-1-
علاقة تاريخية مع العرب

لبريطانيا علاقة وثيقة بالعرب والحضارة العربية، أكثر من أية دولة أوروبية أخرى. ولعل هذا سرَّ تواجد العرب والمسلمين في بريطانيا بهذه الكثرة (6 و 1 مليون) وبهذا الحضور السياسي والديني والإعلامي.
فقد عرف الدارسون الانجليز في القرن الرابع عشر الرازي وابن سينا وابن رشد . وكان أول إنجليزي درس العربية هو أدلراد باث، وهو معلم هنري الثاني. وكان قد سافر إلى سورية واسبانيا المسلمة وترجم العديد من النصوص العربية . وكان أول كتاب تمت طباعته في بريطانيا عام 1477 كان نسخة مترجمة من كتاب " مختار الحكم ومحاسن الكلم". وتتحدث مصادر بريطانية عن الانجليزي جون ويلسون بوصفه أول إنجليزي يعتنق الاسلام عام 1583. وبدأ تعليم اللغة العربية في أوكسفورد عام 1663 . وكانت الإمبراطورية البريطانية، تضم العديد من الأقطار التي يعيش بها عدد كبير من المسلمين مثل مصر ونيجيريا والهند وماليزيا. وقد ساهمت هذه البلاد بمواردها والأيدي العاملة بها في ازدهار انجلترا في العصرين الفيكتوري والادواردي . وفي عام 1860 تم تأسيس أول مسجد في كارديف . وتوالى بعد ذلك إقامة المساجد وتكوين الجمعيات المسلمة . وتأسس صندوق عام 1910 لجمع التمويل اللازم لاقامة مسجد في نوتينج هيل جيت في لندن وقد أقيمت فيه صلاة الجمعة عام 1914 . وفي عام 1913 تم اصدار أول صحيفة لمسلمين تحت إسم "مسلمي الهند " . وفي عام 1941 تم افتتاح المركز الثقافي الاسلامي في لندن . وبعد الحرب العالمية الثانية تزايدت الأيدي العاملة المسلمة في بريطانيا التي كانت في أشد الحاجة إلى العمالة بعد الحرب . وشهدت السبعينيات إنشاء معهد البحوث الاسلامية وفعاليات مهرجان العالم الاسلامي . ولكن تظل بريطانيا المستعمر الأكبر للعالم العربي طيلة أكثر من نصف قرن من الزمان، والمسؤولة الأولى عن النكبة القلسطينية.

-2-
لندن مربط خيل الأصوليين بامتياز

تعتير لندن، الآن من أكثر العواصم الأوربية استضافة للأصوليين. ولعل قوانين اللجوء السياسي وقوانين الهجرة المتسامحة والكريمة في بريطانيا – لكونها امبرطورية استعمارية سابقة كانت الشمس لا تغيب عنها، وتضم شعوب الكومنولث - هي من أكثر القوانين الأوروبية ليناً وانسانيةً ومراعاة لحقوق الإنسان، بحيث سمحت لهذا العدد الكبير من الأصوليين أن يقيموا في بريطانيا اقامة طويلة وشرعية. اضافة إلى وجود صحف أصولية عربية ذات ثوب تقدمي شفاف جداً، تنشر مقالات هؤلاء الأصوليين، وتنشر أخبارهم ونشاطهم، وترشقهم بالورود، وترشَّ عليهم عطر الأعراس (أعراس الدم)، وتطلق عليهم "فقهاء وشيوخ الإسلام". وقد كتبت هذه الصحف تعليقات سعيدة مليئة بالزغاريد والتهاني بعد ساعات من وقوع تفجيرات لندن، تقول : "اذا صحَّ أن القاعدة، كانت فعلاً خلف تفجيرات لندن هذه، فإنها تكون قد سددت ضربة قاصمة لتوني بلير وحليفه بوش، وأثبتت أن الحرب على الإرهاب التي كلّفت بلديهما حوالي ألفي قتيل، ومئتين وخمسين مليار دولار، لم تحقق النجاح المأمول منها؛ أي تدمير تنظيم القاعدة، وحماية المدن الأوروبية والأمريكية من الهجمات المسلحة." (القدس العربي 8/7/2005). وقالت هذه الصحافة شاتمة وشامتة بالحكومة المصرية في مقتل السفير المصري ايهاب الشريف : "نتعاطف مع أسرة السفير المصري ايهاب الشريف الذي أعدمته جماعة تابعة لتنظيم القاعدة، ولكن، ولا بُدَّ من ولكن هذه، أليست أمريكا هي التي اجبرت النظام المصري علي تطبيع العلاقات مع حكومة غير شرعية في العراق، وفتح سفارة فيها؟ السفير المصري قتلته حكومته، قبل أن يقتله تنظيم القاعدة، لأنها لم تحافظ على حياته، ورمت به إلى التهلكة" (القدس العربي 8/7/2005).
هكذا أصبحت لندن العاصمة الأولى في العالم، وليست في أوروبا فقط، التي تضم أكبر عدد من زعماء الأصولية الإسلاموية ووسائلها الإعلامية. ففيها يقيم زعماء الأصولية الدينية العرب في العالم، كعمر البكري السوري زعيم تنظيم (جماعة المهاجرين) المتضامنة مع "القاعدة"، وكأبي قتادة الأردني، وأبي حمزة المصري وهاني السباعي وياسر السري من مصر، وسعد الفقيه ومحمد المسعري ومحمد المصري من السعودية، وراشد الغنوشي وقيادات "حركة النهضة" التونسية، وغيرهم من المغرب العربي واليمن والعراق وبلدان الخليج العربي. أيضا استفاد أسامة بن لادن من سهولة القوانين البريطانية وقام بافتتاح مكتب إعلامي وسياسي في لندن في عام 1994وتم إغلاقه بعد 4 سنوات بسبب اعتقال المسؤول عنه بعد اتهامه بتقديم مساعدة للقاعدة في هجومها على سفارتي الولايات المتحدة في إفريقيا .
و قد صدرت معظم بيانات أسامة بن لادن انطلاقا من العاصمة البريطانية لندن. و كان عالم الدين المتشدد المعروف باسم (أبو قتادة) الذى يوصف بسفير بن لادن فى أوروبا يقيم فى لندن.
وكان روهان غوناراتنا قد ذكر فى كتابه ("القاعدة" من الداخل، 2002) أن لندن كانت المركز الروحي لتنظيم "القاعدة" فى العالم الغربى. وقد عرف عن تنظيم "القاعدة" امتلاكه لشبكة قوية من المؤيدين له فى أوروبا. ويمكن القول بأن إحدى الخلايا الارهابية التابعة لتنظيم "القاعدة" فى مدينة هامبورغ الألمانية هى التى نفذت هجمات الحادى عشر من سبتمبر بدعم و تخطيط من خالد شيخ محمد أحد أبرز أعضاء تنظيم "القاعدة" .
و تحمل التفجيرات الأخيرة عدداً كبيراً من السمات المميزة لتنظيم "القاعدة" مثل تنفيذ هجمات متزامنة تهدف إلى اغتيال أكبر عدد من المدنيين قدر الإمكان. و يبدو أن مركز الهجوم انطلق من أحد الأحياء الاقتصادية الهامة على غرار الهجمات التى استهدفت برجى مركز التجارة العالمي فى مدينة نيويورك كما قال جيمس فيليبس (الخلايا الارهابية حولت لندن إلى لندنستان).
وقد استغل هؤلاء الأصوليون الكرم والعطاء والحماية القانونية البريطانية، وبدأوا يمارسون نشاطهم الإرهابي الإعلامي واللوجستي منذ سنوات طويلة. ورأينا زعماءهم في الصحافة العربية وفي الفضائيات العربية، يطلقون قذائف الإرهاب الإعلامية بمضاء وعنف أكثر من مضاء وعنف السلاح الإرهابي المستخدم في أفغانستان والعراق والسعودية والمغرب ومصر وغيرها من البلدان التي ابتليت بوباء الإرهاب، وهو وباء العصر الحديث الأكبر والأخطر دون شك.

-3-
بريطانيا الماكينة الغربية لتفريخ الارهاب

توصف بريطانيا الآن وفي الماضي بأنها كانت ماكينة تفريخ الارهاب للغرب كله بما فيها أمريكا. وقد لفت نظرنا الباحث في مركز دراسات (أمريكا الجديدة) بيتر برجين في مقاله (الإرهاب يأتي من أقرب حلفائنا) (نيويورك تايمز، 12/7/2005) إلى أن ريتشارد ريد الذي حاول أن يفجر الطائرة الأميركية التي تربط بين باريس وميامي في 2001 بحذاء مفخخ كان بريطانياً. وكذلك كان ساجد بدات الذي أدانته إحدى محاكم لندن قبل أربعة أشهر في لندن لتخطيطه تفجير طائرة تربط ضفتي الأطلسي بواسطة حذاء مفخخ شبيه بذاك الذي استعمله ريتشارد ريد في 2001 . ولم يكن أحمد عمر الشيخ الذي خطط لعملية اختطاف مراسل وول ستريت جورنال دانيال بيرل وقتله في 2002 بباكستان إلا بريطانياً من أصول باكستانية. وفي نفس السياق قامت الشرطة البريطانية بإلقاء القبض على 12 شخصاً متهمين بالإرهاب أغلبهم يحملون الجنسية البريطانية بما في ذلك عضو "القاعدة" أبو عيسى الهندي المتهم بالضلوع في التخطيط لهجمات على بريطانيا والولايات المتحدة، حيث يتهمه المسؤولون الأمنيون في أميركا بالقيام بدور مراقبة أهداف مالية محتملة في نيويورك وواشنطن في الفترة بين أغسطس 2000 وأبريل 2001 .
وفي خطوة غير مألوفة تورط مواطنون بريطانيون قبل سنتين في تنفيذ عمليات انتحارية خارج الدولة، مما ينذر بأن عمليات مماثلة يمكن أن تنفذ داخل الولايات المتحدة. أما خارج أميركا فقد دلف مواطنان بريطانيان من أصول باكستانية في 30 /4/ 2003 إلى أحد أندية موسيقى الجاز المجاور للسفارة الأميركية بإسرائيل ونفذوا عملية هناك.

-4-
لماذا كل الصيصان الارهابية؟
لماذا تفرخ بريطانيا كل هذا العدد من الإرهابيين؟
إن المسلمين في بريطانيا ينتمون في أغلبهم إلى فئة الشباب، كما أنهم يعانون من سوء الاندماج داخل المجتمع البريطاني مما يجعلهم لقمة سائغة للتطرف. وتشير الأرقام في هذا الصدد أن المسلمين يشكلون أصغر الفئات العمرية بين باقي المجموعات الدينية الأخرى في بريطانيا حيث أن ثلثي المسلمين هم أقل من 16 سنة. بالإضافة إلى أن معدل البطالة بين المسلمين يصل إلى 10بالمائة وهو يفوق المعدل الوطني للبطالة في بريطانيا الذي لا يتعدى 5 بالمائة. وترتفع نسبة البطالة تلك إلى 22 بالمائة بين صفوف الرجال من المسلمين ما بين سن 16 و22 سنة. وبالنظر إلى تلك الأرقام ليس من الغريب أن تُظهر استطلاعات الرأي التي تجرى في أوساط المسلمين البريطانيين إحساساً متنامياً بالاستياء. ويتجلى ذلك الاستياء بشكل واضح عندما يكشف استطلاع للرأي قامت به صحيفة "الجارديان" السنة الماضية أن 8 من كل 10 مسلمين يعتقدون أن الحرب على الإرهاب إنما هي حرب على الإسلام. والأدهى من ذلك أن 10 بالمائة من المسلمين البريطانيين مستعدون، حسب نفس التقرير، لتبرير أي عمليات أخرى قد تقوم بها منظمة القاعدة ضد الولايات المتحدة. هذا ولم تخلُ حتى الثقافة الشعبية من التعبير عن استياء المسلمين البريطانيين حيث ظهر السنة الماضية شريط مصور لأغنية تحت اسم "الكفار القذرون" جاء في كلماتها ما يلي "كنجم متلألئ جذبني بن لادن، كمنظر البرجين وهما يستويان أرضاً.
وعلى صعيد متصل أظهر تقرير صدر عن الحكومة البريطانية في السنة الفائتة أن هناك ما بين 10 آلاف و15 ألف مسلم بريطاني يساندون القاعدة أو تنظيمات مشابهة. وترتكز تلك التقديرات على المعلومات الاستخباراتية ونتائج استطلاعات الرأي، بالإضافة إلى تقرير يشير إلى أن 10 آلاف مسلم حضروا مؤتمر في 2003 نظمه "حزب التحرير" وهو تنظيم تعتبره وزارة الداخلية البريطانية "منظمة مهيكلة ومتطرفة". وتعتقد السلطات البريطانية أن ما بين 300 و600 من مواطنيها المسلمين تلقوا تدريباً في معسكرات طالبان بأفغانستان. ونظرا إلى كل تلك الأسباب التي تجعل من بريطانيا مرتعاً خصباً للتطرف، وبسبب قوانين اللجوء السياسي المتساهلة نسبياً في بريطانيا ليس غريباً أن يطلق الناشطون العرب المقيمون في بريطانيا على لندن على سبيل التندر "لندنستان ".

-5-
الأصوليون الإرهابيون في حماية الديمقراطية البريطانية

استغل الأصوليون الإسلامويون التقاليد الديمقراطية البريطانية العريقة، فأصدروا الكتيبات والمنشورات وقادوا المظاهرات، وعقدوا الندوات، وأقاموا معسكرات التدريب العسكري والفكري التكفيري داخل المساجد وخارجها، ونادوا برفع علم الخلافة الإسلامية فوق قصر بكنجهام، كما فعل الأصولي عمر البكري زعيم "جماعة المهاجرين" السورية الأصل، والذي يعتبر أخطر تنظيم أصولي في بريطانيا. ولا يتوانى أن يعلن عن نفسه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بأنه جناح من أجنحة تنظيم "القاعدة".
فالتصريحات السابقة التي أدلى بها البكري عن الحرب الإلكترونية القادمة، أدت إلى إثارة حالة من الهلع والقلق على شبكه الإنترنت، وفي الأوساط المالية والاقتصادية الغربية خاصة. مع تأكيده أن تنظيم "القاعدة" والتنظيمات الإسلامية الأخرى الموالية له أو المتعاطفة معه، تستعد لشن أضخم وأخطر هجوم إليكتروني من نوعه ضد شبكة الإنترنت، يهدف إلى تدمير البنى التحتية لشبكات الكومبيوتر والمؤسسات والشركات المالية في أمريكا وأوربا، بهدف إحداث كارثة اقتصادية ضخمة تجبر أمريكا وحلفاءها على وقف الحرب العدوانية ضد المسلمين. وكان البكري المعروف بعلاقته الوثيقة بتنظيم "القاعدة" قد أعلن في حوار مع مجلة "كومبيوتر وورلد "، أن تنظيم "القاعدة"، والعديد من التنظيمات الإسلامية المرتبطة به يستعدون حالياً لإعلان الحرب الإلكترونية المقدسة عبر الإنترنت، دفاعاً عن الإسلام والمسلمين، ضد الحرب الشعواء التي يشنها عليهم الغرب. (قناة الجزيرة، 30/11/2002).
ونقلت صحيفة "التليغراف" (14/8/2002) عن البكري قوله، بأنه سيقوم هو وأقرانه بإصدار فتوى، تتضمن كيف يرد المسلمون على أي هجوم يتعرضون له، معتبرين أن أي هجوم عسكري تقوم به بريطانيا والولايات المتحدة ضد العراق، إنما هو "جزء من تحالف شيطاني ضد المسلمين في كافة أنحاء العالم". وقال البكري لصحيفة "لاريبوبليكا" الايطالية: "إن تبني القاعدة اعتداءات مدريد صحيح . مشيراً إلى أن ايطاليا قد تكون الهدف المقبل".
ونقلت الصحيفة الأوبزيرفر (18/3/2001) عن سيرجي ياسترزمبسكي المتحدث باسم الرئيس الروسي بوتين في الشيشان - والذي قالت الصحيفة إنها حصلت منه على نسخة من شريط الفيديو- إنه أمدَّ السلطات البريطانية بالأدلة التي تثبت أن المسلمين البريطانيين يحاربون في الشيشان. وأضاف أن روسيا طالبت بريطانيا بإيقاف "جماعة المهاجرين" الأصولية في بريطانيا، بحجة أنها قامت بإرسال عشرات المقاتلين المسلمين لروسيا. وليس من المستبعد أنهم يرسلون الآن إرهابيين مدربين إلى العراق، يتم تدريبهم في المساجد، أو في أقبية هذه المساجد كما قالت الأخبار.
ورغم ذلك فإن القضاء البريطاني الديمقراطي "الملائكي"، لم يستطع أن أن يثبت أن "جماعة المهاجرين" جماعة ارهابية وأن زعيمها البكري هو ظل ابن لادن في بريطانيا. فوقعت الواقعة على البريطانيين، وقرعت القارعة لندن، كما سبق وقرعت مدريد ونيويورك وواشنطن. فذوقوا يا أهل عاصمة الضباب عذاب الإرهاب، الذي كنتم له مستضيفون، وبه مرحبون، وعنه غافلون، لعلكم تستيقظون. ولا شماتة.

[email protected]