تُعدّ عقيدة بن غوريون واحدة من أهم المرجعيات الفكرية التي شكّلت بنية الدولة الإسرائيلية منذ تأسيسها عام 1948، وقد ارتبطت باسم دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل ومهندس سياساتها الأمنية والسياسية في مرحلة التكوين. وبالرغم من أن هذه العقيدة لم تُصَغ في وثيقة رسمية واحدة، فإنها تمثل مجموعة من المبادئ والتصورات التي وجّهت سلوك الدولة الإسرائيلية داخليًا وخارجيًا، ولا تزال آثارها واضحة في سياساتها حتى اليوم.
أولًا: هاجس البقاء والأمن الوجودي
انطلقت عقيدة بن غوريون من قناعة مركزية مفادها أن إسرائيل كيان صغير جغرافيًا وديموغرافيًا، محاط بدول عربية تعتبره كيانًا معاديًا. لذلك اعتبر بن غوريون أن الأمن هو الأولوية المطلقة، وأن بقاء الدولة مرهون بقدرتها على حماية نفسها في بيئة إقليمية غير مستقرة. هذا التصور جعل الأمن يتقدم على السياسة والاقتصاد وحتى القيم الديمقراطية في حالات كثيرة.
ثانيًا: التفوق العسكري النوعي
نظرًا لمحدودية عدد السكان وضيق المساحة، رأت العقيدة أن تحقيق الأمن لا يكون عبر التفوق العددي، بل من خلال التفوق النوعي: جيش منظم، عالي التدريب، يمتلك تكنولوجيا متقدمة، وقادر على الحسم السريع. ومن هنا جاء التركيز الكبير على بناء جيش قوي، الجيش الإسرائيلي، بوصفه العمود الفقري للدولة.
ثالثًا: الردع والضربة الاستباقية
من أبرز ركائز عقيدة بن غوريون الإيمان بمبدأ الردع، أي إقناع الخصوم بأن كلفة مهاجمة إسرائيل ستكون باهظة. وإلى جانب الردع، تبنّت العقيدة مفهوم الضربة الاستباقية، أي نقل المعركة إلى أرض الخصم ومنع التهديد قبل أن يتحول إلى خطر فعلي، وهو ما ظهر لاحقًا في الحروب الإسرائيلية المتعددة، خاصة حرب 1967.
رابعًا: الاعتماد على الذات مع مرونة التحالفات
شدّد بن غوريون على ضرورة عدم الاعتماد الكامل على الضمانات الدولية أو الحلفاء الخارجيين، مهما بلغت قوتهم. فالتحالفات، في نظره، متغيرة وخاضعة للمصالح، بينما يجب أن تبقى القدرة على الدفاع الذاتي ثابتة. ومع ذلك، لم يرفض بن غوريون التحالفات، بل تعامل معها ببراغماتية، مستفيدًا منها دون الارتهان لها.
خامسًا: مركزية الجيش في بناء الدولة
لم يكن الجيش في عقيدة بن غوريون مجرد أداة عسكرية، بل مؤسسة وطنية شاملة، لعبت دورًا رئيسيًا في دمج المهاجرين اليهود القادمين من خلفيات ثقافية ولغوية مختلفة، وصياغة هوية قومية موحدة. وهكذا أصبح الجيش عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمع والدولة، وليس فقط في حمايتها.
سادسًا: الهجرة والاستيطان كأداة استراتيجية
رأى بن غوريون أن تعزيز الوجود اليهودي الديموغرافي والجغرافي شرط أساسي لبقاء الدولة، لذلك اعتُبرت الهجرة اليهودية والاستيطان جزءًا من العقيدة الأمنية، وليس مجرد سياسة سكانية. فزيادة عدد السكان اليهود وتوسيع السيطرة على الأرض شكّلا، في نظره، خط دفاع إضافي عن الدولة.
سابعًا: البراغماتية السياسية والحلول المرحلية
اتسم فكر بن غوريون بقدر كبير من البراغماتية، حيث لم يتردد في قبول حلول مرحلية أو تسويات مؤقتة إذا كانت تخدم الهدف الاستراتيجي بعيد المدى، وهو ترسيخ الدولة وتقويتها. لذلك قبل بخطط تقسيم أو اتفاقيات لم يكن يعتبرها مثالية، لكنها مفيدة في السياق الزمني والسياسي.
ثامنًا: عقيدة الأطراف وكسر العزلة الإقليمية
سعت إسرائيل، وفق هذه العقيدة، إلى كسر عزلتها في محيط عربي معادٍ عبر إقامة علاقات مع دول أو قوى غير عربية في المنطقة، أو مع أقليات إثنية ودينية داخل الدول العربية. وعُرفت هذه السياسة باسم «عقيدة الأطراف»، وهدفت إلى خلق شبكة علاقات تقلل من الضغط الإقليمي.
إلى أنه يمكن القول إن عقيدة بن غوريون أسست لمنظومة فكرية ترى الصراع بوصفه صراع بقاء، وتمنح الأمن والعسكر أولوية قصوى، وتتعامل مع السياسة بمرونة عالية تخدم أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى. وبالرغم من تغير الظروف الإقليمية والدولية، فإن كثيرًا من ملامح هذه العقيدة لا يزال حاضرًا في التفكير الأمني والسياسي الإسرائيلي حتى اليوم، ما يجعل فهمها ضروريًا لتحليل سلوك إسرائيل في المنطقة.

