قصة ثياب الإمبراطور الجديدة معروفة في الفولكلور الشعبي لجميع الشعوب وهي قصة قديمة من صنع خيال حكيم عظيم عبر بها عن مدى سهولة خدع الدهماء وجرهم إلى هيستيريا الجماعية في المديح الزائف. ونحن في القرن الحادي والعشرين وعلى الرغم من أننا عشنا في عصر الذرة وغزو الفضاء والإنترنت والثورة المعلوماتية والعولمة، ولكن بقيت الطبيعة البشرية على حالها كما كانت قبل آلاف السنين، فمازالت الأعراب تكيل المديح الزائف للطاغية صدام حسين وتصفه برمز الأمة العربية وقائدها البطل إلى أن تفضل علينا الجنود الأمريكان فأخرجوه من حفرة العنكبوت جرذاً مذعوراً ذليلاً مدحوراً.. وللمزيد في إذلاله، نشرت صحيفة (الصن The Sun) البريطانية، صوراً للجلاد عارياً إلا من سرواله الداخلي وهو صاغر وذليل، لتتلقفها شاشات التلفزة العالمية في كل المعمورة.
طبعاً ثارت ثائرة الأعراب في كل مكان ومعهم مثقفو الكوبونات النفطية ومنظمات حقوق الإنسان والصليب الأحمر الدولية التي لم يرمش لها جفن يوماً للمجازر التي تعرض لها الشعب العراقي على أيدي جلاوزة صدام حسين المعروف في العالم بجزار بغداد. "صور صدام تثير زوبعة سياسية" عنوان في صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية يوم 21 مايس الجاري وعشرات العناوين المشابهة في الصحف الأخرى بما فيها الصحف الغربية. مرة أخرى فضح العرب ولعهم بالاستبداد وعشقهم اللامحدود لشخصية الدكتاتور وتأليهه. يقول أحدهم: " إن قصدهم هو إهانة لقائد عربي، يمثل الشرعية الرئاسية في العراق ويعتبر رمزا من رموز التاريخ العراقي...". مسكين هذا العربي، فمازال يعتقد بشرعية انتخابات صدام حسين وفوزه مائة بالمائة من أصوات الشعب العراقي. لا يعترف هذا الرجل أن حزب البعث اغتصب السلطة عن طريق انقلاب عسكري وقتل المعارضين واغتصب الشعب العراقي ما يقارب الأربعة عقود. ومازال هذا العربي يؤمن بثياب الإمبراطور، ولكن والحمد لله، فقد نال سيده ما يستحق من إذلال.
نسى الأعراب كم أذل هذا الجلاد الشعب العراقي الذي تسبب في قتل ما يقارب المليونين إنسان وشرد حوالي خمسة ملايين وصار الألوف منهم طعاماً للأسماك وقرش البحار. نسى هؤلاء عمليات الأنفال وجريمة حلبجة وتدمير خمسة آلاف قرية في كردستان وما أجراه من تجفيف الأهوار وتدمير البيئة في الجنوب. نسي هؤلاء جرائم صدام حسين في الكويت وحرقه لثمانمائة بئر نفط فيه، وما لحقه من دمار شامل بالشعبين العراقي والإيراني في حروبه العبثية وقادسياته المشؤومة ومحارقه البشرية المهلكة. ومع ذلك يتباكون على الجلاد ويعتبرونه رمزاً للأمة! إنه في الحقيقة رمز للظلم والجور، رمز للانحطاط والتخلف والهمجية وإبادة الجنس، ورمز للعار العربي.
صدام حسين الذي سرق أموال الشعب العراقي حتى في أوج الحصار وصرف عشرات المليارات من الدولارات على بناء ما يقارب المائة قصر واشترى يختاً بحجم أضخم باخرة نقل مسافرين عبر المحيطات، وشراء ذمم المئات من الصحفيين والسياسيين العرب وغير العرب من أصحاب الكوبونات النفطية ودفع الملايين للإرهابيين والعمليات الإنتحارية.
طبعاً، قبل إلقاء القبض على صدام حسين يوم 13 كانون الأول 2003، كان البعض من أصحاب نظرية المؤامرة من العرب يروجون أن "احتلال العراق" كان مؤامرة بينه وبين جورج بوش وأنه (صدام) يعيش مع عائلته في واشنطن معززاً مكرماً، يلعب الغولف يومياً مع جورج بوش في حدائق البيت الأبيض!! وأن أمريكا لم تحتل العراق من أجل إقامة الديمقراطية فيه بل من أجل إذلال شعبه ونهب ثرواته النفطية بسعر بخس.. إلى آخره من الخرافات. ولما تم إلقاء القبض على صدام في حفرة العنكبوت وعرضه على شاشات التلفزة منفوش الشعر مذعوراً، لم يصدق هؤلاء مما جرى، فروجوا أنه كان خدعة سينمائية وأيدهم في ذلك حتى السياسي الروسي المخضرم المستعرب يفغيني بريماكوف الذي كرس العديد من مقالاته لينفي استسلام صدام للأمريكان بهذه السهولة وأن القصة فبركة إعلامية!!
لقد أثبت صدام حسين بسلوكه الأهوج طيلة حياته، أنه جبان وغبي إلى أقصى حد. فلو لم يكن جباناً لدافع عن شرفه وحارب الجنود الأمريكان عند القبض عليه إلى أن يقتل ليعطي عذراً لأتباعه على الأقل للإدعاء بأنه مات شجاعاً وشهيداً دفاعاً عن شرفه وكرامته. ولكن حتى هذه المحاولة بخل بها على أتباعه، حفاظاً على حياته مما يدل على مدى تعلقه بالحياة حتى مع الذل. كذلك أثبت صدام أنه غبي، فلو كان عنده ذرة من الذكاء لما جلب هذه الكوارث على شعبه ونظامه وعائلته ونفسه.
وأخيراً، أراد الله له المزيد من الذل والإهانة، فكانت الصور التي نشرتها الصحيفة البريطانية (الصن) مشكورة. لا شك إن عرض صور الديكتاتور عارياً قد يؤذي مشاعر الذين أنعم عليهم بالسحت الحرام من أموال الشعب العراقي، ولكنه بالتأكيد لا يعتبر إذلالاً للعرب أو للشعب العراقي كما يتوهم البعض، بل إذلال للديكتاتور نفسه ودرس من التاريخ لغيره من الحكام المستبدين.
وفي نفس الوقت فإن إذلال الطاغية صدام حسين يفرح الشعب العراقي، خاصة عائلات مئات الألوف من الذين غيبهم الجلاد في المقابر الجماعية وضحايا الأنفال وحلبجة وملايين المعوقين واليتامى والأرامل نتيجة حروبه العبثية. لقد أذل صدام حسين شعباً بكامله أكثر من ثلاثة عقود، فما الخطأ فيما لو أهين ونال الإذلال أمام العالم عرياناً إلا من ملابسه الداخلية وصور أخرى وهو يغسل بنطاله بنسفه ذليلاً مدحوراً بعد أن سخر شعباً كاملاً يقوم بخدمته بالقوة؟ إن ما تعرض له صدام حسين من إذلال هو حكم التاريخ العادل ودرس لغيره من المستبدين الذين يذلون شعوبهم. (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين).
