لعبة المفاجآة الجميلة
كان سعد بن معاذ سيد الأوس، وبطل من أبطالهم، ولا نريد هنا الحديث عن منزلة الرجل بين قومه، بل تصادفنا في خصوصه لعبة المفاجأة الجميلة! فهذا الرجل كان من الذين اشتركوا في حرب الخندق كما تقول الروايات، وقد جرح فيها جرحا بليغا، فتأثر لذلك كثيرا وقال (اللهم أن كنتَ أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فأنه لا قوم أحب إليَّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذَّبوه وأخرجوه، اللهم أن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فأجعله لي شهادة، ولا تُمتني حتى تقر عيني من بني قريظة) 51ابن اسحق ص 238. لقد كان جرحه بليغا كما نفهم من الراوية، فأُرْسِل لخيمة يتداوى فيها، حتى وقعت حرب قريظة، وأُستنزِل القوم لدى النبي الكريم، أرسل عليه رسول الله ليحكم فيهم، وكما مر بنا لقد حكم الرجل فيهم كما تزعم الرواية بقتل مقاتلتهم، هنا تدخل الرواية مرحلة جديدة، هي مرحلة المفاجأة السارة، حيث تلتقي المقدمات والنتائج في سياق غيبي تظهر عليه معالم الصنعة والافتعال، إذ نقرأ في سيرة ابن إسحق (فلما أنقضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحُه فمات شهيدا)! 52المصدر ص 262.
إن المفاجأة السارة في التاريخ وبهذا المنطق تثير الشك، خاصة إذا اتصل بأفق ميتافيزيقي غيبي، وفي سياق ديني بحت، فكأن هناك نغمة غيبية مصنوعة، غيب منسوج على مقاس، لقد تمنى من الله أن يمكنه من يهود بني قريظة، وكان له ذلك، وتمنى أن يسلم روحه لله تعالى بعد أن تتحقق له هذه الأمنية، وكان له ذلك!
تتصاعد هذه الظاهرة الغيبية التي هي خارج الزمن، ولا تخضع للتاريخ لما نقرأ، أن أصل الجرح قد برأ، ولكن سعد (دعا... فقال في ذلك: وأن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فأفجُرها، وأجعل موتي فيها...) 53سير أعلام النبلاء 1 / 282، وذلك حتى تتوفر فرصة موته المؤكدة بعد أن ينتقم من بني قريظة، وهو الذي حصل فعلا حسب منطق الرواية! (... وكانوا أربع مئة، فلما فرغ من قتلهم، أنفتق عرقه) 54نفس المصدر ص 283. هذه هي أحدى ألاعيب المفاجآت الجميلة، حيث تدخل الصدفة أو الغيب لتشييد تاريخ، وهي في تصوري من نقاط الضعف في الخبر التاريخي، بصرف النظر عن الإيمان بالغيب أو عدم الإيمان.
أن متابعة موضوع (سعد بن معاذ)، وعلاقته بتحكيم الأمر تكشف عن صناعته بشكل دقيق، فقد مهدوا له بالدعاء الأنف بعد جرحه، ولكي ترتفع درجة الحضور الغيبي القدسي في العملية، قالوا أن الرسول صلى الله عليه وآله هو الذي تناول ذراع سعد وطيبها، وقد كان العلاج يتماشى مع هدف أو غاية مستقبلية، تلك هي أن يحكم بالنتيجة على بني قريظة، ومن ثم يموت شهيدا! (... رُمي سعد يوم الأحزاب، فقطعوا أكحله، فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بالنار، فانتفخت يده، فتركه، فنزفه الدم، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فلما رأي ذلك، قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تُقرَّ عيني من بني قريظة. فاستمسك عرقه، فما قطرت منه قطرة، حتى نزلوا على حكم (سعد) فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم أن يُقتَل رجالهم...) 55نفس المصدر ص 283. فهي لعبة مشدودة الحبل، تبدأ لا لتنتهي، بل لتعود من حيث ابتدأت!
ولكن ها هنا سؤال، ترى لماذا يتمنى (سعد) أن يشفي غليله من بني قريظة وليس قريش؟ وبقية الأحزاب، أليس الذي قطع كاهله هو (ابن عرقة) القرشي؟ أين أمنيته هذه من قريش، و إن كانت يهود قريظة هي المحرِّضة؟
وفي هذا السياق تندرج لعبة الشخصية القوية في التاريخ، فعلي عليه السلام هو الذي سبق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع ثلة من المهاجرين والأنصار ــ أغفلت الرواية ذكرهم ما عدا قتادة!!! ــ وكان سعد بن أبي وقاص سيد النابلين ومقدمهم، بأمر رسول الله وبذلك تروي أبنته عائشة 56 / الواقدي 1ص 500 / هل نفصل ذلك عن كونه أول من رمى بسهم! فمن المعروف أن (سعد بن وقاص) كان قد رمى بسهم في سرية (عبيدة بن الحارث) وهي أول سرية أو ثاني سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم بعد أن استقر في المدينة المنورة، فكان حسب ذلك (أوَّل من رمى في الإسلام / السيرة 2/ ص 241)، إنها لعبة المفاجأة الجميلة، فهنا تتم المعادلة بين سابق ولاحق، لعبة مدبرة بفن، وبمهارة روائية قصصية غيبية رائعة، هي مفاجأة لدي ولديك، ولكنها ليست مفاجأة لدى راويها. وعلي والزبير كانا هما بطلا عملية تنفيذ حكم سعد، وسعد بن معاذ سيد الأوس وزعيمهم كان بطل التحكيم! وحتى المرأة القرظية التي تم إعدامها بسبب ما اقترفته كانت في بيت عائشة، وخبرها عن عائشة رضي الله عنها! وفي منتصف الملحمة يبرز (دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي القضاعي) الذي تميز على أقرانه من الصحابة بالجمال الساحر الأخاذ، حتى كان الناس يتساجلون في جماله، فقد (قال عبد الله بن صالح العجلي، قال رجل لعوانة بن الحكم: أجمل الناس جرير بن عبد الله البجلي؟ فقال. بل أجمل الناس من نزل جبريل على صورته، أي دحية) 57 / سير أعلام النبلاء 2 / رقم 116 / فقد كان للجمال دوره في الخبر، فقد نزل جبريل على صورة دحية وهو في طريقه إلى قريظة سابقا رسول الله، ليزلزل بهم حصونهم قبل بدء الحصار / 58 بن هشام ص 245 /.
هذا هو التاريخ كما يعرضه لنا الواقدي وا بن اسحق وغيرهما....
يبدأ من القوة والجمال والسبق في الإسلام ويخُتَتَم بالقوة والجمال والسبق في الإسلام، فالتاريخ يدور حول ثوابت لا تتزعزع، ولا يخلق خارج أسماء معينة!
لعبة!
وأي لعبة؟
لعبة القوة الخفية، تكمن ما بين السطور، لتهيمن على الذاكرة، وتشطب كل ما عداها، ترى هل غاب الآخر هناك حقا؟
وهل تضيع مثل هذه الفرصة؟
تذكر الرواية أن (ثابت بن قيس الشماس) كان قد استشفع للقرظي أبي عبد الرحمن الزَّبير بن باطا بن وهب، وهو من يهود قريظة بسبب منةٍ له عليه ... استشفع له عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوهبه النبي الكريم بدمه وماله وأهله 59 السيرة ص 253، وللعم أن هذا الشيخ اليهودي كان من المحاربين اليهود الأشداء ضد الرسول والإسلام / 60 المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 6 ص 54 / وقد استشفعت سلمى بنت قيس أُم المنذر إحدى خالات الرسول الكريم لرفاعة بن سموآل القرظي عند النبي الكريم فوهبه 61 نفس المصدر ص 255. وهاتان الحالتان تكشفان عن إمكانية نجاة الكثير من هؤلاء الذين سوف يقتلون كما تزعم الرواية الركيكة، فلماذا لم تتحرك مشاعر الأوسيين تجاه الكثير منهم، أي من بني قريظة، خاصة أن الأوس كانت حليفة بني قريظة، وكان الأوسيون يوصون سعد بأن يتقي الله بهم، وأن يكون لينا معهم (يا أبا عمر أحسن لمواليك) 62نفس المصدر ص 250؟
لقد شفع شيخ مسلم لشيخ يهودي فاستجاب الرسول، وشفعت امرأة مسلمة لشاب يهودي فاستجاب الرسول، فما بال زعماء الأوس، وكبارهم، لم يكرروا هذا الطلب من النبي؟ هي فرصة حياة كبيرة، فرصة نجاة سانحة، فما الذي لم يحرك فيهم ساكنا؟ وهم الذين يوصون سيدهم سعد بأن يكون رحيما، بارا، في مواليه؟ فقد كانوا يقولون له (يا أبا عمرو، أحسن في مواليك وحلفائك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب البقية! نصروك يوم البُعاث والحدائق والمواطن، ولا تكن شرَّا من ابن أبي) 63/ الواقدي ص 511 / فأين هذه العاطفة الجياشة من دور الشفاعة والفداء؟ ربما يقولون لأن سعد أخذ عهدا على أن يكون حكمه نافدا، ولكن كيف يُنقض هذا الحكم بالشفيعين، أي ثابت بن قيس الشماس وخالة النبي الكريم؟
هذه ثغرة تسمح بالطعن في الكثير من مجريات الرواية، بما في ذلك هذه الصورة التي تعرضها الراوية بالنسبة لقتل القرظيين، سواء على صعيد العدد أو على صعيد الكيفية.
أن الحادثتين تكشفان عن كون الشفاعة كانت بابا عريضا، وأن كل ممكناتها موجودة، خاصة كما قلنا أن بني قريظة كانوا حلفاء الأوس، ليس ليوم أو يومين، ولا لسنة أو سنتين، وكان قريظة تستعين بالأوس على الخزرج، وفي حروبها الأخرى، ومهمات كثيرة، والعكس بالعكس، وربما نستذكر هنا يوم (بعاث) كشاهد على ما نقول. وكانت أسباب المودة ما زالت موجودة بين الأوس ويهود قريظة حتى بدء النبوة الكريمة.
فهل كانت هناك صور أخرى من الشفاعة لم تصلنا عبر التاريخ؟
وهل منع كل يهود قريظة في تلك اللحظة الحرجة أنفسهم من طلب الشفاعة من هذا الأوسي أو ذاك؟
حالة غير معقولة أبدا، وتتضاد مع طبائع الأشياء إن كان لها طبائع، ومع حرص الإنسان على حياته، سواء كان مسلما أو يهوديا، وهو حرص غالب إلى حد ما، بل حرص مؤكد بين كل بني البشر.
أن الحادثة، حادثة القتل المزعومة مشكوك فيها، فهي أما لا وجود لها أصلا، أو مبالغ فيها، وربما نلتقي مرة أخرى لبيان مفارقات من غير التي ذكرنا، فأن السند مخدوش، والتفاصيل غريبة ومستبعدة، والاختلافات في أهم عناصر الرواية مستشرية، ولغة المصادفة موجودة، والغيب يستأثر في الكثير من نقاطها المهمة، والروايات التي جاءت في شأن أهم حدث فيها (هوية حكم سعد) مصنوعة لهدف التبرير و التسويغ، وهناك حضور يهودي طاغ في تضاعيفها وفي سندها.
وأخيرا وليس آخرا، تتناقض تماما مع سماح الإسلام العظيم، ولا تلتقي مع ذلك القلب الكبير الذي يحمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتتضاد مع سلوكه تجاه يهود بني النضير ويهود بني قنيقاع، ولنا عودة إلى بعض النقاط التي لم نتطرق إليها في أثنا ء حديثنا عن محمد ويهود بني النضير أن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.
