هناك مشهدان بالعراق: مشهد الفزع من شبح الإرهاب، ومشهد الرغبة في البناء والإصرار على الحياة. فما بين تدمير مشروع إسالة الماء بالبياع من بغداد، وقتل الأطفال المحتفلين بجريان الماء منه، وبين عودة الأهوار، التي أخلاها النظام السابق من الحياة، هو الفاصل المميز ما بين المشهدين. فبينما يعلو صوت الإرهاب في أعالي دجلة والفرات ووسطهما يعود الماء في أسافل الفرات، ويحل اللون الأخضر محل لون الموت بالمكان، صاحبه عودة للطيور والأسماك، والتفاصيل الحية الأخرى.
ولأهمية الحدث الدولية عقدت في عواصم العالم ندوات ومؤتمرات لتنظيم عودة الحياة. لأن التجفيف مثل الهدم لا يحتاج إلى خبرة وتنظيم ودراسات، بقدر ما يحتاج إلى روح شريرة لا تجيد غير لعبة الموت والخراب. تبنت مثل هذه المؤتمرات، الخاصة بعودة الأهوار، جامعة نيويورك وجامعة هارفارد، ومؤسسات بطوكيو وروما وكندا. حضرت الدولة العراقية ممثلة بشخص وزير الماء الدكتور لطيف رشيد، ولحضور الأخير بادرة خيرة أخرى، إضافة إلى مهمته الرسمية، في العراق الجديد، أن يبدي ابن الجبل، الوزير الكردي، حماساً مدهشاً لتأهيل الأهوار في جنوب العراق.
حضرنا إلى هارفرد وحضر شباب عراقي من بغداد والبصرة، يشرف على مشروعهم المهندس عزام علوش. شباب كانوا أطفالاً يوم بدأ عمليات التجفيف في الثمانينيات، لتحقق غايتها في التسعينيات. هناك ألتقيت بالمصور الفوتغرافي (نيك ويلر)، الذي رافق كافن يانغ في منتصف السبعينيات في زياراته التي بدأت في الخمسينيات وانتهت في منتصف السبعينيات. عرض صوره التي وردت في كتاب يانغ "العودة إلى الأهوار". قلت له: كنتَ شاباً رشيقاً، يوم رغبنا بلقطة من عدستك وأنت تمر إلى الشاليهات في أطراف الجبايش، ويوم باركك السيد صريوط أحد مشاهير العمارة، وأكلت في مضيفه، وأنت الآن كهلاً. قالت زوجته معلقة على اللقاء الحميم، وأسئلته المفعمة بالعاطفة والقلق حول الأهوار: "أنتم أحق به مني، فقد عرفتموه من قبل أن أعرفه بسنوات.
وللمصور الأمريكي ويلر فضل على الأهوار لا يُنسى، فلم يعلو صوت أي احتجاج عراقي أو دولي- لا وجود لاحتجاج عربي – ضد التجفيف من دون أن يثبت حجته بصورة من صوره. ولم يُكتب مقال أو يعقد مؤتمر دون استعمال تلك الصور. أكثر من هذا أقول لقد دفعت وشجعت صور ويلر الاستمرار في الحملة الدولية ضد التجفيف، بل اقنعت آخرين، ممَنْ لم يشاهدوا تلك البيئة، التفرغ للدفاع عنها. وهي التي كشفت للآخرين أن تجفيف الأهوار يعني نهاية الجنة. قلت لويلر: أنت وويلفريد ثيسكر وكافن يانغ تستحقون نصباً تذكارية توضع في متحف الأهوار الجديد.
تحققت مؤتمرات علمية خاصة لمعافاة الأهوار من كارثة التجفيف، وتطويرها وفقاً لمكوناتها الطبيعية، وإعدادها كدار سكنى ملائمة من جديد، وعودتها كمحمية طبيعية تضم مكونات نادرة الوجود. مكونات قال عنها ابن بحر الجاحظ (ت255هـ) قبل قرون في كتابه "البلدان": "لو أجتهد أعلم الناس وأنطق الناس أن يجمع في كتاب واحد منافع هذه البطيحة وهذه الأجمة لما قدر عليها. قال زيد: "قصبة خير من نخلة. وبحق أقول: لقد جهدت جهدي أن أجمع منافع القصب ومرافقه وأجناسه، وجميع تصرفه وما يجيء منه فما قدرت عليه حتى قطعته، وإنما معترف بالعجز مستسلم له". ليس بين أهل الأهوار أمراء أو وزراء حتى يماليهم الجاحظ، إنما أراد لفت الأنظار إلى مكان مدهش، فقال بعجزه عن الكتابة في منافعه، وتفضيل القصبة على النخلة، وهي شطحة خيال أديب يجوز له ما لا يجوز لغيره، وإلا ليس للنخلة من قرين بين الشجر.
ستجدونها أعجوبة العجائب لو علمتم بعودة البردي والقصب والطير والسمك مع أنترنيت وستلايت، كانا من قبل مُحرمين ببغداد. وشاهدي على هذا رسالة ألكترونية وردتني من ابن أختي ربيع عبر بريد إيلاف، جاء فيها: "حصلنا على عنوانك من موقع إيلاف، عاد الماء وعادت الطيور والأسماك، ونحن بخير نكتب لك من أنترنيت الجمعية الإنسانية بالمنطقة". جاءت هذه الرسالة من منطقة طالما عُرفت بعروسة الأهوار، كانت محاطة بالبردي والقصب من كل صوب. يمر بها نهر الفرات مسرعاً ليلتقي بقرينه دجلة في منطقة القرنة، حيث شجرة آدم محاطة بسور قديم.
بفقد الماء فقدت المنطقة كل شيء، اللهجة والشعر والغناء وطريقة العيش المتصلة بحضارة سومر. ناهيك عن فقد صوت واهبات البيان الضفادع، الذي له أثره في الأسماع والنغمات المشهورة هناك. فصوتها فن من فنون البيئة، ينام ويستقظ إنسانها وهو يسمعه لحناً من ألحان الأبدية. ومن معايشة يحزر ابن الهور نبرة صوت ابنة الماء مطمئنة كانت أو مرعوبة، فلا يرعبها غير تربص الأفعى بها وشحة الماء.
قابل أهل الأهوار دهشة الغرباء من تفاصيل المكان ترفاً ومجاملة، ورد جميل لضيافتهم السخية. فهم لم يحسبوا حساب بهاء غرق القمر في سطوح الماء الشاسعة، أو العيش على جزر عائمة فوق سطوح الماء، أوصيد الأسماك من فوق السرير، أو التعايش مع الأفاعي في بيت واحد. ومشاهد بهية أخرى لأنها حياتهم المعتادة.
لكن بعد تجفيف الماء، والهجرة من المكان إلى أطراف المدن، أخذ الحنين إلى تلك التفاصيل مأخذه في النفوس، ذلك من الشعور بالضياع وعدم القدرة على مفارقة الماء. فالبيئة تترك عادة أثرها في الطباع، وربما لمشاهد بيئة الماء الأثر الأكبر من أي مشهد آخر. في مثل هذا الأمر تخيل المتصوف الإيراني فريد الدين العطار (ت627هـ) في كتابه "منطق الطير" حواراً جرى بين البطة وبين الهدهد، وهما من بيئتين مختلفتين، التراب والماء.
قالت البطة معتذرة للهدهد الذي طلب منها هجر الماء: "إن مولدي ووجودي متعلقان بالماء. وإن أغتم قلبي في هذا العالم، فسرعان ما أغتسل من هموم القلب، حيث الماء متوفر لديَّ على الدوام". أجابها الهدهد: "إن الماء يحيط بروحكِ كما تحيط بها النار. كم يطيب لك النوم على الماء! ولكن ستأتي قطرة ماء وتسلبك ماء حياتك. لقد وجد الماء من أجل الوجوه الدنسة". قالت البطة معتزة ببيئتها: "مَنْ يعيش معتمداً على الماء، لا يستطيع أن ينفض يده من الماء". ومَنْ لا يستطيع نفض يده من الماء سيجاهد من أجل كسر السدود العملاقة، وخرق مسببات الجفاف.
ربما عجيبة من العجائب أيضاً أن لا يفطن ابن الهور أنه متى تعلم السباحة في نهيرات المنطقة، وهل يفطن الإنسان متى تعلم الحبو والمشي؟ ولعلَّ ما قالته المستشرقة البريطانية، التي ظلت تترد على المكان أكثر من عشرين عاماً وتخصصت في الديانة الصابئية المندائية، يعبر عن دهشة الأهواريين من وجود دورات تعلم السباحة بالمدن الجافة. قالت دراوور: "في سكان البطائح شيء كثير من طباع طيور الماء. أنهم مرحون، يستمتعون بالنكت، ويكلفون بالضحك، ويولعون بالغناء. إن موطنهم اليابسة والماء على حد سواء، وما أن يدرج الصبي إلا وتجده سابحاً في الماء، أنهم كطيور الماء، وسيبقون كذلك، على الراجح أبد الدهر".
وخلاف مَنْ اعتبر الأهوار مثانة تجتمع فيها المياه الفاسدة يرى الجاحظ، وبقية البصريين من الشعراء والأدباء، أنها مصفاة طبيعية للمياه. جاء ذلك في ردهم على تقولات أهل الكوفة على مياه البصرة: "هم يعيبون ماء البصرة، وماء البصرة رقيق، قد ذهب عنه الطين، والماء المشوب بماء بغداد والكوفة، لطول مقامه بالبطيحة (الهور)، وقد لان وصفا". كانت المقولة الأولى في الماء، بعد مروره بالأهوار، نابعة من اعتقاد ما زال حياً، فمن تجربة متراكمة يرى أهل المنطقة أن الماء يصبح عذباً كلما توغلوا في عمق الهور، وعادة يكون الماء هناك صافياً، زلالاً عند الشرب. فمن غير مروره بين القصب والبردي يمر ماء الهور خلال نباتات أخرى عديدة تعلق فيها الجسيمات الصغيرة جداً، مثل نبات (الشمبلان) الخشن الملمس، الذي تشبه أوراقه الشوكية وتماسكها بعضها ببعض أسلاك مصافي الماء الاصطناعية. وهذا بشار بن برد يقول في عذوبة ماء البصرة بعد مروره بالأهوار:
الرافدان توافى ماء بحرهما
إلى الأبلة شرباً غير محضور
ظلت الأهوار، قديماً وحديثاً، ملجئاً آمناً. آمنَ مَنْ استجار بقصبها وبرديِّها. يخبرنا التاريخ القديم بمطاردة الملك الآشوري (سنحاريب) للذين لجئوا إلى الأهوار، وتظهر إحدى التحف الفنية جنود آشور وهم يركبون الزوارق (السيمريات) يشقون فيها غابات القصب والبردي. كان أبرز اللاجئين في الأهوار الخليفة القادر العباسي، قبل أن يتولى الخلافة، هارباً من ابن عمه الطائع بالله. ذكر ابن الأثير خبره في "الكامل في التاريخ": "خرج من داره واستتر ثم سار إلى البطيحة (...) وكانت مدة إقامته سنتين وأحد عشر شهراً". ولجأ إليها أيضاً قاضي القضاة أبو علي المحسن التنوخي (ت384هـ)، صاحب كتابي "نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة" و"الفرج بعد الشدة"، وقد روى قصته بالقول: "كان لي في هذا الحديث، خبر طريف، وذلك أني كنت لجأتُ إلى البطيحة، هارباً من نكبة لحقتني (…) فألقيتُ هناك جماعة من معارفي، بالبصرة وواسط، خائفين على نفوسهم، قد هربوا من ابن بقية، الذي كان في ذلك الوقت وزيراً (عند البويهيين)، ولجئوا إلى البطيحة"(الفرج بعد الشدة).
جرت محاولات لتجفيف الأهوار في العهد الأموي بدافع الزيادة في الخراج. ولم يقدر وكيل معاوية على التجفيف، ثم عجز الحجاج عنه لأنه الوليد بن عبد الملك استكثر التكاليف. وفي العهد العباسي أوان ثورة الزنج بالبصرة، حاول ولي العهد الموفق بالله تجفيفها، لتسهل مطاردة الثوار فيها. كذلك جرت محاولات التجفيف أوان السلطنتين البويهية والسلجوقية. فبسبب تمرد عمران بن شاهين عمد البويهيون إلى "سد أفواه الأنهار الداخلة في البطائح، فضاع فيها الزمان والأموال، وجاءت المدود، وبثق الحسن بن عمران بعض السدود". وأطرف ما في الأمر أن أهدى بختيار البويهي لابن شاهين مجموعة من الخيل، وربما لا يعلم، وهو الديلمي، أن خيل الأهوار قواربها وسفنها، لذا رد ابن شاهين الهدية مع عبارة: "لأن دوابي هذه السفن"(مسكويه، تجارب الأمم).
غير أن ما حصل في عمليات التجفيف الأخيرة لا تساويه كل خطط وعمليات تجفيف المنطقة عبر التاريخ. لقد أعطت نتائج مروعة وتمت بإنشاء سدود ضخمة واستخدم آلات هائلة، كانت قتلاً متعمداً لبيئة عمرها آلاف السنين، لها حضورها في التوازن البيئي والحضاري. فالتجفيف أي كانت أسبابه ما هو إلا قطع شريان الحياة وتدمير ثروة نباتية وحيوانية قل لها مثيل في العالم. ولو كان هناك تدبير وحرص لأخذ بمقترحات أهالي المنطقة المبنية على تجربة طويلة في المكان. ومفادة حفر الفرات والأنهر الداخلة في المنطقة، وبيهذه الطريقة يحفظ الماء، وتزدهر الزراعة، ويردء خطر الفيضان السنوي.
هناك محاولات لجعل الأهوار محمية من قبل الأمم المتحدة، مثلها مثل المدن الأثرية، حتى لا تخضع لمزاج الوزير أو المحافظ، مثلما كانت من قبل. فهي ذات روابط بيئية دولية، تأتيها الطيور لتشتي فيها. كذلك تشهد مواسم أنواع نادرة من الأسماك، وإن سد دار الهجرة الموسومية بوجه هذه الكائنات يعرضها للانقراض. من انجازات الوضع الجديد الخاصة بالأهوار، إضافة إلى كسر السدود ومعالجة عودة الروح إليها، تبنت وزارة الثقافة، في العام الفائت، مشروع مركز بحوث ومتحف، أُنتهي من التصميمات العمرانية، والدراسات البيئة له. ورد في مقدمة التصميم المقدم من قِبل المعماري محمد مكية، وهو أحد تصاميم المشروع الفائزة: "اعتقادنا إن متحف التاريخ الطبيعي قد لا يتحدد بوجود فضاءات داخلية وخزانات عرض، بل يتحدد بتحقيق فضاء مائي لتلبية متطلبات متحف مفردات البيئة الحية من النبات والحيوان. ويتحقق على شكل حدائق مائية تتواجد فيها طيور الماء والأسماك والنباتات المختلفة. نذكرها حسب التسميات المحلية: نبات الكعيبة، والشمبلان، والكَاط، وزهير البط، وهو نبات ربيعي، والعرمط، والجولان (الجيم الفارسية)، والسلهو، إضافة إلى البردب والقصب. أما الطيور، حسب التسمية المحلية أيضاً، فهي: الخضيري، والبط، والرخيوي (نوع من أنواع مالك الحزين)، ودجاج الماء، والحذاف، وأبو زلة، والريزجي (طائر خواص) وغيرها. يدعو هذا إلى إمكانية أن يترك التصميم مجالاً لمشاهدة هذه التفاصيل، ونقترحها أن تكون عبر مشبكات تفسح المجال لتجوال الزاور فوقها. يشعر الإنسان بأهمية تحقيق مؤسسة حضارية تضم مركز أبحاث ومتحف بالمنطقة. تدرس فيها تفاصيل البيئة وطرق الحفاظ عليها سليمة من عوارض الزمن. تحفظ فيها متعلقاتها السومرية وأدواتها الشعبية، وتحقق مسرحاً بيئياً لمفردات الطبيعة الحية، ومكاناً سياحياً يباري مشاتي العالم. فللشتاء هناك دفئه وللربيع رونقه".
اعتقد الكثيرون أن أهوار جنوب العراق لا تعود خضراء بعد عمليات التجفيف. ولهم الحق في هذا اليأس، فقد تحول البردي والقصب إلى عاقول، واستبدلت الطيور بالثعالب والذئاب، وبعد جفاف الجداول والبحيرات شوهدت جثث الأسماك والسلاحف تخطي فطور الأرض العطشى. وتُركت القوارب خرائب من الخشب والقار. لكن لو سألت أحد أبناء المنطقة عن إمكانية عودة بيئته لأجابك بكلمة واحدة: الماء! فعروق البردي والقصب تحتفظ بالحياة، وبيوض الأسماك لا تموت بسرعة، فالرطوبة لا تفارق تربة جاورها الماء وأحاطها لآلاف السنين.
الأهوار.. إهتمام دولي بعودة الماء
هذا المقال يحتوي على 1777 كلمة ويستغرق 9 دقائق للقراءة
