برولوج:
في كتابي "المسرح العربي: جذوره، تاريخه وتجاربه الطليعية" الصادر في العام 1995 عن دار الحوار في وارسو، أردت أن يكون جواد أحد أهم أبطال بحثي، لكن بسبب قلة ماحصلت عليه من مصادر اكتفيت بذكره في الكتاب مقتصرا على المعلومات المتوفرة لدي عنه على أمل أن أعود إليه في وقت لاحق. كنت أتابع نشاطات جواد الأسدي مخرجا وكاتبا مسرحيا، باعتباري مهتما بالمسرح، وفي كل مرة أقرأ خبرا عن نشاط من نشاطاته المسرحية، أشعر بنشوة مشوبة بالفرح و التوجس حرصا مني على ديمومة هذه التجربة المسرحية المثيرة. حتى جاءت الفرصة لكي ألتقي بجواد في وارسو، بعد سنوات على لقائنا في مهرجان مسرح الشارع العالمي الذي انعقد في إحدى مدن الجنوب البولندية في أواخر الثمانينيات من القرن المنصرم. كان جواد و فرقته"مسرح جلجامش" البغدادية(لا أدري هل ماتزال قائمة حتى هذه اللحظة؟!) ضيفا في مهرجان (مهرجان المهرجانات المسرحية- لقاءات) الذي انعقد في وارسو.
نساء في الحرب
"أردتُ أن أوضح غصة وحسرةَ العراقيين على عراقهم، وأردتُ أن يكونَ هذا النص عراقيا وأن تكونَ شخصياته وطبائعها، أصواتها ورائحتها، تماما عراقية، حتى لو بدت النسوة في هذه المسرحية وكأنهنّ ينشدنَ الشمول ونبش البيئة الأخرى لشمس المهجرين أينما كانوا، لكن بالنسبة لي، إن قاع هذه الشخصيات هو قاع عراقي، مترب، موحل، مشدود إلى جذع نخلة في البصرة أو في النجف أو في الأهوار" جواد الأسدي/نساء في الحرب.
هذا فعلا ما أراده جواد في بداية مشروعه المذكور، لكن هذا المغزى خرج عن حدود الدفقة الأولى، ليتحول إلى مشروع إنساني، إلى نص مسرحي تلقفه أحد المخرجين الإنجليز بغرض إخراجه في لندن!
ثلاث شخصيات تبحث عن مصيرها، عن ذواتها، حاضرها المهدد و مستقبلها المجهول، لعلها تعوض نفسها عما سلف، ثلاث نساء قد هربن من جحيم العسف و الطغيان، من محرقة الحرب و إرهاب الدولة المنظم، هربن إلى العالم الآخر الحر، فلم يجدن فيه إلا حجارة المنفى الصماء و هدير المحققين و غربة المكان و وحشته. ثلاث شخصيات من لحم و دم في البحث عن الذات: أمينة- ممثلة مشهورة في بلادها تعيش حالة مزدوجة من النفي: المنفى كحالة وجودية- إنسانية من جهة ثم اقتلاعها من مسرحها و جمهورها باعتبارها حالة تندرج في عملية الانسلاخ الثقافي- الإبداعي من الجهة الأخرى. مثلت دور أمينة الفنانة القديرة (شذى سالم). و شخصية مريم التي تجد في التعبد و التضرع لله ملاذا يحميها من تمزقها و انكسارها و تناقضاتها الداخلية، بحثا عن الذات المحطمة المحاصرة بسطوة الروح و سلطة الجسد. قامت بأداء هذا الدور بجدارة الممثلة(سها سالم). ريحانة هي الشخصية الثالثة رسمها المؤلف بعين مبصرة، محملا إياها تبعات التمرد على الأعراف و المحرمات النفسية و الاجتماعية و هي في مغامرة البحث عن الحرية المفقودة و الذات المعذبة بإرثها المنسوج بمغزل الكبت و المحرمات. إنها تمثل وثبة النفس البشرية و هي في خضم ترميم ذاتها و تشكيل معالم حريتها، و كامرأة شرقية ستكون مهمتها شاقة للغاية. فبعد الانتقال من شرنقة الماضي تقع فريسة للمنفى و العزلة و سرعان ما تجد علاقاتها سطحية و عابرة لا يمكنها حتى أن تسد رمق جائع متعطش لسد بعض من رغبات الروح و الجسد على السواء! مثلت هذا الدور بجدارة الممثلة(آسيا كمال).
مكان اللجوء يمكن أن يكون أي بلد، رغم ورود اسم ألمانيا في النص المسرحي. و أزعم بأن ترك بلد اللجوء غامضا ربما سيمنح النص دلالات فكرية و فلسفية أشمل، و يجعله أكثر تلاؤما مع طبيعة مسرح جواد المفتوح المتنامي و المشرع على كافة الاحتمالات و التأويلات. بحيث يستطيع المخرج أيا كان أن يختار البلد الذي يلائمه، بل حتى يمكنه أن يجعل أبطال المسرحية عراقيين أو غير عراقيين، إناثا أو ذكورا، و الدليل على ذلك أن جواد نفسه و في مقدمة مسرحيته المطبوعة قال: "… و ممكن أيضا أن يتبادر إلى ذهن مخرج مسرحي ما أن يزيح الشخصيات باتجاه الذكورة، أي يمثلها رجال، بمعنى أن يفتح باب النص أمام تعدد القراءات، بدون شك، هذا لن يضر بالنص، بالعكس قد يفيده و يرميه إلى لذات أخرى!"(نساء في الحرب، دار كنعان، دمشق 2003).
يذكر جواد في حيثيات ولادة النص "تولدت فكرة نساء الحرب هذه من تراكم الإحساس بالفظائع و الفضائح و الجحيم الذي يتعرض له الإنسان العراقي عبر بحثه عن مجهول مصيره، بفقدانه لجنة بلاده، في تنقيب مضن عن المكان الآمن، خصوصا بعدما ارتكب بحقهم جريمة التبعيد و التهجير، منقذفين إلى تيه المطارات و البواخر المهربة، و الحدود الملغومة، و تزوير الجوازات و الهروب من حدود الموت مع مهربين يتاجرون بالناس! بحيث تحولت الهجرة الإجبارية لهذا العدد الهائل من الناس إلى سوق تجاري مريب راح ضحيته عدد كبير من العائلات، من أطفال و صبيان و شيوخ"(مقدمة النص، ص:6) إذن فالنص قابل للتطوير و التلوين، خصوصا على المسرح، والدليل على ذلك هو أنني كنت شاهدا على ولادة ثلاثة عروض متنامية، مختلفة و متمايزة بعضها عن البعض الآخر في الأداء و في قراءة النص ذاته من قبل مؤلفه بالذات! فمرة تحذف هذه الفقرة لتحل محلها أخرى و مرة يقدم الحوار الفلاني على حوار آخر و هكذا. هذا يثبت صحة فرضية جواد القائلة، بتواضع جم، بأن هذا النص الناقص قد كتب و " لن يكتمل إلا بطوفان من الروايات التي تشكلت على مدار حياة أكثر من ثلاثة ملايين مهاجر عراقي يتمزقون بين الأرصفة و الشوارع و البيوت و الأمكنة الملفقة". و لكن يكفي فخرا لجواد بأن قدم مسرحيته في بلد له باع طويل في المسرح، في بلد له تجربة سابقة علينا في الهجرة و كيفية معالجتها فنيا. علينا أن نتذكر، على سبيل المثال لا الحصر، مسرحية" المهاجران" للكاتب المسرحي البولندي ستانيسلاف مروجيك.
"نساء في الحرب" هو نص مسرحي أكثر منه نص أدبي-مسرحي ، فيه من جمال الشعر و تدفق الرواية و دقة و حركية و بسالة المسرح. إنه صورة من سفر المنفى العراقي المفتوح. في كتاب التبت الشهير “TKU”(سفر الموتى) ثمة تجربة فريدة لإنسان و هو يتنقل بعد موته في "bar- do"(بار- دو) أي " فضاء ما بعد الموت" البوذي. لو قرأنا هنا كلمة (بار- دو) بمعنى أن تكون في "حالة وسطى" لأمكننا أن نفهم عمق هذه الفكرة و لأمكننا من تخريجها على أن الإنسان يعيش بعد الموت في مثل هذه الحالة الوسطى قبل أن يتخذ شكلا وجوديا جديدا. و لأمكننا القول ببعض من المبالغة المقصودة: إن مصير أبطال جواد في منفاهم يشبه هذه الحالة الوسطى و أنه قد عكسها بكثير من الحذق.
مسيرة جواد الأسدي الفنية تأخذ النص على أنه عمل لا يتنفس بطلاقة خارج عالمه المنذور له، عالم المسرح. لهذا تراه يشعر بحرية يحسد عليها في مرونة الولوج للنص المسرحي و أركولوجيته و سبر أغواره، بعدها يكشف على شفاه و أجساد ممثليه رؤاه، خباياه، جوهره، شطحاته و تناقضاته، مانحا هذا الكل الهلامي شكلا فنيا يميل إلى المسرح البصري- التشكيلي. ثلاثة أيام من العمل المتواصل المكثف تحول المسرح الصغير التابع للمسرح الدرامي إلى ورشة عمل خاضها الجميع بتفان: ممثلاتٍ (شذى سالم و آسيا كمال و سهى سالم) و فنيين: الدكتور صاحب نعمة المخرج المساعد و هو ممثل و مخرج و ناقد ذو تجربة طويلة، و أحمد حسن موسى- مدير مسرح و منفذ إضاءة- و هو إنسان و فنان رقيق، و هادي كاظم-تنفيذ الديكور- أبو حيدر مثال للطيبة و الهدوء. و جواد الأسدي العقل المدبر لهذا العمل برمته. لاحظت كيف أن جوادا كان يُحوّر و يبدل هنا و هناك في نصه، حاذفا هنا و مستدركا هناك، لاحظته عن قرب قلقا متوثبا و أنا أعد معه النسخة البولندية من نصه. كان صارما و دقيقا في ملاحظاته و ديمقراطيا في فسح المجال أمام أفراد عائلته المسرحية في التحاور معه، كان يصغي و مخيلته تعمل، أحيانا يقول لك بتواضع: نعم، لكنه يُعِدّ طبخته التي يبتغي! إنه مزيج من البسالة و الحدة و العواطف الإنسانية الجياشة، جواد جبل شامخ من الطيبة، يذكرني بدقة و صرامة الفنان الكبير المخرج إبراهيم جلال. و على ما يبدو فإنه سليل هذه التجربة الفذة في المسرح العراقي و مطورها بنباهة و خصوصية، جعلته يتفرد بين سابقيه و مجايليه على السواء. جواد في تصوره المسرحي لا يغزل إلا على مغزل البحث المسرحي الدؤوب الذي يسعى لخلقه بيديه. أتذكر ذات مرة قوله و هو يرثي مرحوم المسرح العربي سعد الله ونوس واصفا إياه بأنه "خزّاف، روحاني، دنيوي، مستقبلي، يكتب في شهاداته عن توقه لحياة أكثر رحابة، أكثر رفعة، أكثر إضاءة" و كنت متأكدا أنه يكتب عن نفسه في الوقت نفسه! لأن هذه الأوصاف تنطبق عليه أيضا.
تتكون المسرحية من اثني عشر فصلا. يبدأ الفصل الأول بأمينة(شذى سالم) و هي تحضر إفادتها أمام المحقق الذي سينظر بطلب لجوئها، هذه الممثلة التي صار المخرجون ينفرون منها ناعتين إياها بالممثلة الوقحة و المشاكسة الشرسة المتمادية! تجد كيانها يهتز كلما اقترب موعد التحقيق. تقول: "بعد كل ذلك الأرشيف العنيف انهارت قواي هنا في هذه الملاجئ القذرة!" كان هذا المشهد- المونولوج مثيرا انتزعته شذى من أعماق ذاتها الإنسانية و الفنية بجدارة، لم تصفع الجمهور إلا بجمال و عمق تعبيرها كممثلة. تبدأ بالإدلاء بشهادة اللجوء أمام المحقق ساردة قسطا من حياتها كممثلة تتعرض هي وعدد من الممثلين و الممثلات للملاحقات التي تطال عائلتها المشبوهة سياسيا بنظر الحكومة، الأمر الذي يدفعها إلى الهرب من بلادها. تتألق شذى في أداء إفادتها أمام المحقق الألماني(خصوصا حينما تشرع بالتكلم لقناع يذكرنا بالساموراي الياباني) لتصل درجة من الأداء الذي يتطلب المزيد من التلون صعودا هبوطا تناغما و تناقضا أسعفها صوتها في أمسية العرض الأولى أكثر من سواها، في إيصال رسالتها و إبراز إمكانياتها. شذى ممثلة موهوبة حقا، تحمل نقيضها المسرحي في داخلها: هادئة ظاهريا لكنها تغلي في العمق! هذان البعدان في شخصيتها لمسناهما على مدى ثلاث أمسيات-ثلاثة عروض.
في الواقع لم يبدأ جواد عرضه بالفصل الأول من النص المسرحي و إنما بالفصل الثالث الذي يفسح المجال للمؤثرات الصوتية و اللونية أكثر مما هو مخصص للممثلات اللواتي يبدين في تصرفاتهن انعكاسا و صدى للحالة المفاجئة. هذه الحالة هي مزيج من فعل الحاضر و من تداعيات الماضي الذي يذكر المتفرج أو يوحي له بأن هؤلاء النسوة يواجهن محنة حرب، محنة قصف و تهديد حقيقي للحياة. كان أداء الممثلات في اليوم الثالث أكثر تلقائية و أكثر تناغما مع المشهد و كأنهن ينتزعن شيئا من الأعماق، أعماقهن الملتهبة. كان اختيار جواد لهذا الفصل لكي يكون بداية لعرضه إيماءة ذكية قد لبّت نداء المسرح أكثر من نداء النص، و نداء خالق العرض المسرحي أكثر من نداء المؤلف المسرحي.
شكلت شخصية (مريم) حلقة وسطى ما بين شخصية (أمينة) و شخصية (ريحانة) من حيث العمر و التجربة و التطلعات. وجدت ضالتها في التمسك بالدين باعتباره الملاذ و الملجأ الوحيد الذي يمكنه أن يمنحها الطمأنينة و الهدوء و يخلق في داخلها بعضا من التوازن النفسي. بيد أنها لا تجد هذا و لا ذاك، الأمر الذي يدفعها لاتخاذ قرار بحزم حقيبتها و العودة من حيث أتت. إنها تشعر بالخذلان و بخيانة من أحبت، تشعر بتآمر بنت بلدها و رفيقة رحلتها(ريحانة) التواقة إلى حياة أفضل، إلى حياة جديدة تعوضها عما فات النفسَ و عجز عن بلوغه الجسد. تتهم ريحانة بسلبها محبوبها البوسني. و ما هذا البوسني سوى خرافة من خرافات المنفى! كانت (سها سالم) تجمع قواها و تجربتها لكي تكشف أعماق ذاتها و تقدمها قربانا على مذبح المشاعر المكبوتة في معبد المسرح. علينا أن نتذكر أن شخصية المتعبد في الحياة تتسم بالهدوء و قلة الحركة، بينما المسرح و أما جمهور أجنبي ، يتطلب تزكية على صعيدي الأداء و بلاغة الكلمة، أضاف إليها جواد شقين نفخا فيها روح المسرح و الحياة: الشق الأول يتمثل في الصراع الجانبي مع ريحانة الذي منح التمثيل الحركة المطلوبة، خاصة و أن الممثلتين قد قامتا بكل بوسعهما للاستفادة من هذا التناقض في السلوك، و الشق الثاني يتمثل في أن المخرج قد دفع ممثلاته لكي يتعمقن أكثر فأكثر في دواخلهن ليكون للهمس و الفحيح و التبتل و التفجع و اللمس و الحركة و مكنونات الداخل الدور الأول في شغل الممثلات. ربما كان جواد سحتاج إلى فترة أطول بقليل مما توفرت له من العمل، مع ممثلاته، مع السنوغرافيا و الموسيقى(للموسيقار البولندي الشهير بَنْدَرَتْسكي)، لبلوغ مبتغى فنان بهذا القدر العالي من الشفافية و الطموح.
منحت شخصية( ريحانة) التي مثلتها بجدارة في العرض الأول و الأخير الفنانة(آسيا كمال) تلوينا و تنغيما يخصان الجانب البراغماتي من الحياة و يخصان في النهاية حاجات الإنسان الحسية. إنها شخصية مركبة و بسيطة في ذات الوقت. التركيب فيها يندرج ضمن إطار تناص الحياة: الروح تذوي و تموت إذا لم يبلغ الجسد مبتغاه، و الجسد لا ينعتق بدون تحرر و انعتاق الروح. انصبت جهود آسيا و جواد على تمرير هذه المعادلة الصعبة، بخلق بعض من المسافة ما بين الممثلة و دورها و ما بين الشخصية و محيطها الآسن في الوطن و الخادع الضبابي في المنفى. عملت آسيا كمال بتفان على دورها و أظن، هذا الجهد هو الذي أوصلها إلى المستشفى بعد العرض الثاني، الأمر الذي أدى إلى جعل مصير العرض الثالث المنشود مجهولا. كانت الفرقة برمتها متوثبة و مستعدة لتقديم مسك الختام بإيقاعية أكثر شفافية بعدما استوعب الجميع ظروف المسرح و طبيعة الجمهور. لقد خرجت آسيا من المستشفى و شاهدنا جميعا بفرح غامر مسك الختام.
في جريدة"الجمهورية، ع: 253، 27 تشرين الثاني 2004) - إحدى أكبر الصحف اليومية البولندية، استعرض الناقد المسرحي (يانوش كوفالتشيك) الأعمال المقدمة في مهرجان المهرجانات المسرحية قائلا بأن" أكثر العروض تشويقا و إثارة هي تلك التي احترمت التقاليد المسرحية من جهة رغم عدم ابتعادها عن تقديم الحلول الفنية الجريئة و المقنعة" و امتدح العروض المسرحية لكل من المسرح الصيني، و البولندي( كريستيان لوبا)، و مسرحية"عطيل" للمخرج البريطاني (ديكلان دونّلان) و مسرحية"القافلة" للمخرجة الأسترالية(نانسي بلاك) و مسرحية "نساء في الحرب" لجواد الأسدي التي ختم مقالته في الحديث عنها قائلا: " إن مصير ثلاث مهاجرات يحاولن الحصول على اللجوء السياسي في ألمانيا عبر بوضوح شديد عن شعار العروض المسرحية الممتعة".
في إحدى مقابلاته الممتعة للصحافة العربية قال جواد الأسدي: "إننا نريد أن نحمي تفسخ صورة الوطن الذي نتوق إلى تشييده، ذلك الوطن الذي غاب كفردوس و حضر كحريق"(مجلة "نزوى" ع 10 سنة :1997 138). أزعم أن جواد قد حقق هذه الفكرة تماما بتقديمه لمسرحيته"نساء في الحرب". و كأنه يريد أن يصرخ فينا: إننا جميعا في حالة حرب.
المشهد الأخير-
(هامش للعراق وجلجامش):
هامش (1):
"في هذا المشهد أعناقٌ وحصى وعظام،
يتأرجح فيه العشبُ يمينا نحو خسوف الماءِ،
وغربا صوبَ كسوفِ الروح،
فينفرط القلب...
أتشبّثُ بالغصن المخلوع،
وأضحك أُلصِقُ حزني بالورق اليابسْ
يبكيني، أسقط دون خطوط العمر الخمسينْ
فأرى وطني شيخاً
يتصَبّبُ من عينيه ومن أطراف عمامته الشكُّ..."
هاتف جنابي، من قصيدة"المعاناة" 1972
خارجون من الموت، ذاهبون للحياة!
كان وصول جواد وفرقته إلى بولندا بمثابة المعجزة. ويبدو أن قليلا من الوصف ضروري للكشف عن معاناة الفنان العراقي، لأن من لم يمت منهم"كافرا" على أيدي التكفيريين والفاشست، عليه أن يرى الموت بأم عينيه!!
كل شيء تم على عجل، بوتيرة الإبداع والهم الفني والإنساني ذاتها و بنَفَسِها الذي لا يقبل التأجيل: بدءا من إعداد و إخراج مسرحية " نساء في الحرب" مرورا بتنظيم مشاركة مسرح جلجامش في مهرجان المهرجانات المسرحية- لقاءات، في وارسو. كنت منذ البداية طرفا ثالثا في الترتيبات الجارية لدعوة مسرح عراقي للمشاركة في المهرجان المذكور، إلى جانب كلّ من مسرح جلجامش و وزارة الثقافة العراقية(لابد من التنويه بجهود كل من السيدين مفيد الجزائري- وزير الثقافة السابق و كامل شياع في دعم وصول فرقة جلجامش) و المسرح الدرامي في وارسو متمثلا بإدارة المهرجان و خصوصا السيدة (أنّا سابيغو و الفنان بيوتر تشيشلاك).كانت المهمة شاقة للغاية، بيد أن المجازفة الأكبر كانت تتمثل بسفر أعضاء الفرقة السبع من بغداد عبر الطريق المسمى ب" طريق الموت" المار بمحاذاة الفلوجة(التي دفعت فيما بعد الكثير من دماء أبنائها في خدمة أوهام التحرير التي رفعها جلاوزة النظام المنقرض مدعومين بسفاحين من ذوي الفكر التكفيري) حيث المكائد المنتشرة بقدر انتشار أحجار الطريق. لم يكن يعرف جواد و فرقته أنه و أعضاء فرقته سيستقلون سيارتي أجرة كان على إحداها أن تجر الأخرى بحبل حتى الأردن! إنه الحبل الذي يطوق رقبة العراق منذ زمن. لم ينته التيه العراقي حتى بعد وصولهم إلى الأردن، إذ كان على الجانب البولندي أن يتدخل على أعلى الأصعدة لكي يمنحهم الجانب الألماني تأشيرة ترانزيت لمدة ثلاثة أرباع الساعة مرورا بمطار فرانكفورت. هذه الملابسات والعراقيل، جعلت منظمي المهرجان يشكّون في إمكانية خروج الفرقة من فم التنين. الأمر الذي قاد بدوره أوتوماتيكيا إلى خلق إشكاليات على صعيد توفير ترجمة مناسبة و معبرة للنص المسرحي فثمة نقل الحوار إلى شريط ضوئي متحرك لكي يفهم المتفرجون مضمون الحوارات و المونولوجات، خاصة أن الاستعدادات للمهرجان، تنظيميا و تقنيا و إعلاميا، قد اكتملت منذ فترة.
كان وصول الفرقة إلى وارسو معجزة تشبه إلى حد ما إطلاق سراح شخص من أيدي مختطفين لا يرحمون. الحالة دفعت منظمي المهرجان إلى بذل المستحيل لكي يعلنوا عن الفرقة و عن مسرحيتها و مشاركتها في المهرجان، فنظموا على عجل مؤتمرا صحافيا جمعوا فيه بعض ممثلي وسائل الإعلام الذين أبدوا تعاطفهم و اهتمامهم بالفرقة و العراق، ، و لهذا أقام المسرح الدرامي حفل استقبال للفرقة بعد عرضها الأول احتفاء بها و بعرضها، طلب أثناءها من الفنان جواد الأسدي أن يقول كلمة بالمناسبة، كما و ليس أدل على ذلك التقدير أكثر من جعل الفنان جواد الأسدي يختتم المهرجان. كان العراق ممثلا بمسرح جلجامش ضيف الشرف كما يبدو لأنه لم يشارك بهذه المسرحية في أية مهرجان. لأنه كيف كان يتسنى له ذلك و المسرحية وليدة أسبوعين من العمل المضني و المتواصل في قاعة مغبرة تم تحويرها بطريقة متواضعة إلى مسرح-ستوديو لا يسع لأكثر من خمسين متفرجا، علينا أن ننظر إلى هذا العمل بعين ما توفر له من وقت و ما توفره الحرب من ظروف. تصوروا: ثلاثة عروض في بغداد و مثلها في وارسو! لقد بيّن جواد الأسدي، بحضوره الفني و شاعريته البليغة و كأنه أحد كهنة التاريخ خارجا للتو من معبده، حيثيات ولادة مسرح جلجامش تحت هدير الطائرات و الانفجارات، في أجواء أصبحت المكائد و الرعب و العنف من بين أهم علاماتها الفارقة. المفارقة الأخرى تمثلت في طبيعة المسرحية ذاتها التي تعكس حالة العراقي- أسير المنافي و التشرد و المعاناة، ضحية الفاشية و الإرهاب، الهارب من سواه الدموي إلى ذاته و من ذاته إلى الآخر – الغريب عنه لعله أكثر رحمة به و بذاته المسحوقة، طلبا "للحرية و للأمان"، و إذا بهذا الآخر يصم أذنيه أمام حشرجة إنسانيته المهدورة و كرامته المسحوقة و طموحه السليب، و لا يقدر على فهمه. عدم الفهم ذلك يقود إلى مثيله، إذ لكل فعل ردة فعل. لم يبق أمام هذا الشريد- الغريب سوى المكاشفة و سوى الغور في أعماق النفس. إنه غور المحاصر الممزق، لا غور الآمن المطمئن. حالة التشظي و التمزق تدفع بهذا الغريب إلى حافة الانهيار و الصدام مع ذاته و مع المقربين منه- شركائه في المحنة. إنه صِدَامٌ مع الذات و مع الآخر، صِدَامٌ مع المحيط الجديد مصحوبا بحالة من التداعي تعود بالذاكرة المثقوبة إلى الماضي البعيد القريب، إلى الوطن و إلى نقيضه، إلى المحيط المعتاد و إلى عدوه اللدود المتمثل بالغربة وجرحها المفتوح على مصراعيه، إنه صدام نفسي-عصابي، ثقافي، فكري، حضاري، صِدامٌ على مستوى الطموح الشخصي أيضا، قد يشمل في بعض أوجهه معاناة الكثيرين من سكان البلدان العربية. عاد جلجامش إلى العراق، عاد أعضاء الفرقة فرادا بعد أن جاءوا جماعة. اكتفوا بنشوة الانتصار على الذات المحاربة، لكنهم لم ينتصروا حتى النهاية: لأن جوادا ظل بعيدا عن جلجامشه، ود. صاحب نعمة واجه أزمة قلبية حادة، و الفنانة القديرة شذى سالم رأيتها تسير خلف جنازة الفنان جعفر السعدي، و سهى سالم عادت لتمثل في بعض المسلسلات التلفزيونية التي تمتص طاقات الممثل مثلما تفعل إسفنجة كبيرة بالماء وهي تعصر بلا هوادة. لا أدري ماذا حل بآسيا كمال؟ الذي أعرفه هو أن المواطنين يهابون مغادرة بيوتهم في المساء، فكيف يا ترى سيذهبون للمسرح؟! أما الفنان أحمد موسى (الذي حصل بعد عودته من وارشو)على جائزتين على عمله المسرحي"نزهة" الذي قدمه في مهرجان المسرح الأردني الثاني عشر. هو الآخر انقطعت أخباره! ما الذي يحصل اليوم لفناني وكتاب ومثقفي العراق؟ سؤالي هذه المرة يشمل جميع مثقفيه، بالمفرد والجملة!
هامش (2):
استيقض جلجامش في تلك اللحظة وأخذ يقصّ على أُمّه رؤياه قائلا:
"يا أمي لقد رأيتُ الليلةَ الماضيةَ حلما
رأيتُ أني أسير فرحا بين الأبطال
فظهرتْ كواكبُ السماءِ وقد سقط أحدُها إلىّ وكأنه
شهابُ السماء"آنو"
أردتُ أن أرفعه ولكنه ثقُلَ عليّ
وأردتُ أن أزحزحه فلم أستطعْ أن أحركه
تَجمّعَ حوله أهلُ" أوروك"
ازدحمَ الناسُ حوله وتدافعوا عليه
واجتمع عليه الأبطالُ يُقبّلونَ قدميه
انحنيتُ عليه كما أنحني على امرأةٍ
ورفعتُهُ وأتيتُ به عند قدميكِ
فجعلته نظيرا لي".
ملحمة جلجامش، ترجمة: طه باقر
