-لهذه الأسباب إخترت تيم الحسن لبطولة العمل.
-ليست لي علاقة بنجدة أنزور وهو مسؤول عن تصريحاته.
-الشخصية الدرامية أهم من الممثل في العمل الفني.


المخرج حاتم علي
علي إبراهيم من تونس : من بين أهم مسلسلات هذا الموسم الرمضاني مسلسل الملك فاروق الذي يعرض على قناة MBC والذي كتبته الدكتورة لميس جابر وأخرجه السوري حاتم علي، ويجسد شخصية الملك فاروق النجم السوري تيم الحسن، ويشارك في البطولة عزت ابوعوف ونبيل الحلفاوي ومحمود الجندي ووفاء عامر وعبدالرحمن ابوزهرة وهادي الجيار وغيرهم من الممثلين. ويعتبر هذا العمل هو الأول للمخرج والكاتب والممثل حاتم علي، على أرض مصر مما خلق جدلا واسعا في الصحافة المصرية على الرغم من النجاحات الكبيرة له من خلال أعمال مثل : الزير سالم والتغريبة الفلسطينية وملوك الطوائف وغيرها من المسلسلات الضخمة. حول الملك فاروق وحقيقة الحملة التي واجهها من بعض الحف المصرية ولقائه القادم مع لميس جابر يتحدث حاتم علي دون أن يغفل عن تعداد محاسن الدراما السورية ومواطن ضعف الدراما المصرية.

bull;أولا هنيئا لك هذا التفاعل مع مسلسل الملك فاروق الذي يبدو له مكانة خاصة لديك من خلال ما صرّحت به منذ مدّة؟
bull;الحقيقة مسلسل الملك فاروق له مكانة خاصة لما تتمتع به هذه التجربة من عناصر مختلفة، فهو تقريبا يكاد أن يكون أول لقاء حقيقي بين خبرات سورية ومصرية، ولذلك شخصيا كنت أعلق عليه الكثير من الآمال. لأن النتائج وحدها هي التي تعطي مشروعية.
bull;مشروعية لحضور حاتم علي كمخرج سوري في عمل فني يتناول شخصية هامة من تاريخ مصر؟
bull;ليس هذا فقط بل لمشروعية التعاون العربي أصلا، وكثيرا ما كنّا ننادي بصناعة أعمال عربية تضمّ خبرات عربية مختلفة. هنالك من كان دائما ضد هذه الفكرة كما نجد مؤيدين لها. لكن مع الأسف الكثير من التجارب السابقة كانت تلفق موضوعات تضم ممثلين عرب بلهجات مختلفة لكنها في مجملها لم تلق الصدى الطيب والجيّد. وهذه التجربة التي نحن بصدها هي مختلفة وأعوّل عليها أن تعطي لمثل هذا التعاون العربي مشروعية وبالتالي إستمراريته.
bull;أستاذ حاتم، هذا الحماس هل هو نتيجة التوصل إلى إنجاز العمل على الرغم من الصعوبات التي واجهتها، حيث أنك لم تحصل في بداية الأمر على تصريح للتصوير في القصور الملكية التي عاش بها الملك فاروق، كما أنه لم يتم السماح لفريق الماكياج (وهو ايراني) في المسلسل بالدخول إلى مصر، إضافة إلى عدم قبول بعض الممثلين المصريين المشاركة في العمل، هل أن هذه المضايقات التي سبقت التصوير كانت بسبب دعوتك لإخراج العمل وأنت سوري متسلل لماكينة الإنتاج الدرامي المصرية؟
bull;ربما لكل هذه العوامل، وربما أيضا لطبيعة الإنتاج في مصر، شخصيا ليس بإمكاني أن أحدد سببا معينا، هل لطبيعة الموضوع وحساسيته السياسية والتاريخية، أم هو عائد إلى طبيعة الإنتاج نفسها التي تتطلب المزيد من الوقت، نعم كانت هناك صعوبات لكني شخصيا أعزوها إلى إختلاف طرائق العمل بين بلداننا العربية وبالتالي يصبح من الطبيعي أن يجد من يذهب للعمل في منطقة ما نفس المعاملة الناتجة عن سوء الفهم وعدم وجود هذا الحوار المتبادل بيننا كعرب. لكننا استطعنا تفادي الكثير من المشكلات بصناعة بعض الديكورات المشابهة للمكان الطبيعي وتشكيل مجموعة من الممثلين الجيّدين، ووضعنا الممثل المناسب في المكان المناسب، واستبدلنا طاقم الماكياج الإيراني بطاقم مصري ولبناني. كما أوّد أن أوضح مسألة مهمة، أنا شخصيا لم أدعى إلى مصر كي أخرج عملا مصريا لأنني في الحقيقة أنا صاحب المشروع، بمعنى أن الجهة المنتجة هي التي عرضت عليّ صناعة عمل عن الملك فاروق وأنا من رشحت الكاتبة لميس جابر، وذهبت إلى مصر بإعتبار أن الملك فاروق هو مصري وعاش على أرض مصرية وبالتالي كان لابد أن نصور في مصر وأن يكون الطاقم التمثيلي في أغلبه مصري مع الإستعانة بطاقم تقني من بلدان عربية مختلفة.
bull;وكيف تلقيت تصريحات بعض الممثلين المصريين الذين شاركوا في العمل على نحو ما ورد في تصريح ينسب إلى الممثلة وفاء عامر التي تجسد شخصية ''الملكة نازلي'' والدة الملك فاروق : استغرق تصوير المسلسل أربعة أشهر كاملة، ورغم المدة الطويلة في التصوير لم تتكون صداقة بين فريقي العمل المصري والسوري، باستثناء المصور نزار، فهو طيب وأكثر ألفة من باقي الفريق، وحاتم علي مخرج جيّد لكن طريقته في التعامل وعدم احتوائه للفريق المصري أدت الى مشاكل في البلاتو، فقد استأت من مصممة الأزياء السورية رجاء لأنها تهتم بملابس بطل المسلسل السوري تيم الحسن طوال الوقت دون غيره، ولفت نظر المصممة أكثر من مرة ولم يعلق المخرج حاتم علي.
bull; أولا ليس كل ما يكتب في الصحافة يمكن تصديقه مباشرة، وخاصة في الشقيقة العزيزة مصر لأنه هنالك كم هائل من المطبوعات يصدر كل يوم وليست كلها على سويّة واحدة من الدقة والمصداقية فهنالك جرائد وصحف صفراء كما نسميها ووفاء عامر نفسها أنكرت أنها قالت مثل هذا الكلام، المهم أن النتائج كانت طيبة وعلاقتي بالممثلين المصريين عموما كانت علاقة جيّدة جدّا وأظن أنهم ظهروا بصورة حسنة وجيّدة في أدوارهم. ثم أن طريقة عملنا كسوريين نهتم بالشخصية وليس بالممثل وبالتالي قد يكون شخصية مهمة في العمل الدرامي ولكن من يقوم بها قد يكون ممثل لأول مرّة نحن نهتم بهذه الشخصية في موقعها الدرامي، فاهتمام المجموعة الفنية عادة ينصّب على الشخصية وليس على الممثل خدمة للشخصية وليس خدمة للممثل النجم بالمعنى المتعارف عليه. أسلوبنا في العمل يقوم على الإهتمام بالتفاصيل الدقيقة وبكل جزء في العمل بغضّ النظر عن الأسماء أو مكانة الممثلين لأننا لا نخدم الممثلين بل نخدم الشخصيات الدرامية في العمل وهذا أسلوب مختلف بين الدراما السورية والدراما المصرية. نعم وجدت صعوبة لإقناع الممثلين وفريق العمل بهذه الطريقة في العمل، وهو أمر مفهوم باعتبار إختلاف طرائق العمل بين مختلف البلدان وهو أمر لا يخصّ مصر فقط، فإذا أتيت إلى تونس لإنجاز عمل ما، لابد لي في بداية التصوير من بعض الصعوبات، لأن طرائق العمل في بلداننا العربية مختلفة، فنحن ننتمي إلى تجارب ومدارس مختلفة ونحتاج إلى حوار وإنفتاح كي نستطيع أن نصل إلى قواسم مشتركة، ولعل من فضائل العمل العربي المشترك تحقيق هذا التواصل والحوار الذي ينتج عنه دائما في نهاية المطاف تغيير الكثير من المواقف والمفاهيم ليس فقط من قبل البلد المضيف بل من قبلنا نحن أيضا، فأنا خرجت بأفكار وقناعات جديدة نتيجة هذه التجربة.
bull;كان من المفروض أن يقدم يحي الفخراني شخصية الملك فاروق لكن تأجيل المشروع وتقدمه في السن جعلك ترشح أسماء أخرى منها هشام عبدالحميد وهشام سليم ثم إخترت تيم الحسن، لماذا؟
bull;هذه أيضا واحدة من الشائعات والكلام الذي لا أساس له من الصحة، الدكتورة لميس جابر كانت قد بدأت في كتابة هذا المشروع منذ 15 عاما تقريبا، ولم تجد منتجا متحمسا للعمل، وهي كما هو معلوم زوجة الفنان يحي الفخراني وكانت قد كتبت هذا الدور وعينها على زوجها كي يقوم بأدائه، لكن مع تأخر الإنتاج إلى هذه السنة أصبح من غير الممكن أن يقدم الأستاذ يحي هذا الدور، لأن شخصية الملك فاروق تبدأ أحداثها في المسلسل وهو في مقتبل العمر (16 سنة) ويتم نفيه من مصر وهو لم يتجاوز 33 سنة من العمر، لذلك لم يكن هذا ممكنا، أما فيما يتعلق بهشام سليم كان مرشحا ليلعب دور أحمد حسنين باشا وليس لدور الملك فاروق، أما فيما يتعلق بترشيح هشام عبدالحميد فهي أخبار صحفية عارية من الصحة، لكن كانت هناك أسماء أخرى كانت مرشحة للعب دور فاروق وهو أمر عادي بالنسبة لكل مخرج حين يشرع في عملية الكاستينغ يرشح مجموعة من الممثلين ويفاضل فيما بينهم وتتسرب بعض الأخبار إلى الصحافة وتنسج حولها قصص كثيرة أغلبها غير دقيق وغير صحيح . وتيم الحسن هو أحد المرشحين البارزين للعب هذا الدور وهو ممثل شاركني الكثير من أعمالي منذ الزير سالم مرورا بربيع قرطبة وصقر قريش وملوك الطوائف والتغريبة الفلسطينية والكثير من الأعمال المعاصرة، وهو ممثل شاب يشبه الملك فاروق من حيث الشكل والعمر، إضافة إلى أنه يملك القدرة على أداء هذا الدور الصعب.
bull;بعد كل هذه المضايقات والصعوبات هل ستعود إلى مصر لإنجاز مسلسل تلفزيوني آخر هناك؟
bull;أنا ضد الأحكام المتسرعة، فأنا دائما أجري وراء الموضوع الجيّد بغضّ النظر عن مكان تصويره وجهة إنتاجه، فالمعيار الوحيد الذي يشدني إلى أي عمل هو معيار الجودة، أي أن تكون الأفكار المطروحة جديدة ومهمة وجذابة بغضّ النظر عن زمن الأحداث وموقع حدوثها.
bull;نعيش في السنوات الأخيرة طفرة من الأعمال التاريخية التي تتناول حياة الزعماء أو الأحداث الكبرى تحت عنوان النظر إلى التاريخ وصفحاته الناصعة حتى نحفز همم الأجيال الجديدة، هل تراها حققت هذا الهدف وتلك الغاية؟
bull;أنا شخصيا غير ميّال لهذه الفكرة، فأعمالي التاريخية أبدا لم تكن من زاوية تسليط الضوء على الصفحات الناصعة من تاريخنا، بل بالعكس من ذلك أنا ضدّ هذه الفكرة تماما لأنه من شأن هذه النظرة الإنتقائية للتاريخ أن توقع العمل في مطبّ الدعائية، وأنا أظنّ أن التركيز على الصفحات البيضاء من تاريخنا ربما يشرّع على التطرف ولا أكون مبالغا إذا قلت أنه ربمّا يشجع على الإرهاب، لأنك تضع المتفرج أمام تاريخ مليء بالبطولات والإنتصارات في موازاة واقع أليم مليء بالهزائم والإنكسارات، أنا أميل إلى العودة إلى التاريخ لنأخذ منه المفاصل الإشكالية سواء كان ذلك من الناحية الدرامية أو من الناحية التاريخية أو الفكرية والسياسية والإيديولوجية، أظن أن إعادة قراءة التاريخ من هذه الزاوية هو أجدى وأكثر فائدة من الناحيتين التاريخية والفنية، وإذا عدت إلى أعمالي هذه كلها لوجدت أنها لم تنجز حتى نقول أننا كنّا عظماء ومنتصرين ونتباكى على الأطلال على هذا التاريخ المجيد، لأن مثل هذه القراءة أرى أنها سطحية، بالعكس نحن نركز على مفاصل دقيقة وحساسة في تاريخنا العربي، وإذا لم نستطع أن نمتلك هذه النظرة الإنتقادية والجريئة للتاريخ فأنا أعتقد أننا لن نستطيع أن نحلل واقعنا بدقة وشجاعة.
bull;لكن مثل هذه الأعمال التي تتناول حياة الزعماء والشخصيات السياسية تبقى تواجه موقف أسر وأحفاد هؤلاء الرموز، كيف يتعاطى حاتم علي مع مثل هذه الوصاية على تاريخ الزعماء والكبار؟
bull;أنا أرفض هذه الوصاية وهذا المنطق الذي يجعل الأحياء أوصياء على التاريخ والأموات، التاريخ ملك مشترك وملك لجميع الناس وإدّعاء بعض الأشخاص أو المؤسسات بأنها تملك الحقيقة المطلقة أظن أنه يعود إلى طبيعة مجتمعاتنا ويعود أيضا إلى طبيعة أنظمتنا وأننا نفتقر للممارسات الديمقراطية ليس فقط في نظمنا السياسية، وإنما في نظمنا الإجتماعية ونظم التعامل الشخصي بين أفراد المجتمع. أنظر إلى إنتاجات السينما الأجنبية فهم ليسوا أحرارا في تناول التاريخ فقط بل هم يقدمون أفلاما تتحدث عن نيكسون وغاندي وبوش بحرية كبيرة جدّا ولكن طبعا بمسؤولية. بمعنى من المعاني حتى التاريخ نفسه ليس بمعزل عن الأهواء والتجاذبات السياسية والتاريخ هو ملك من كتبه ويمكن أن يخضع لنظرة إنتقائية وبالتالي حتى العمل الفني هو وجهة نظر صنّاعه، لا يمكن لأحد أن يدعّي أنه يملك الحقيقة كاملة. الملك فاروق على سبيل المثال أو أيّا من مسلسلاتي التاريخية هو لا يعبّر إلا على وجهة نظر أصحاب هذا العمل (الكاتب والمخرج) ولكن عليك أن تمتلك آلية الإقناع. هذا طبعا حديث شائك يقودنا إلى علاقة الدراما بالتاريخ، بمعنى هل يمكن للدراما أن تغيّر من الوقائع التاريخية أم يجب أن تبقى أسيرة هذه الوقائع؟ الوقائع التاريخية أمر متفق عليه، لأننا جميعا نتفق أنه في سنة كذا حدث كذا وكذا هذه وقائع لا يمكن اللعب بها، لكن تأويل هذه الوقائع التاريخية هو المساحة التي يتحرك ضمنها العمل الفني، بمعنى أننا جميعا نتفق أن بغداد سقطت بتاريخ كذا وكذا لكن لكل منّا حسب موقعه الإيديولوجي روايته الخاصة ووجهة نظره الخاصة، ووجهة النظر هذه محكومة لانتماءاتنا السياسية والإيديولوجية ولقدرتنا على تحليل الأحداث وعكسها عبر وقائع العمل الفني. فالتأويل هو المساحة التي نتحرك ضمنها لكن الوقائع التاريخية هي وقائع ثابتة ولا يمكن المساس بها، من هنا تأتي حرّية المبدع في أن يقدم قراءته الخاصة للحدث التاريخي ولكن ضمن ضوابط وشروط.
bull;وأنت تقول في أحد حواراتك : لست أستاذ تاريخ بل أقدم عملا فنيّا، وحذرت زملائك المخرجين من السقوط في فخّ الشعار الذي يفسد متعة البناء الفنّي، فما الذي شدّك إلى نص لميس جابر، وهل تدخلت لتعديله بالحذف أو الإضافة؟
bull;الموضوع مغري جدّا وهو درامي بإمتياز من الناحية الشخصية و كذلك التاريخية، أما من الناحية الشخصية فأنت أنت أمام شاب صغير العمر فجأة يموت والده فيصبح ملكا على دولة كبيرة مثل مصر وعمره لم يتجاوز بعد 16 سنة، كيف لهذا الملك أن يتخذّ قرارات خطيرة في بلاط مليء بالدسائس والمؤامرات؟ إضافة إلى علاقته المعقدة مع والدته وعلاقته الدرامية مع زوجته من خلال طلاقه المبكّر بعد إنجابه ثلاث بنات ثم زواجه الثاني، فخروجه المبكر من مصر ونفيه إلى روما ثم موته في أحد مطاعمها. إضافة إلى أنه من الناحية التاريخية أنت في عصر مليء بالحراك الإجتماعي والسياسي والثقافي، صراع دولي على مصر يتحول إلى صراع مسلح على أرضها حيث دارت كبريات معارك الحرب العالمية الثانية ثم قيام دولة إسرائيل سنة 1948 وقضية الأسلحة الفاسدة، فهو عصر مليء بالتحولات الإجتماعية والثقافية من ام كلثوم إلى إسمهان إلى العقاد إلى طه حسين إلى عبد الوهاب، كل ذلك يجعل من هذا العصر عصر درامي بإمتياز ويجعل من شخصية الملك فاروق شخصية درامية بامتياز، أما فيما يتعلق بالشق الثاني من سؤالك هل تدخلت أم لم تتدخل، هي طبيعة السؤال بحد ذاتها تبدو غير بريئة، فأنا أعترض على عبارة quot;تدخلquot; لأن عمل المخرج على النص هو جزء من الخطة الإخراجية للعمل، والمخرج ليس ذلك الشخص الذي ينفذ رؤية كاتب معيّن، المخرج يعيد كتابة السيناريو برؤية إخراجية، وإذا كانت الكتابة تعتمد على الكلمة فإن الإخراج يعتمد على مفردات أخرى مختلفة تتحول الكتابة إلى جزء بسيط منها، ومن هنا تأتي شراكة المخرج للكاتب بمعنى أنه أيضا يتحول إلى رجل مسؤول مسؤولية كاملة ومطلقة عن كافة أفكار المؤلف، وبالتالي عبر هذه الأدوات الفنية لا يمكن للمخرج عادة أن يخون النص الذي بين يديه. النص كتبته السيدة لميس جابر وتناقشنا طويلا حول الموضوع لتبادل الأفكار وإثرائها، وفيما بعد أحوّل أنا هذه الكتابة بعد أن أصبحت شريكا فيها إلى صور ربمّا تقول رسائل جديدة غير موجودة في النص أو هي موجودة فيه، وهذا ما نسمّيه بالخطة الإخراجية التي تركز على بعض الأفكار دون أخرى.
bull;في جينيريك النهاية للمسلسل تم تضمين بعض الصور ndash; الوثائق من أرشيف حياة الملك فاروق، هل هي على سبيل الربط بين الواقع والدراما أم ماذا؟
bull;هي إحالة على العصر الذي نتحدث عنه في المسلسل وتلاحظ أن هذه الصور وضعناها في جينيريك النهاية بمعنى أننا نبدأ بالواقع الفني ثم نحيل إلى الواقع التاريخي في نهاية الحلقة كنوع من الاستذكار وحضور هذا التاريخ عبر العمل الدرامي .
bull;إذا كان العمل التاريخي يستمد مشروعيته من قدرته على طرح أسئلة راهنة ومعاصرة نكون أمام منزلق الإسقاط الذي وقعت فيه عديد الأعمال الفنية، أنت أحد الذين يتحدثون دائما عن ضرورة الوعي بهذا quot;الخطرquot; ماهو سلاحك في ذلك ؟
bull;الكتابة نفسها والرؤية وطريقة تقديم العمل الفني، وأنا أقول دائما مشروعية العمل الفني التاريخي تأتي من قدرته على طرح أفكار معاصرة ولكن خارج قراءة القياس، لأن القياس بالمسطرة الذي نسميه نقديا بالإسقاط التاريخي على الواقع المعاصر هو مع الأسف قياس للواقعة التاريخية على الواقع المعاصر وهو في الحقيقة تواطأ درج عليه المشاهد وأسس له الناقد الفنّي وربما أيضا بعض الأعمال وصنّاعها التي تقوم على قراءة سطحية وقصيرة النظر، من ذلك مثلا الحجاج يمثل الزعيم الفلاني وصلاح الدين هو في الواقع الراهن فلان الفلاني، فالمتفرج هو في الحقيقة قارئ غير دقيق للحدث التاريخي وكذلك الواقع المعاصر، صحيح التاريخ يعيد نفسه لكنه لا يعيد نفسه عبر هذه الميكانيكية غير المعقولة والمباشرة، لكنها آلية التاريخ، ربما تكون الأسئلة نفسها : العلاقة بين السلطة والشعب، تأسيس الدولة العربية، العشائرية، الحقوق المدنية ... كلّها مازالت راهنة ومعاصرة وموجودة منذ بدء تشكيل الدولة العربية وهي أسئلة لم يتم الإجابة عنها إجابة شافية وعملية، وبالتالي أنا أميل إلى قراءة العمل التاريخي من هذه الزاوية ولا نأخذ المسطرة لنقيس الواقع على التاريخ. والمتفرج نفسه سوف يصدم لأن هذه القراءة لن تكون منسجمة، فإذا كان هنالك تشابه أحيانا مابين شخصية تاريخية وشخصية معاصرة في لحظة ما يكون هنالك إفتراق بين الشخصيتين وإلاّ سنضطر إلى ليّ عنق التاريخ حتى يوافق الواقع.
bull;قلت في أحد حواراتك الصحفية متحدثا عن أحد أعمالك التلفزيونية : التغريبة الفلسطينية بالنسبة لمسيرتي الفنية البسيطة هو عمل استثنائي فانا شخصيا كان لدي حلم أن أقدم عملا عن الموضوع الفلسطيني وكنت أظن أن هذا الشيء صعب جدا من خلال التلفزيون نظرا لأن مناقشة الموضوع الفلسطيني يشبه المشي في حقل ألغام. هذا الحذر ماهي مسبباته؟
bull;لأن هذا النوع من الأعمال كان إلى فترات قريبة غير مرحب به في محطات البث العربية وهو أمر واقع وليس فيه أي مبالغة لذلك لم تكن هنالك حماسة في قطاع الإنتاج العربي لتقديم مثل هذه الأعمال المكلفة وفيها هذا المقدار من المخاطرة لأنها لم تجد لنفسها أسواق أو أماكن عرض، ونتيجة لذلك كان مثل هذا العمل حلم كاد أن يكون مستحيلا أو صعب التحقيق، لكن في مغامرة جميلة وجدنا شركة إنتاج متحمسة واستطعنا أنا والدكتور وليد سيف أن ننجز هذا الحلم المشترك وفيما بعد تبنته محطة عربية بعد مداولات ومباحثات ورفض بعض موظفيها للعمل منذ البدء باعتبار أنه لا يصلح لرمضان وأننا نسعى إلى السلام والتهدئة وليس من طبيعة شهر رمضان أن يستقبل مثل هذه الأعمال الخلافية التي ربما تثير الكثير من الجدل والبلبلة وفعلا أستبعد العمل من البث الرمضاني لكن في اللحظات الأخيرة وبتدخل صاحب محطة فضائية شاهد بعض حلقاته الأولى تم عرض العمل، لتنهال فيما بعد الكثير من الطلبات من محطات عربية أخرى، فالأمر كان يحتاج إلى جرأة ومغامرة وربما أيضا يحتاج إلى معالجة مختلفة وهي واحدة من ميزات التغريبة الفلسطينية الذي تحدث عن الفلسطينيين أكثر من الحديث عن القضية الفلسطينية وهذه زاوية جديدة ومختلفة للنظر إلى الموضوع.
bull;مثل هذه الصعوبات والمحاذير والظروف الإنتاجية التي نعيشها في عالمنا العربي هل تفرض على حاتم علي القبول أو اللجوء إلى تنازلات فنية في أعماله على الرغم من قيمتها؟
bull;سؤالك يحيلنا إلى الحديث عن العلاقة بين المنتج والمخرج على إعتبار أن أحدهما مالك للعمل من الناحية المادية والآخر من الناحية الفنية، العلاقة دائما فيما بين هذين القطبين علاقة صراع أزلي منذ إكتشاف الصورة والسينما وتبقى كذلك، كل منهما يسعى إلى جذب طرف الحبل إليه، وهو إنتاج عمل جيّد بأقل ما يمكن من التكلفة والمخاطرة الفكرية أو المادية. الآن لمن الغلبة في هذا الصراع؟ هذا عائد إلى قوة أحدهما. أنا من المخرجين ممن حاولوا فرض شرط إنتاجي جيّد، فأنا أعتمد على مجموعة جيّدة من الفنيين والتقنيين وعلى قناعة تامة بأن المخرج وحده لا يستطيع أن يفعل شيء، وبالتالي حرصي هذا هو الذي أثمر تدريجيا (بطبيعة الحال) مناخ مختلف وصحي إلى حدّ ما بالنسبة إلى زملائي الآخرين، وبالتالي هذا قاد إلى نجاحات نسبية هذه النجاحات أيضا قادت إلى رصيد في تاريخك كمخرج ويتحول كل هذا إلى عناصر قوّة لتحصيل شروط أفضل خدمة للعمل.
bull;كيف وجدت الأعمال التي تناولت القضية الفلسطينية والتي أنجزها مخرجون لا ينتمون إلى هذه البيئة بتفاعلاتها وتفاصيل أيامها البسيطة والدقيقة أمثال : برهان علوية في كفر قاسم وتوفيق صالح في رجال تحت الشمس ويسري نصرالله في باب الشمس وشوقي الماجري في الإجتياح هذا العام؟ وأنا أسألك هذا السؤال لأنك احد أبناء الجولان المحتل كما أنك عشت طفولتك وشبابك في مخيم اليرموك.
bull;معظم هذه الأعمال التي ذكرتها هي أعمال جيّدة واستطاعت حقيقة أن تعبّر تعبيرا فنّيا وفكريا جيّدا عن القضية الفلسطينية وكما تعلم أن توفيق صالح مصري وبرهان علوية لبناني وشوقي الماجري تونسي وأنا سوري، هذا يؤكد أن القضية الفلسطينية هي قضية عربية وليست هي قضية فلسطينية تخّص الفلسطينيين وحدهم، هي قضية جيل بأكمله من المثقفين والمبدعين العرب، وهي أيضا قضية البسطاء من المواطنين العرب من المحيط إلى الخليج. وهي تؤكد أيضا أنه ليس شرطا أن يكون المبدع إبن قضية ما حتى يستطيع التعبير عنها تعبيرا جيّدا لأن هذا الربط الميكانيكي لا يجوز، وليس شرطا أن يكون أي مخرج عاش تجربة معيّنة قادرا على التعبير عنها أفضل من غيره، فالمسألة لها علاقة بشيء آخر مختلف وهي المقدرة الفنية وقراءة جيّدة للأحداث والتعبير عنها عبر وسائل فنية مختلفة. فأنا أعتقد أنه إضافة إلى زملائنا الفلسطينيين الذين أنتجوا أعمالا مهمة جدّا وبعضها وصل إلى حافة الترشيح والفوز بجوائز الأوسكار وبعضها نال جوائز مهمة في مهرجانات كبرى ،أظن أن القضية الفلسطينية ستبقى حاضرة سواء في الأدب والشعر والموسيقى والسينما والمرح مادامت هذه القضية موجودة ولم يتم دفنها لا سياسيا ولا فكريا ولا وجدانيا.
bull;مثلما تسعى الصحافة في قسم منها أن تكون ضمير الأمة النابض نقدا وتوجيها وتثمينا للنجاحات وما هو يعدّ ضمن قائمة المكاسب، هل يمكن للدراما في رأيك أن تلعب الدور ذاته؟
bull;إذا أردت الحقيقة أنا حائر، هل يحق لنا تحميل الدراما التلفزيونية أدوارا أكثر من طبيعتها لا تحتملها أم نكتفي بالنظر إليها باعتبارها فنّا للتسلية أو تشبه الجريدة اليومية تقرأها لمرّة واحدة ثم ترميها في سلة الزبالة حقيقة الأمر محيّر، على الرغم من وجود تجويد في الدراما التلفزيونية هناك تدقيق في عناصرها الفنية وأفكارها لكن مشكلتها أنها محكومة بطبيعتها، محكومة بسقف إنتاجي منخفض وبطبيعة جهاز التلفزيون نفسه والبث التلفزيوني المتقطع وبطبيعة المشاهد غير المنسجم، مشاهد هلامي ويعيش ظرف مشاهدة ربما غير صحية في بيته ووسط مشاغله اليومية. لكن مع هذا فالدراما التلفزيونية الآن لها موقع خاص جدّا عند العرب لا تجده في بلدان أخرى.
bull;لكنه موسمي، أي رمضاني فقط؟
bull;موسمي في رمضان صحيح ولكنه موجود خارج رمضان من خلال الإعادات، وإذا قسناه في بلدان أخرى يبدو للدراما عند العرب موقعا متميّزا. وربما هذا عائد إلى أننا نحن العرب ليست لنا عادة قراءة كما هو حاصل في مجتمعات أخرى وليس لدينا أيضا سينما متطورة ومزدهرة. ولدينا أيضا نسب من الأمية تختلف من بلد إلى آخر، وبهذا يتحول التلفزيون في بلداننا العربية إلى مصدر رئيسي للمعرفة ومن هنا تأتي بالفعل خطورة المسلسل التلفزيوني وربما أيضا أهميته.
bull;أستاذ حاتم يعرض لك ضمن قسم الأعمال العربية حاليا مسلسل ملوك الطوائف على التلفزيون التونسي، ماذا يحضرك الآن من مراحل إنجاز هذا العمل؟
bull;أولا هذه مفاجأة طيبة بالنسبة إليّ وحقيقة يسعدني ذلك، لأنني أعشق تونس ولي فيها صداقات كثيرة وأستاذي في المعهد العالي للفنون المسرحية هو محمد إدريس الفنان والأستاذ والأكاديمي المعروف الذي له الدور الكبير في الحركة المسرحية التونسية والعربية، فأنا أكن مشاعر خاصة جدّا لتونس ويسعدني دائما أن أبقى على تواصل معها سواء من خلال عرض أحد أعمالي على شاشة التلفزة أو اللقاء بالناس عبر الصحافة والملتقيات الثقافية والفنية، وملوك الطوائف كان هو الجزء الثالث من الرباعية الأندلسية التي يفترض أن تستكمل هذا العام بسقوط غرناطة أو آخر أيام غرناطة .
bull;لماذا الإصرار على الإشتغال على الحقبة الأندلسية من تاريخنا وحضارتنا؟
bull;مذ البداية كانت لدينا فكرة لتقديم هذه الرباعية التي تحاول أن تلم بكل مفاصل الدولة الأندلسية، ولا نكتفي فقط بتأريخ مفاصل هذه الدولة وإنما أيضا في طرح الكثير من القضايا المعاصرة : علاقة السلطة بالناس، نشأة الدولة، تفتت هذه الدولة وإنهيارها مع البحث في أسبابها ومسبباتها، مع التذكير بأن هذه الحضارة كانت نتاج حوار معرفي وإنفتاح على الآخر لأن الحضارة الأندلسية ليست فقط حضارة سياسية وإنما نتج عنها الكثير من التطور الإجتماعي والثقافي والفني والفلسفي وهي بمثابة الجسر بين الحضارات ودورها واضح في نشوء الحضارة الأوروبية.
bull;بدأت ممثلا، واختفيت، ومن ثم عدت مخرجا، وأحيانا تظهر كممثل في بعض أعمالك لأنك تريد أن تكون السلطة الأولى في بلاتوه التصوير ؟
bull;(يضحك) لا هذه مسألة بسيطة ويمكن تحقيقها في مجالات عمل أخرى كالعمل في الشرطة مثلا، لكن مهنة المخرج تتيح لك الإمساك بمفاصل العمل الفني وأن تكون صاحب المشروع وصاحب الرؤية الفنية والفكرية والتعبير عنها تعبيرا كاملا قد لا تتيحه مهن أخرى كالكتابة أو التمثيل.
bull;هل مازلت على خلاف مع المخرج نجدت أنزور؟
bull;ليست لي علاقة به، نحن زملاء في مهنة واحدة وكل منّا له وجهات نظر خاصة به.
bull;لكنه منحك فرصة تلبية حاجة فنية من خلال إسنادك لدور في عمل الجوارح كممثل؟
bull;نعم، الجوارح كان من أول الأعمال التي عمل بها وعملت معه كممثل وإختلفنا خلال العمل خلافا بسيطا يحدث بين ممثل ومخرج وإنتهت العلاقة عند هذه النقطة. أما فيما يتعلق بتصريحاته فيما بعد في كل موسم درامي هذه تصريحات تخصّه وحده وهو من يتحمّل مسؤوليتها أمام الناس وليس بيني وبينه أي خلاف أو أي علاقة، كل منّا يعمل ولديه مشروعه الخاص.
bull;تلتقي في العمل السينمائي القادم الذي يتناول شخصية مؤسس مصر الحديثة محمد علي باشا، مع المنتج والإعلامي الكبير عماد الدين أديب الذي أنتج quot;عمارة يعقوبيانquot; وquot;حليمquot; وهما عملان لم يحققا الغاية الأولى على الأقل وهي الوصول إلى قلوب الناس كما خطط لها، على الرغم من حشد ذلك الكم العدد الكبير من نجوم التمثيل : عادل إمام ونور الشريف وأحمد راتب وأحمد زكي وسلاف فواخرجي وغيرهم، ألا تخشى هذه المغامرة؟
bull;أريد أن أصحح جزء من سؤالك، أنت قلت لم تصل إلى قلوب الناس، فعمارة يعقوبيان هو فيلم إستثنائي في تاريخ السينما المصرية، فهو فيلم يناقش قضايا مهمة جدّا برؤية فنية عالية تجتمع فيه خبرات تمثيلية كبيرة، ويقدم موضوعا جادّا ورغم ذلك إستطاع أن يكون الرقم الأول في شبّاك التذاكر وتحقيق مثل هذه المعادلة حقيقة هو أمر في غاية الصعوبة وهو يشكّل ردّا واضحا على الكثير من الأصوات التي تقول الجمهور لا يحتاج إلاّ إلى أفلام مبسطة ومضحكة وسهلة، لا، فعندما تقدم فيلما جيّدا ومحترما سوف تلقى صدى طيّبا. والفيلم دخل مهرجانات كثيرة ومثل مصر في هذه المهرجانات وحقق حضورا نقديا وجماهيريا جيّدا. وربما الأمر نفسه سينطبق على فيلم محمد علي باشا الذي يقدم موضوعا تاريخيا وهو أمر غير متعوّد عليه في السينما العربية التي أعرضت منذ مدّة عن التطرق إلى مثل هذه الموضوعات لما يتطلبه هذا النوع من إمكانات إنتاجية كبيرة جدّا قد لا تكون السوق العربية التي إعتادت على أفلام الكوميديين الجدد والمضحكين الجدد جاهزة لتقبل مثل هذه المغامرات من الناحيتين الإنتاجية والفنيّة.
bull;متى ستشرع في إنجاز هذا العمل؟
bull;يفترض أن يتم تصويره في هذا العام، وتم تأخير الإنتاج لدراسة هذه المغامرة ولحشد إمكانات إنتاجية جيّدة وربما ستكون هناك شراكة مع جهة فرنسية في الإنتاج رغبة من GOOD NEWS في فتح أسواق جديدة للسينما العربية.
bull;هل تأكد رسميا أن يحي الفخراني سيقوم ببطولة العمل؟
bull;نعم هذا أمر محسوم ومتفق عليه.
bull;لأن مؤلفة العمل هي زوجته لميس جابر؟
bull;(ضاحكا) ليس فقط هذا، لأنه بالفعل الأستاذ يحي الفخراني خير من يمكن أن يقدم هذا الدور لأننا نحن سنتحدث عن محمد علي في أواخر أيامه، وهناك عمر متقارب بين الممثل والشخصية، كما أنه هناك شبه كبير بين الشخصية والممثل، إضافة إلى أن الأستاذ يحي هو ممثل كبير جدّا وبالتأكيد سيقدم دورا متميّزا.
bull;أنت مدافع جيّد عن عمارة يعقوبيان، لكن صراحة هل أقنعك شريط حليم؟
bull;فيلم حليم لم يلق مالقيه عمارة يعقوبيان من نجاح، ربّما يعود هذا إلى الظرف الخاص الذي عاشه فريق الفيلم عند مرض أحمد زكي وموته أثناء التصوير والتعديلات التي طرأت والحلول التي اضطر إليها المخرج، وأثر ذلك في الناس ... كلها مسائل لا يمكن تناسيها عند الحديث عن مثل هذه التجربة. وأنا شخصيا عندما شاهدت الفيلم وجدت فيه بحثا إخراجيا، فهو فيلم مختلف جدّا في مستوى صناعة أفلام السيرة الذاتية، ولكن هناك سوء حظ لا أدري سببه حقيقة.
bull;الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة قال في حوار سابق على هذه الصفحة مجيبا عن سؤال يتعلق بأسباب نجاح الدراما السورية : لأن السوريين ينتجون الفن للفن.. فهم يهتمون بكل تفاصيل العمل الفني ويقدمون ما يستطيعون من أجل نجاح العمل كما أنهم يحرصون على النوع وليس الكم. ما هو تعليقك؟
bull;ربما هذه واحدة من العناصر أو الميزات، لكن ليس هذا هو السبب الوحيد، بل كما هو معروف الدراما الشابة تتميّز بالحيوية والحركة والرشاقة وتقدم إقتراحات تتوفر على بعض عناصر الجدّة وهذا أمر ينطبق على الإنسان وعلى المجتمعات والدول كما يذكر ابن خلدون. كما نجد دراما مصرية لها تاريخ وأرست لنفسها قواعد وتقاليد لكنها وصلت إلى مرحلة أصبحت معها أسيرة هذه القواعد والقوانين، وهنا دراما مازالت جديدة بروح الشباب فيها قدر هام من التجريب وليس لديها ما تخسره وفيها ميزة أتفق فيها مع الأستاذ أسامة وهي إنفتاح هذه الدراما على الآخر. فمن ميزات الدراما السورية اليوم أنها منفتحة على كل التجارب وكل الخبرات عربية كانت أو غير عربية، ومن أبرز المشتغلين في الدراما السورية شوقي الماجري وهو تونسي، ويشاركني في كل أعمالي مدير الإنتاج الهادي قرنيط وهو تونسي وكذلك الممثل التونسي فتحي الهداوي يعمل في سوريا ومحمد مفتاح من المغرب إضافة إلى الكثير من الممثلين الآخرين من المغرب والأردن ولبنان وفلسطين ومصر وخبرات أوروبية ومن جنسيات مختلفة ... فنحن ليس لدينا تعصب بل لدينا رغبة في التعلم من الآخر من خلال إقامة حوار للإستفادة والإفادة، كل هذا يغذّي أي صناعة بأفكار جديدة وبعناصر جديدة وبروح مختلفة تساير العصر.
bull;هل أن غياب مثل هذه العناصر التي تمثل نقاط قوة الدراما السورية عن الدراما المصرية اليوم هو سبب تراجعها؟
bull;ربما هذا واحد من الأسباب، أما الأسباب الأخرى في رأي الشخصي هي طبيعة الصناعة الفنيّة بمعنى أنها تعطي أولوية (خاصة في السنوات الأخيرة) للممثل النجم وبالتالي تفصّل النصوص لمصلحة الممثل وعلى مقاسه تحقيقا لرغباته، خاصة وأن المنتج يبيع المسلسل بإسمه، فيكون بذلك الممثل صاحب الكلمة الأولى والأخيرة وصاحب القوة الكبرى في عملية صناعة الدراما. فالمسألة ليست كذلك لأنه هناك مؤلف يكتب موضوعه كما يريد، ثم يقدم نصه إلى مخرج يعيد قراءة هذا العمل، وهذا المخرج يوزّع الأدوار ويختار العناصر الفنية الأخرى ويبدأ العمل ويبقى هو صاحب الرؤية الأولى والأخيرة للعمل الفنّي. في مصر الآن الأمر لا يحدث بهذه الطريقة هناك أولا الممثل الذي يتم الإتفاق معه حتى قبل البدأ في الكتابة ثم يؤتى بمؤلف يختاره الممثل ويطلب منه الكتابة في الموضوع المراد طرحه والممثل فيما بعد يختار المخرج الذي يصبح هو الآخر مجرّد منفذ لطلبات للممثل. وبالتالي هذا فيه إنحسار لدور المخرج والكاتب والأطراف الأخرى لمصلحة عنصر واحد هو الممثل. لكن في كل أنحاء العالم هناك ممثلين عظماء لكن ليسوا بالضرورة أصحاب مشاريع كبيرة ويتدخلون فيها بهذه الطريقة، فأنا أعتقد أننا لو أعطينا لكل طرف دوره في حدود إختصاصه يمكن للعجلة ان تدور بطريقة صحيحة وأفضل.
bull;أنت تسعد بإختيارك أنت أو أحد أعمالك الأفضل في رمضان لكنك تحسن الهروب من منح زملائك ما يستحقونه منك أحيانا من تصنيفهم في مراتب متقدمة حين يقدمون أعمالا إستثنائية؟
bull;(ضاحكا) أولا أنا ضدّ هذه التصنيفات لأنه قد ينجح الواحد منّا في عمل ولا يجد نفسه في عمل آخر، وبالتالي لا يمكن أن نطلق مثل هذه الألقاب : المخرج الأول أو الكاتب الأول أو الممثل الأول. فالنتائج مرهونة بطبيعة كل تجربة وظروفها. فلا يمكن لأي منّا مخرجا كان أو كاتبا أو ممثلا أن يكون الأول دائما وفي كل المواسم.
bull;ماهو عنوان كتابك القادم أم أن الدراما أخذتك من الأدب؟
bull;مع الأسف تركت الكتابة ولم يعد هناك وقت على الرغم من أنني أشتاق إلى هذا الموضوع دائما، فأنا أفكر في مشروع كتابي لكني لا أجد الوقت لتنفيذه. فاليوم على سبيل المثال عاد حنيني إلى القصة القصيرة من خلال خبر قرأته في إحدى جرائدنا السورية أن واحدة من قصصي ترجمت إلى الإسبانية ضمن مجموعة من الكتاب العرب والحقيقة أنا نسيت منذ سنوات طويلة أنني كاتب أصلا. فهذا الخبر أعاد لي الحماسة للكتابة.
bull;ماذا تقول لجمهورك وجمهور أعمالك في ختام هذا اللقاء؟
bull;أنا أشكر هذا الجمهور على إهتمامه لأنه في النهاية هو غاية كلّ عمل فنّي. واسمح لي أن أشكرك أنت لأنني سعدت جدّا لهذا اللقاء.