مثلما تزداد الأوضاع العربية سوءاً بالكوارث والحروب والأزمات، تزداد معها التفاهات والتسطيح والنفاق والمظالم والأوجاع والتديُّن الزائف؛ حيث محو ثقافة القيمة واستبدالها بالخزعبلات. إنه عصر الانحطاط والركاكة، والعبث والإلهاء، والخداع والتلاعب بالصورة.
في التلفاز يظهر (الأبطال) المدججين بأسلحة الجهل والفساد لِلَّعب على الحبال، وتضليل الناس بالكلام المغشوش الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوع، حيث لا يتميزون عن مشاهديهم من العوام في شيء، ويكون حضورهم كغيابهم، لا يُقدّم ولا يؤخر!
عندنا (المحلل السياسي) و(المحلل العسكري) و(المحلل الاستراتيجي) و(المحلل الجيو سياسي)، الذين يشكلون اليوم فِرقاً وألوية تتسابق للقتال؛ من أجل الفوز بمعركة إعلامية لمباهاة الظهور والارتزاق والتزلُّف، حيث العبث بالصوت والصورة وبألوانهما. متعددو الصفات والمسميات والمآرب والغايات، وظيفتهم تزييف وعي الناس والتلاعب بعقولهم، وتأسيس خرافات سياسية مضللة ببهارات التنجيم، وضحالة التفكير والتحليل تضع العقل البشري في حيرة كبرى.
ومثلما ساهم السياسيون في العراق بتقطيع أوصال الوطن، وقتلوا جماله وبهاءه؛ فإن للمحليين السياسيين نصيباً كبيراً في هذه المهمة (اللئيمة)؛ فقد حوَّلوا الناس إلى ثكنات سياسية متنافرة، وطائفية متفرقة للقتال والاصطفاف والتعصُّب؛ فأغلقوا منافذ التفكير الحر، وأشعلوا فتنة الكراهية والتعصب وإثارة النعرات السياسية. ولم يسلم الوطن منهم حتى في لحظات راحته وهدوئه، واستقرار أمنه.
لم أجد محللاً سياسياً محايداً ومستقلاً، إلا ما ندر، فالكل في حالة حرب مع الأحداث العراقية، إما تزلُّفاً لحزب، أو نجد جهازاً دعائياً لجهة أو فرد؛ فلا وجود لمنطقة رمادية بين الأبيض والأسود. لم أر معارضاً للسلطة يعترف ببعض الإيجابيات، ويُبشر بالأمل، ولم أر مؤيداً للحزب أو السلطة يُبرز العيوب، ويتحدث بشجاعة عن السلبيات. ربما هذا ما يؤيد فكرة على الوردي بأن: (الشخصية العراقية متطرفة في كل شيء)!
وبمنطق العلم، فالمحلل ليس مُنجِّماً يخدع الناس بسفسطة الحكايات المضللة، وبنشر العوالم الزائفة الوهمية من الأفكار المجردة التي لا يقبلها الواقع منطقياً، لكي يُوثِق العقلَ في أغلال الآراء الشائعة؛ إنما هو صاحب رسالة ورؤية من ذوي المعرفة، ومستقلٌّ وحياديٌّ في رأيه، ومستوعبٌ للأزمات السياسية وتعقيداتها وخفاياها السرية، ومبتعدٌ عن الذاتية والانتماءات الأيديولوجية، ومستقرئٌ للأحداث، ومكتشفٌ لما تعجز عنه العقول العادية، ومحللٌ حكيمٌ للوقائع ورَدِّها إلى مسبباتها المنطقية، والأهم هو التنبؤ بالنتائج، ونهايات الأزمات.
المحلل السياسي هو مفسر لواقع يلفه الغموض، لكن ليس كمن يفسر الأحلام بمنطق علم الغيب، وخزعبلات (قارئة الفنجان)؛ لأن من لا يَفهَم لا يستطيع أن يُفهِم. فدور المحلل السياسي يتمثل في تقديم سيناريوهات محتملة، وعرض تنبؤات واقعية للأحداث وإدراك دوافعها. لذلك فإن التحليل السياسي ينبغي أن ينأى عن: (العواطف والتهويل والتهوين)، ولا يخدع المتلقي بالمعلومات المضللة والكاذبة لأهداف سياسية أو شخصية. ومع الأسف، فإن معظمهم لا يمتلكون إلا ثقافة (سمعية)، وبالتالي فهم يخرجون علينا بنتاج (شفهي) متحيز!
والمصيبة أن مهنة (المحلل السياسي) أصبحت مهنة مَن لا مهنة له!، إنها مهنة الارتزاق؛ لأن معظمهم عاطلون عن العمل أو لهم ارتباطات مع أحزاب وكيانات، ودورهم التنقُّل بين الفضائيات لترضِيتها بالرأي الذي تُقرره وتتبناه.
شاهدت أحدهم يتحدث في ثلاث فضائيات مختلفة عن (الحكومة) في يومٍ واحد، فقد قال عنها: حكومة حكيمة في قراراتها في قناة السلطة، وبعد ساعتين قال في فضائية معارضة: إنها حكومة مرتبكة بلا رائحة، وفي المساء قال في قناة كردية: إن الحكومة مقصرة تجاه الكرد. وهذا يذكرني بالخلطة العجيبة الموصوفة أيام (كورونا اللعينة) للنجاة منها، والتي تقول (قشر ثوماً، واعصر فوقه ليموناً، ورُشة بملح وفلفل أخضر حار مطحون، وشوية زيت زيتون)، لنكتشف لاحقاً أنها خلطة تتبيله الفول!، والشبيهة بتتبيلة المحلل السياسي!
ومن أكبر المآسي: أن المحلل الاستراتيجي، هو صانع الجهل السياسي، والبلادة الفكرية، فنحن أمام كوارث على صعيد التثقيف السياسي، وجهالة لا تفرق بين الدولة والحكومة، أدت إلى روح الانتقام من الوطن، قبل الحكومة، فاختلط الحابل بالنابل، كما يقولون؛ ليتأسس العقل العراقي على جدلية ثقافة المطالب الكثيرة، وروح الانتقام من الوطن. لأن الوطن بيتنا الكبير، ومشاكلنا مع الحكومة لا يحلها تخريب الوطن!
ولا شك أن العيش بين الأمل واليأس، والموت والحياة، والقبول بالمقسوم، سرعان ما يتمخّض عنه قبول الذل والمهانة، والمراهنة على الفشل، والسماح لتغوُّل واستشراء الظلم والاستبداد، وأن يحيا حياة طبيعية في النفوس!
منذ سنوات سمعنا من المحللين في الداخل والخارج بأن النظام سيسقط؛ مرة عبر أشهر، ومرة عبر سنوات. وأثاروا زوابع عدة؛ تارة بالصوت وأخرى من خلال الوثائق المسرَّبة، واختُرعت سيناريوهات ملفَّقة بالتغيير القادم؛ حتى يفتحوا باب الأمل للعراقي بمنطق (الآمال الخادعة)، ويكسبوا مشاهدات أكبر؛ ليحقنوا أنفسهم بمضادات البروتين والنرجسية. منهم مَن راهن على الأمريكان في التغيير دون معرفة قوانين اللعبة الأمريكية في الداخل. وآخرون غرقوا في لُج بحر أحلام اليقظة، دون أن يتنبهوا إلى أنهم نائمون، وبلا غطاء!
هناك الطرف الآخر الذي يرى العراق فردوساً ينعم أهله بما لذ وطاب، وهم الشعب الأسعد والأغنى في المنطقة؛ إنه جمهورية أفلاطون المثالية التي لا يُظلم فيها المواطن، ولا تجوع المعدة، ولا يمرض الجسد، ولا ينتشر فيه اللصوص والمجرمون. سعيدٌ مَن يعيش على هذه الأرض التي لا تعرف الحروب والكوارث والمخدرات والبسطات و(التوك توك)!
ومع ذلك أقول، ومن باب الحيادية: إن المحلل المتعصب لحزبه أو جماعته هو محلل لا يصلح لهذه المهنة، ولا يكون جديراً بالثقة، فهو مُخرّب، يقتل أحلام الناس وطموحاتهم، ويجعلها في مقبرة الحياة. بينما المطلوب، هو المحلل المتعصب لوطنه الذي يشعل شمعة الأمل أثناء المحن والأوقات العصيبة؛ هو مَن يطفئ نار فتنة التعصب والكراهية، ويرسم خريطة الإصلاح بقلب كبير، ويُداري جروح الوطن. فليس هناك وطن يعيش دون ضجيج الألم والتضحيات! المهم أن يبقى الوطن (سالماً منعماً وغانماً مكرماً) .
راجعوا كتبَ التاريخ والدول والبشر؛ فتلك هي البراهين التي ستجدون بها الأمل بين ثنايا الكوارث والأزمات، وستكتشفون أن الزمن هو مُحلل المُحللين، ومُعلم المعلمين.
