفكرة انتحار تهمس لها من خلف ستائر الحكمة.
هل كتب علي ان اتجسد مومياءا او فكرة انتحار لعوب كي انسيها سفر الوسائد المتشابهة ووهم الرغيف الاول؟
لماذا لا تأتين فنلعب انا العب علافا وانت تلعبين تنوراً؟

***

على طاولة مجاورة ثمة صفر يفاوض ثيباً او بنتاً. قلت:
- تعالي نلعب. انا العب ادم وانت تلعبين حواء
- تعال نلعب انا العب فأرة وانت تلعب قطاً
• بدأ الصفر في اخذ وجهها
- تعالي نلعب انا العب ادم وانت تلعبين فأرة
• اخذ وجهها
- تعالي نلعب انا العب علافا وانت تلعبين تنورا
- انا العب فما وانت تلعب حسرة
• شخر الصفر
- انا العب شيطانا وانت تلعبين حواء
• تسلم اول تحويل مصرفي عن نصيبه من حزيران
- انا العب حواء وانت تلعب تفاحة
• جلست الى جواره ثيب اخرى او بنت.
صرخت بالطاولة وهي تهبط سلالم قرطاج:
- تعالي نلعب انت تلعبين حزيران وانا العب صفراً
• هبطا. غادرت. انا الوحيد بلا طاولة صار من حقي ان اطلب ليندا هاملتون بزي قروية منصوبة على الشرقية وهوليا ازرق ازرق مبنية على التخصيص ونبيلة السيدة جدا جدا جدا
- تعالوا نلعب انا العب وحشا وانتن تلعبن كاثرين
وفارت تنانير وامتلأت قرطاج بالحجاج، يهتفون:
لك وحشة ياطحين الصفر
ويا دهن الراعي ويازيت البنت المقدس
وياشخاط الامين
ولك الاجر على الصبر
ياطحين الحصة التموينية
بالقوة صيروك توأما للسمك
مأكولا ومذموما ثم بالقوة نضدوك
سطور استنفار
في افتتاحيات الصحف المحاصرة
وفي حكايات سمراء دار السلام
التي قال عنها هدهد المناذرة:
" في عروقها تهدر تجليات السلف الصالح من كونفوشيوس ولاوتز ومينشيوس وبوذا وسعد محمود ومعلميه الاربعة حاملي صومعته التي يجري من تحتها هدير الابدية، وانتهاءأً ببرمهانسا يوجنندا وابن مسافر وحفيدته ذات الاحزان الخالدة "
واضاف الهدهد:
"في السابعة من ذلك السبت حاسر السماء استمكنت ماسورة الغضب العبراني حكاياتها، لكن اجدادها حضروا دفعة واحدة واجبروا قائد التحالف على ان يصرخ:
- لا تطلقوا النار. انها قلعة اور!
وحضر لتحية اجدادها ابراهيم ووقع معهم مذكرة تفاهم خاصة بالحكايات السمراوات لقاء وجهات نظر محايدة تحفظ حق دايانا ودودي في خلوة شرعية لا يصل اليها الكاميريون. وقال لهم ابراهيم في لحظة الوداع:
- لن يكف العبرانيون عن محاولاتهم في تهريب (آور) الى التيه بعد ان اخفقت في لم اطرافه (شليم) "
وحين خلونا لبعضنا قالت :
- ما رأيك ان نلعب. انت تلعب اور وانا العب شليم
- لكنني لااحب الحروب. احب معاشرة حواء جدا في مكان ليس فيه شجرة ولا شيطان ولا ثمرة. ما رأيك ان نلعب النصف الاخر لمشهد قطعته سكين الصحافة السريعة. انا العب دودي وانت تلعبين دايانا.
كان خوفها من ان يعلم الامير ويكسر عينها على الطريقة اليزيدية اقوى حتى من تجسدها التاسع والتسعين عندما وقفت في وجه (ياه) شخصيا ومسحت بشرفه بلاط بيت الدعارة الذي انشأته لصقا بمعبد العبرانيين الكبير، ولتضمه فيما بعد جناحا مترفا بملذاتها الخاصة بالشذوذات الفرنسية والاشورية والاكدية والارية المهجنة بابتكارات وجودية. وكانت تعرف ان الصواعق الثلاثين التي رطمت جسده قد خلفته عنينا. يا ياه العنين الان فقط صار بوسعنا ان نتعرى ونكتشف سحر السنة التنور امام رجال لا يضعون الدشاديش في افواههم ولا يسرحون خراطيمهم الرطبة الباردة على شرارة الزناد يا ياه اللعين، انظر الينا على محراب قدسيتك النافقة حيث نفور وحيث تغص انت بحقيقة اننا لم نكن باردات كالازبري. هل بقيت بك حاجة يا ياه الى ذلك الخرطوم العاجز عن الرفع والنصب …
قالت ذلك كله بصوت مرتفع متحدٍ وعلى مرأى الناس والملائكة والجن والعفاريت والاصفار. هل بقي شئ لياه؟!
- ياسيدتي انلعب ام انصرف.
وسمرني صمتها على جسر يربط بين احتمالين. لكنني اغمضت عيني ونسفت الجسر. لعبت دودي وعلفت تنورا جدا جدا جدا دون ان اعرف ماذا كانت هي تلعب بالضبط.

***
في الصباح اطلقت التحية.
صباح الخير ياطحين الحصة، ياسكيني الغائرة في رقبة السكينة، يانظرتي الباردة حين تشطفين العواصف عن الافق. صباح الخير يا اخر قربان ربما اقدمه للصمت كي احرر البحر من سدود اسهامتها الخاملة واعلن : صدقيني ما كنت لاحتقر موج البلادة لو لم اكن مرفأ للعواصف السائبة. وها انا ذا للمرة السادسة والثلاثين اضع السكينة على رقبة السكين كلما اندلق لسانها نحوي وانسج من وجع الهواء المقرح قلقا اخر كي يتأرجح بين زجاج الروح والبراري الهاربة. ارحني يا شيئا يتغرغر بالسخرية كلما تعثر بزمن واقذف بهذه الحمى الى قاع الروح لئلا يعلق بها تتطلع ما وقل معي بفرح:
صباح الخير ياطحين الحصة
ياحماه التي تستقر كقدر وقضاء
تحت جلد الغد واحفاده
صباح الخير يا اقاويلنا المعلنة؛
نحن نفتعل كل هذه الشكوك
لحاجتنا الى عراف حمى
لا الى طبيب باطني.
ظلت تحدق وانا اقول لها:
○ بمخابثة كانت الحرب تجثم فوق خوذة مثقوبة وتعلن عن ترميم مشهد ظل ينبسط بين وردة الوقت وبين الرغبة بينما كانت تجلس تحت جدار الوقت المتأوه بحار دم وصراخ.
○ هل قلت لك في لحظة ما تدحرج ورك الظهيرة الى فم قنبلة جائعة، وضل السيد جوع طريقه بين خرائب الوجوه و الاسماء المخنوقة بالاضاليل.
○ هل قلت لك، كانت كل الاشياء تحدق ووحده الرعب يكمم فم الانتحاب عندما جثم القحط فوق ارتباكي وحولني الى محض رجاء في حضرة سعر مختال.
○ هل قلت لك، حين فرغ الوقت من مص الخامسة عصرا، صرخت به:
ايها الالم، ارقص على كتف الاشاعة الخاسرة وعلى النصل الدائخ،قبل ان يسمع هذا الجريح على النقالة الراكضة هدير طائر العذاب، قبل ان تهضمنا حوصلة الغفلة.
○ هل قلت لك انه الوحيد الذي كان يجذف في شفقك الملتطم، قاصدا رمل الاشاعة، عندما اعلن القط السعيد عن رحيل اسفه المتقمص حاءاً مزمنة.
○ وهل قلت لك انه جاء على اكتاف جنون راجل الى دائرة النفوس وعدل اسمه من قحط الى قط لتكون له سبعة ارواح يروح بها عن انحناءاته الغزيرة تحت ضغط الاسعار.
○ هل قلت لك انني انتقلت بعدها من بدائية النار الى اخر تقليعة للندم وفتحت مغالق الذهول بروحانيات لا عمل لها غير انتاج صمت لاجيال لما تزل مجمدة في نخاع الغيب.
○ هل قلت لك لا خف للذكريات وذاكرتي كثبان؟ فاتركي الفراغ يرقص تحت رفيف النسيان وساكتفي انا بسكب الهواء في رئة القمر اتركي الفراغ فاسماؤنا تبدأ بالدفن ولا تنتهي في النطف وهم يعرفون ويعرفون، ونحن نعرف سماءً واحدة في الاقل تسير على الرمال ولا تغوص.
○هل قلت لك اننا في لحظة جوع تتطاولنا على السماء واصطدنا سحابة قاصية واننا اعتدنا السحاب المسكوف.
○ هل قلت لك انني بقطنة مبتلة بالسكينة مسحت عضلة السماء وحقنتها بجرعة من مصل مضاد للطائرات ثم هدهدت ابنتي التي لم تأتِ بعد، نامي وانت ياامها التي قد تتزوجني نامي، كي تستعدي وتنجبي لي سماءً بلا طائرات.
○ هل قلت لك، في المنعرج المؤدي الى الغيب المطعون غفلة، تناهت الي نغمة:
- ماء
ماء
وبأن لحظة عجلى حملتني على بساط ارتباك واسقطتني مطرا على السماء
○ هل قلت لك ،
كنت مهدورا مثل هذه اللفافة، كل ليلة في فم حلم. هل قلت لك كل هذا؟
- !!!!!!!!!!!
- اذا ماذا عرفتي عني وانا لم اقل لك شيئا بعد؟!!

3-
لسريري الذي ابقوه باردا عينان وفم وقلق. هذا المساء رأى وردة تطلع من عيون اليتامى والمساكين وابناء السبيل فانشد:
اللبلاب شيطان
مسكون بالسيدات
يطلع
من
عنق الليل
المرهون بتمرة
وينثرني
اواصراً
على
أ
ل
هـ
ب
ا
ء
.
كل شئ ينطفئ.
انطفأ ايضا نجمان. وبقي يبحث عني نجم مشدود الى لثغتك الصدوح. وكدت اسقط فوق دبابيس اول حرف اراد استراقه، فأنتشلتني مشدات الساعات الممطوطة الى اخرها. وهذا يحدث لاول مرة في الجغرافيا. لكنني لم ارد على هاتف الوقت. من يدري؟ قد تقفز الجاذبية نكاية بالنجوم، وعوض ذلك امتشقت سريرتي من غمد الرنين نفسه وحفرت على شاهدة الخليقة:
○ الضروري في حياتنا ابليس
○ النبوءة بمناشير الطين جاءت مثلجة لا فضل للشمس فيها على الظل.
○ والخطوات التي نفتني، نفتها احذية الزوال الى اول حلم معلق على قارعة السلام.
واصلت مقصات البرق تقليم لحية الليل النابتة من الموج الملتطم. كنا نصطاد بينما الاسماك تنتهز الفرصة لتثقب احلامنا وتدوزن الرعد قبل انفراط الزوبعة.
كل شئ ممكن اذا ما دام في السنة شئ اسمه حزيران. ثم بدأ ليل الماء يتعرى امام النار الراقصة قبالتنا هزيعا هزيعا وكلما سارت النبوءة يمينا حفر اليسار لها حفرة في لساني وبقينا نسأل: لماذا تشحذ الانهار شواطئها؟ ألتقطع اعتكاف الصيادين داخل اكواخهم؟ اذاً لماذا لا تشحذ الاكواخُ الصيادين فترد للموج اعتباره وللاسماك هيبتها؟
حتى البصيرة لم تعد تكفي لاحباط مخططات الايواكس وتصفية الحساب بين الخصوم. حتى الموجهة التي افردت لها اجنحة في غفلة من خطافات الوقت، لم يجدها التحليق الى ما وراء التقاويم. ترى ماذا سيفعل تاصياد وهو لم يعد يحظى بثقة الشواطئ؟
وصاح المعلم:
كل نسيان انا ما من احد ينفخ جاذبية في جيوب انفلاتي. هل سأبقى معلقا في عيونها وتبقى الرغبة المملحة تدمعني على منديل خيبة؟ اولم اخبرك بان قطرة الدم الان تأخذ شكل مكعب من المرايا؟ اذاً فأنظري ها نحن نجذف في انعكاساتنا المتلاطمة صوب اول رغيف. ها .. والان من سيمجد لعاب الشفرة المتلمظة الى حلكة تتهارش في احشائها النهارات، ومن سيمكنه نقع هذا الخوف في ضحكة طارئة كي يفرش افاقه الكتمانُ وتحلب نحيباتها المراثي؟ قولي لي من غيرنا؟ ام كتب علينا ان نعيش لنسأل شهقتنا الخافرة في عمر الدفاتر وطالع المفاوضات الهادر بين صلصالين. وانت مثلي تعرفين انها عارية الصدر سنواتنا المختبئة في الحراب. والاسرار التي خمرناها تتقمص الان شهقةً في اتجاه المدونات التي رممت سرفات الموت وامهلت الابدية، و رقت اوجاعنا المفجوجة فوق حذر المناديل. يا مناديلنا المطوية في جوارير الفضائح. لنا اخطاؤنا التي سنحقنها في الزهور، لنا شروقاتنا التي سنعطلها في الاجنة .. ولنا جوعنا الذي اوثقناه الى عمود الحكمة كي ترى البطون اليابسة لسانه المندلق تحت الشمس. لنا ولنا ولنا .. ولنا تجهم المطبات في طريقنا الى البعثرة يا مناديلنا ياوداعة الشراك امكري بالالهة مقلدة الاحلام وعظمي العناد المتقهقر ما بين الجلد واللحم كي ننسى خطافات تلك الليالي المقامرة ونمضي الى حيث الازمنة العابرة تتعفن في براميل الهندسة ولننشد معا:
هذا زمن لبرية تطيح بالهندسة
وتشيد من قرميد الاصياف المندثرة
متاحف للجفاف والفطام.
ثم انك مثلي تعرفين ان دمعة العالم على مرثية الضحك تتكئ وتعرفين ان الضحك بلا اجنحة والتحليق ملحاح والدمع ساهد خارج العزلة، والسكائر تلفظ ارواحها ولا تحترق وتعرفين ايضا ان الحذر بدأ ينقطنا نبضة نبضة في فم الطلق ليسحب من بين فخذي قلقنا سماءً او بعض سماء بلا طائرات.
افيقي ياجوزائي الباردة وفوقيني قبل ان يتوقف بياض القطب عند غسق النبوءة ويتأمل البطاريق، قبل ان يضطر ايرين باباس ان تعذب البط ثانية مع كاهن نبتت له اصابع. افيقي فقد غادر الذباب افكاره وفتحت لنا بواباتها الاشاعةُ. هل سندخل؟

***
في غفلة من سلالم قرطاج وحيطان قرطاج وطاولات قرطاج المشدوهة بهاجس ظل عالقا في غراء الشكوك، تسللنا كدمعتين، اذ ارتفعت شمس رغبتي وامطر صمتها عيونا دافئة ونبيذا وخيولا واسئلة. هذا هو الطريق، عمري المنضد على سطر غفلة ووهمي الذي لايليق بما تشتهيه الاسفار فلما رأتني ساطعا قالت هذا ربي. ولكنني علفا لماكنة الاوهام صيرتني المعرفة. انظري كيف ادون في صفحة النسيان هذه الحقائق فلما رأتني ساطعا اكثر، امطرت أيائل وبرارٍ وينابيع وملائكة: هذا هداي. كنت وحدي ارى حواء او دايانة ويلزية او صوفي مارسو باريسية ا و ليندا هاملتون هوليوودية واصالة نصري آرية شرط ان لا تمنع جبنة الكيري من الصرف، يخرج من كتفها الايسر رجل لا يشبهني. يشبه من؟ "فلما احدودبت فوقنا العزلة، ارتفعت الشمس اكثر اكثر اكثر، وامطر صمتنا كؤوسا وشفاهاً وسروجا وسنابل وقبلاً. فلما رأتني ساطعا اكثر اكثر اكثر اكثر، قالت: هذا خلاصي. " للسماء التي تحدق بلا كلل ارسم وفقا واعلقه حول عنق دعاء: الهي .. انا من طوحته المواقيت مازلت اتدلى من كتفٍ ايسر تسميه مدينة او سديما او امرأة، وحين افتح مظروف وهمي لا ارى لي ضلعا اعوجا " لماذا انكسر ظهر العزلة بدمعة تقمصها فاتحوك، وابتلع جبينك غروب الشمس قبل انبلاج الرغبة. لماذا دخلنا اذا؟ هل دخلنا؟
انا المستقر على شفة الحكمة، ما زلت امتشق من عطر الليزر مساء الاشاعة واخرجُ حاملاً على كتفيَّ انقاض عُزلة البط .. طار .. ريق وبريد الوهم .. أسير في شوارع تخرج لي السنتها ساخرة، بينما اواصل انا نشر وهمي على موجة متوسطة .. هل من اذاعة تفتح ذراعيها لأنواء الوهم المسافرة من لغتي الى نقرة لم تصادق عليها الطبول؟ يا خيول الحقيقة هذا وهم الحضائر وهذه اسوار السراب تنهض في بصمات الهواجس وتنادي: يا ايها الوهم، قل ايَّ وهم و لا تتهالك على جسم لحظةٍ تتأمل.
يا جوزائي الباردة. اعذريني لم يعلمني سعد محمود ولا المعلمون الاربعة حاملي صومعته بأن الحلول يمكن ان يرتدي جسم دمعة. وانا ما بلغت فاتحيك قصدا ليظلّ ملحُهُم فوق لساني. و أنا ما دفعت لساني في متاهة الليزر كي تتفكك الاسرار وتهتف: يا محاقا أوقَدَ شمسَ ذاكراهم، أدخل في برميل النسيان الى الابد.
يامجد هذا الوهم، قرِّب جناحيك من صفحة الماء، ماءِ السماء، ماءِ الارض، ماءِ الصُلب والترائب، و لقّنّي أبجدية المجذوبين بسر البصائر كي اصل الى الدَرَك .. يا مجد هذا الوهم. هل انا انا، هل انا هو، هل انا انت، هل انا هم، أم انا هل؟ و أسئلة الوهم اكثر من تفاصيل تلك الدمعة .. ياحبر العيون المكتملة بالوهم، ويا عيون الوهم الغارقة في حبر الرؤيا .. اريد حقيقة كي اصلي!

***
عبر ممر من الضوء يمر انبياء .. هل امر على الضوء وأقرأ تحت هدير التاروت هذه النبوءة .. على كتف اول حرف يثب عصفور ضوء ويرف على قبلتي، بينما تورق على قبلة مرتدة اسفارُ ما اسميه حقيقةً ويعيشونه وهما ؟
انا المحلق في طبقات اللااوزون، للمرة الالف انذر ارضي من عروس فتحت قميص اوزونها ودلقت ثدييها في فم الهلع .. يا خياطي الحقائق، من يرفو قميصها .. يافرسان الحروب من يفصلني عن كتفها الايسر .. يا منضدي الكوارث من يرسمني امضاءً في ذيل الارض، ارضة السلام، وانت يادمعة حلم ما، هل ادخل، وأنا الذي بمقص الذكريات افتح لك كل ليلة ثغرة في فراغ الكلام وانفخ وهمي. انا الوهم المنتشر كدم ادم في ثياب البشر. انا دودي .. دودي .. دودي فأعيدي الي الحقائق ياساعتي المستنكرة وهمي، اعيدي دقائقي وخذي ساعاتك الصاخبة.

***
بحران وما زال عندي متسع من العوم. والعقارب تدور في فراغ الوقت، والوقت يمارس هواياته، تارة يرسم وهمي، واخرى يسير معي فوق سلك التردد. الوقت البهلوان وانا وانت ثلاث علامات في الطريق الى ضاحية الوهم. اما المخططون في سماء اللغز، فانهم يستعجلون بريد الضوء والمجرات تسعى كأفعوان. ترى كم سننتظر قبل ان تنطوي جريدة الصبر في يد الوهم. ياللوهم .. لا يمل قراءة الدوريات والجرائد الصابرة، بينما اسمع وانا من بعيد همس الصافرة التي ايقظها الشرطي.
حاشية للسماء .. هامش للارض .. هذيان للرقص .. وظلام يمشط شعر النهار كلما مد صبح لسانه الى قوقعة ليل. في غفلة من كل هذا مات شئ على السرير اسمه دودي، وانتصر بردها الهادر في عروق الوقت. الى اين؟ والقطار يتزحلق خارج الكلمات وصفارة التيتي في فم القلق وصفارة الإنذار تطلقنا اوجاعا في اوردة النهار. الى اين والسؤال ينقط اسئلة؟ الى اين والجواب ينقط اسئلة؟ الى اين يانفسي المهملة؟ الى اين والجسر يتجاسر على انقصاف الرغبة والقطار يتزحلق الى فم السؤال يامعدة الاجوبة.
في الجرارالتي دفنها الغابرون تحت الارض، ثمة اوهام معقمة وعتاقة ووصايا نجوم. كلها تناديني ان اترك هذه الصور الملونة وأبدأ من جديد في الجرار التي دفنها الغابرون تحت الارض.
في الجرار رأيت امي ورأيت الشتاء. اماه .. انظري الى هذا الشتاء الموسِر واكياسه الطافحة بمفاتيح الثلج، يمر فوق اكواخ الايام ويهيؤها للانطلاق بفرشاته البيضاء. انظريه اماه كيف يمضي بصولجانه وموكبه ثلاثة شهور في السنة دون ان يتنفس الرتابة. وانا الذي اراه يثور ويكسر السماء ويمزق جيوب الله بحثا عن الالوان السبعة ليقوسها فوق موكبه الجاري فينا مجرى البرد. اماه اصرخي معي: أيتها الأيام ما أحوجك، وأنت تحملين الزنابيل وتتسولين الثلج، إلى طبيب صيفي يخلصك من عقدة القطب.
حتى الفصول الدائخة لا تدري لماذا هي مصابة بانيميا الألوان السبعة والمطر ولا تدري لماذا يترجل هذا المختال بكنوزه ويتخطى المنازل حتى اخر خطوة من حزيران ولا يدري لماذا تزل قدمه هناك ويتكسر. هكذا علمتني الجرار التي دفنها الغابرون تحت الارض:
تبقى الودائع كلها للقطب
وللمحيط شرف الانجماد
وفي الجرار التي دفنها الغابرون امر على المعلمين الاربعة حاملي صومعة السعد وارى الله، كلما مرقت طائرة، يجمع اطراف المدن ويعقدها مثل صرة الى طرف عصاه، ثم يغمرها في مياه رؤاه وينشفها بحرير السكينة، ينظر الله الى عقدة ويشير الى البئر الذي اودعونيه فانتفخ كما الفرقعة في رغبة بالون منفجر. ينظر الله اليها التي وقتها من نجوم الافلام المستوردة؛ لا تستجيب للمكتوب وتترك الطوالع تنهمر، وتنهمر معها في فم ليل يتلمظ الى طبق متبل بالنهار. أماه .. حتى السيد كالفينو حلم بقلعة المصائر المتوازية وسبقني إليها على صهوة جرح عتيق لكن مصائره تقاطعت واحترقت في يده أوراق التاروت ونامت على أوجاعها القلعة. لماذا لم تخبريه أماه بان فكرة الربيع دوما تنبت في صحراء الشتاء حيث الرمال تركل الدمع قبل ان يشربنا. كم تمنيت اماه ان قول لك خارج الجرار التي دفنها الغابرون تحت الأرض:
بشراك، في الربيع القادم
سترين عمري في حالة توازن!