حوار مع الباحث المغربي يحيى اليحياوي
أجرى الحوار حسن الأشرف: يحيى اليحياوي إعلامي وباحث معروف في المغرب والوطن العربي في مجال الإعلام وعلوم التواصل...سوف أبدأ من النهاية...كتبتم مؤلفات وكتبا عديدة في هذا الميدان الهام. ما خلاصة تجربتكم المعرفية؟ هل يمكن اختزالها في سطور؟ يحيى اليحياوي: هي في الحقيقة مجموعة خلاصات وليست خلاصة واحدة: + خلاصة أن المشتغل بهذا الميدان يفترض فيه الإلمام بأكثر من حقل معرفي. الإلمام بنظريات الإعلام والمعلومات والاتصال، باقتصاد الشبكات، بعلم الاقتصاد السياسي والصناعي تحديدا، بتاريخ التقنيات، بعلم الاجتماع، بالسياسات العمومية وبما سواها من فروع معرفية أخرى. والسبب في ذلك كون هذا الحقل هو نقطة التقاء وتقاطع بين العديد من الحقول المعرفية. أعني أنه ينهل منها مجتمعة بهذا الشكل أو ذاك.
+ وخلاصة أن التخصص الضيق مضر بهذا الميدان لأنه لا يوفر الرؤية إلا عبر زاوية واحدة في حين أن المفروض هو إعمال مبدأ تقاطع الزوايا. لا أقول أن التخصص غير مطلوب بل هو غير كاف لمعالجة القضايا الكبرى التي يطرحها مجال الإعلام والمعلومات والاتصال. وهو ما يفترض الاشتغال بفرق عمل ومجموعات بحث متعددة المشارب ومتنوعة الآفاق حتى تكون المعالجة شاملة وشافية إلى حد ما. وهو أمر نفتقر له بالوطن العربي مع الأسف... فتبقى الاجتهادات فردية ونتائجها محدودة في الزمن وفي المكان.
+ وخلاصة (وهذه قناعة) أن المستقبل أضحى مراهنا على هذا الميدان كونه يجر خلفه رهانات كبرى على مستوى الإنتاج وخلق مناصب الشغل وترتيب الفضاءات الترابية وما سوى ذلك. بالتالي وجب التركيز عليه وإيلاءه الاهتمام الضروري بحثا ودراسة ناهيك عن الاستثمار فيه وتوجيه السياسات العمومية بجهته.
على أية حال فأنا أعتبر تجربتي متواضعة حتى وإن كانت ناجحة على مستوى التحسيس من خلال الكتابة والمحاضرة والاستجواب وما سواهم.
إيلاف: لكم كتاب على قدر كبير من الأهمية وهو الموسوم "العولمة ومجتمع الإعلام". السؤال هو ما علاقة العولمة بالإعلام وكيف تؤثر الأولى في الثانية والعكس أيضا؟
يحيى اليحياوي: العلاقة تزامنية بالملاحظة الأولى. فانفجار تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال جاء تقريبا في نفس الفترة الزمنية التي تزايد بصلبها خطاب العولمة والسياسات المتبنية للفكر الليبيرالي الجديد...أعني العقدين الأخيرين من القرن الماضي...وهذا مثبت بالدراسات وبالتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية المتخصصة بالأساس. ثم هناك تعاضد في المكان. فالدول الكبرى التي عاشت طفرة تكنولوجيا الإعلام والاتصال هي ذاتها التي أفرزت ظاهرة العولمة متاجرة وتبادلا واستثمارا وانفتاحا للأسواق وما سوى ذلك. وهناك الثاوون خلف الظاهرتين معا. فالشركات الكبرى المتعددة الجنسيات هي التي أفرزت التحولات التكنولوجية الكبرى وهي التي دفعت (ولا تزال) بمسلسل العولمة بين الدول المتقدمة بداية ثم تدريجيا بجهة دول العالم الثالث. ثم هناك طبيعة السياسات المعتمدة لتكريس العولمة والتوظيف الذي خضعت له تكنولوجيا الإعلام والاتصال بغرض فتح الأسواق...فتح البطون يقول البعض بعد غزو الأذهان.
تسألني عن جهة التأثير. أنا أزعم أن هناك علاقة تفاعلية بين طرفي المعادلة:
+ فتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال هي رافد من روافد العولمة وسوقها الاقتصادي ضخم وواسع. وهو من هنا يجلب أرقام معاملات خيالية بالنسبة للمتاجرين فيها. الإعلام يفتح للعولمة الأسواق ليس فقط عبر الإشهار والدفع بنموذج في الاستهلاك واحد وموحد، بل حتى سياسات التحرير والخوصصة وإعادات التقنين وفتح الأسواق وما سواها...كلها مسالك لاستثمار رؤوس الأموال الجوالة والباحثة عن فرص للتقييم.
+ والعولمة تدفع بالإعلام والاتصال. هي تفتح لفاعليه الأسواق والبطون عبر سن سياسات (بمنظمة التجارة العالمية تحديدا) بغرض تحرير الأسواق المرتبطة به. بمعنى أنه لولا سياسات العولمة وانفتاح الأسواق ما كان للفضائيات (تقنيات بالأساس) أن تنتشر كالفطر بكل دول العالم ويلتقط العالم كله تقريبا نفس الرموز ونفس "القيم" ونفس السلوكات في التمثل وفي الاستهلاك وفي التواصل أيضا.
+ ثم العولمة وتكنولوجيا الإعلام والاتصال تدفعان معا بجهة تمثل يراد له أن يكون واحدا وموحدا: تمثلا للاقتصاد، للسياسة، للفرد وللمجتمع وللكون برمته.
بالمحصلة أعتقد أن العولمة وفورة (أقول فورة بالفاء) تكنولوجيا الإعلام والاتصال هما وجهان لتصور واحد...لإيديولوجيا واحدة تريد صياغة الفرد والجماعة وفق معايير محددة لا مجال للوقوف عندها هنا.
إيلاف: هل يمكننا أن نتحدث حاليا عن ثورة الإعلام والاتصال في عالمنا العربي؟
يحيى اليحياوي: أنا غالبا ما أتحفظ على عبارة أو مصطلح "ثورة" لأنه يشي بوجود قطيعة بين الذي كان جاريا والذي وقع. وهو أمر غير دقيق. نحن بميدان تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمعلومات بإزاء امتداد، بإزاء تراكم وبإزاء طفرة لم تتبين لحد الساعة معالمها المستقبلية بالتحديد. بالتالي فإذا كان الأمر كذلك فما الجديد؟ الجديد في تصوري يكمن في تسارع الوتيرة، وتيرة الاكتشافات والتجارب والتطبيقات في هذا الميدان كما في غيره. من هنا فإذا كنت شخصيا أتحفظ على العبارة بالدول المتقدمة حيث منشأ هذه التكنولوجيا فما بالك بدول الاستقبال وهي الدول العربية في سؤالك. أنا أزعم بحالة العالم العربي أنه يجب التمييز بين المستويات المكونة " لقطاع" الإعلام والمعلومات والاتصال حتى يستقيم الحديث:
+ لو أخذنا ميدان الاتصالات نلاحظ أن هناك مجهودات كبرى بالمنطقة العربية بدليل أن بعض شبكات الاتصالات العربية مرقمنة مائة بالمائة (أكثر من الدول المتقدمة ذاتها). وهذا يعني أن هذه الدول استجلبت التقنيات الرقمية المستعملة عالميا في الوقت الراهن.
+ لو نظرنا لقطاع السمعي والبصري نلاحظ أيضا طفرة على مستوى الفضائيات وعدد القنوات الإذاعية المتاحة. هذا واقع لا يمكن التحايل عنه على الأقل من ناحية الأعتدة والتجهيزات والبنى التحتة. + نفس الشيء تقريبا فيما يخص قطاع المعلوماتية سيما فيما يتعلق بشبكة الإنترنيت على مستوى الارتباط بصرف النظر عن الصبيب المتاح. أنت تتحدث في سؤالك عن "الثورة". أنا أزعم أنه على الرغم من هذه الطفرة النسبية على مستوى التجهيز (سيما بالمرئي) فإن ذلك لم تترتب عنه حركية اقتصادية واجتماعية وثقافية وذهنية عميقة تتمظهر من خلالها قطيعة ما مع سلوكيات ما سائدة. بالعكس تماما إذ معظم هذه التكنولوجيات مستوردة وليست وليدة المحيط العربي-الإسلامي. بالتالي فليست تعبيرا عن حاجة مجتمعاتية وثقافية دونها الاحتقان والسكون. وأنا أقصد هنا تحديدا أن التكنولوجيا عموما وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال خاصة غالبا ما تستنبت في بيئة تكون الحاجة فيها هي المحك. هل ترى كانت المجتمعات العربية بحاجة إلى شبكة كشبكة الإنترنيت؟ هذا سؤال لا يحيل على الثقافة كوحدة قارة بل إليها كصيرورة تاريخية تنتج المجتمعات بداخلها تكنولوجياها وعندما يضيق المجال بهذه التكنولوجيا أو يضيق المجتمع بها تفتح السبل لمستجدات جديدة وهكذا...هذا أمر غير قائم بالمنطقة العربية.
إيلاف: هل التطورات الراهنة في الإعلام العربي مست جوهر الإعلام أم فقط لامست الشكل في مسار الإعلام في المجتمع العربي الإسلامي؟
يحيى اليحياوي: ليس هناك فيما أتصور إعلاما عربيا. هناك إعلام قطري ناطق بالعربية. بالتالي فالمفروض تقييم كل حالة على حدة اعتبارا للسياق وتجنبا للأحكام العامة. صحيح أن التكنولوجيا (التقنيات أعني) وفرت للعديد من الدول اقتناء المستجدات جاهزة من لاقطات وحواسيب وفارزات وأقمار صناعية وغيرها. وصحيح أن دولا لم تكن معروفة أضحى لها حيز بمجال البث الفضائي. وصحيح أن العديد من القضايا أثيرت على نطاق واسع وتلتقط بمعظم الدول العربية (برامج حوارية، أخبار...الخ). لكن الجلي أن المضامين بقيت حاملة لطبيعة خطاب الدولة التي تبث منها هذه الفضائية أو تلك أو تتحصل منها على التمويل أو تدور في فلكها بهذا الشكل أو ذاك. نفس الشيء بالنسبة للإنترنيت (وأنا أعتبره هنا وسيلة إعلام أيضا) حيث التجهيز قائم لكن المضامين باللغة العربية ضعيفة جدا. باختصار شديد: هناك تحولات بارزة على مستوى الشكل لكنها تبقى مقتصرة على ذلك في حين تبقى المضامين أو طبيعة المعالجة أو ماسواها دون المستوى المطلوب. وهذا أمر يتطلب لوحده استجوابا.
إيلاف: هذه التحولات هل لها أثر على الجانب الثقافي؟
يحيى اليحياوي: أنا كتبت كثيرا عن إشكالية العلاقة بين التكنولوجيا والثقافة وموسطت لذلك عبر إشكاليتي المعلومة والمعرفة. بمعنى أن المعلومة تبقى معطى جامدا لا يتحول إلى معرفة ثم إلى معرفة متقدمة إلا في المدى المتوسط ولا تتحول هذه المعرفة المتقدمة إلى ثقافة (أو جزء من الثقافة) إلا على المدى الطويل. والدراسات أثبتت أن ما نسبته 10 بالمائة من المعلومات هي التي تخترق هذه المستويات الوسيطة لتتحول إلى ثقافة. التكنولوجيا خليقة الثقافة التي كانت خلفها، أعني التي وفرت لها التربة للاستنبات. ليس بالصدفة أن يخترع هذا المستجد هنا عوض أن يخترع هناك. وليس من قبيل الصدفة إن برعت ثقافة أوروبا الشمالية مثلا في الهواتف النقالة. ليس صدفة...إطلاقا إذ هذه الدول عبارة عن جزر من الصعب تنقل المعلومات والتواصل بداخلها عبر الألياف أو كوابل النحاس. بالتالي وجب اختراع أداة تتجاوز كل ذلك فكان النقال أو الخليوي الذي يحمل بصمة دولة المنشأ حتى وإن انتقل إلى أعالي البحار أو أعماق الصحارى. التكنولوجيا خليقة الثقافة إذن لكنها لا تخلقها، هي تموسطها أو تموسط لها. هي تدفع بجهة انتشارها وبجهة تسريع وتيرة تداولها في الزمن والمكان بين الأفراد والجماعات. وهذه حقيقة يمكن التأكد منها باستحضار تاريخ التقنيات وعلاقتها بالثقافة منذ مطبعة غاتنبرغ ولربما قبله بكثير وإلى اليوم.
تقول لي إذا كان كل هذا صحيحا فما قولك في عبارة "التكنولوجيا الثقافية" أو الكتاب الألكتروني أو الموسوعة الألكترونية أو ما سواها. سأقول بأن الفارق بين هذه التكنولوجيات والمضامين التي تمرر لها إنما هو من التمييز بين الحامل والمحمول اللهم إلا في حالة واحدة: حالة الأم التي تحمل الجنين في بطنها ولا يدري المرء من يحمل من.
إيلاف: متى يكون الإعلام العربي سلطة قائمة الذات وليس جزءا باهتا من السلطة أو تابعا لها؟
يحيى اليحياوي: الإعلام بالوطن العربي (المقروء كما المسموع كما المرئي) جزء من السلطة القائمة (جمهوريات كانت أم ملكيات)...ينطق باسمها، يدور في فلكها ولا يتجاوز الخطوط الحمر التي ترسمها له. قد يكون بعض التباين في الحدة والدرجة بين بلد وآخر وقد يكون ذلك قويا بهذا المنبر قياسا إلى المنابر الأخرى، لكن الطبيعة واحدة والمنهل واحد: منهل ثقافة الاستبداد والإكراه التي لا تزال السمة الكبرى لمعظم الأنظمة العربية. يقال مثلا إن بعض الفضائيات "حرة" أو "مستقلة"...لا أعتقد بذلك شخصيا فهي إن لم تدر في فلك هذه السلطة فهي دائرة لا محالة في دوائر أخرى لعل إحداها لوبيات... لها علاقات من نوع ما مع هذا النظام أو ذاك. قد تسألني عن السلطة الرابعة التي من المفروض أن تكون وظيفة الإعلام؟ أنا لي بهذه النقطة طرح خاص. أنت تعلم أن تراتبية السلط وعددها حددها مونتسكيو منذ القدم لكنه قام بذلك في زمن لم يكن للإعلام السلطان الذي هو عليه اليوم بالتالي استبعده أو أدمجه في هذا المستوى أو ذاك من مستويات السلط الثلاث التي وضعها. اليوم أضحى للإعلام سلطة كبرى فمن الواجب أن يأخذ المكانة التي تناسبه:
+ إما بجانب السلطات الأخرى. وفي هذه الحالة يجب تكريس سلطته نصا وتشريعا والتسليم بها على مستوى الممارسة.
+ أو وضعها فوق السلطات مجتمعة على اعتبار أنه من صلاحياتها أيضا التعرض ولم لا مراقبة المستوى القضائي حتى بسموه.
هذا هو الطرح العام الذي أحاول أن أدفع به.
بالوطن العربي المطلوب اليوم العمل على تحقيق ثلاثة أمور ذات طبيعة استعجالية:
+ إزاحة الخطوط الحمر نهائيا اللهم إلا ما يمس حياة الناس وحميمياتهم
+ تحديد أخلاقيات العمل الإعلامي بتجرد ودونما حسابات ضمنية أو خفية.
+ تكريس الإعلام كسلطة ضمن باقي السلط دونما أن يكون لهذه الأخيرة القدرة على فرض الرقابة عليها.
كل هذا قد يبدو جميلا لكن الأجمل هو استنبات إعلاميين بالمستوى يضبطون الميدان الذي يعملون به.
إيلاف: باختصار بالغ هل المجتمع العربي مجتمع إعلامي أصيل؟
يحيى اليحياوي: أنا أفضل عبارة مجتمع معلوماتي على عبارة مجتمع إعلام. ولئن وظفت بكتاباتي المصطلح الثاني فأنا غالبا ما أقصد به المعنى الأول.
والسر في ذلك أن كل المجتمعات الإنسانية كانت مجتمعات معلومات بهذا الشكل أو ذاك. الجديد اليوم أن المعلومات أضحت المحرك الأساس لحركية الاقتصاد والاجتماع والثقافة لا على مستوى الأجهزة والبنى التحتية فحسب بل وعلى مستوى الأحجام الضخمة من المعطيات والمعلومات المتاحة والمتوفرة. وهي حال المجتمعات المتقدمة. لو سلمنا بهذا فسنسلم جدلا بأن المجتمع العربي هو أيضا مجتمع معلومات لكنه ليس مجتمعا معلوماتيا على اعتبار أن المعلومات لا تزال مدخلا من المدخلات دونما أن تكون المدخل المركزي في عملية الإنتاج أو هيكلة المقاولات أو إنتاج الثروة. المجتمع العربي مجتمع استبداد إلى حد بعيد. بالتالي فالمعلومة به عنصر ضبط للأفراد والجماعات وليست أداة إنتاج أو تواصل بدليل أن معظم الدول العربية لا تتوفر على قانون أسمى لبلوغ المعلومات. فتبقى بالتالي حكرا بالقانون على مستويات محددة من المستحيل بلوغها. ثم حتى على مستوى البنى التحتية فنسب التجهيز لا تزال جد متدنية سيما بالنسبة للمعلوماتية والإنترنيت تحديدا. ثم المجتمع العربي مجتمع شفوي تاريخيا من المتعذر تغيير بناه الذهنية ليتحول إلى مجتمع قارئ أو مبحر بالإنترنيت أو ما سواها (هذا لو سلمنا بتدني عوائق البلوغ والإبحار). بالتالي فأنا أتصور أن المجتمع العربي هو مجتمع معلومات وليس مجتمعا معلوماتيا تندمج المعلومات والمعطيات والمعارف بداخله لدرجة الانصهار أي لدرجة التحول إلى ثقافة.
إيلاف: لنتحدث قليلا عن الإنترنيت. ما هي حدود العلاقة التي تربط المثقف العربي بالإنترنيت؟
يحيى اليحياوي: أنا أزعم بهذه النقطة أن المثقف العربي لم يعش صدمة التكنولوجيا (فكيف له أن يعيش صدمة الحداثة كما يزعم البعض؟). بالتالي فهو يبقى حبيس الورق والمداد وسجين المسالك التقليدية لترويج كتاباته. ولننظر للتأكد من ذلك في عدد المواقع التي أقامها مثقفون عرب على شبكة الإنترنيت. إنها لا تتعدى العشرات بكل الميادين المغطاة. يبدو لي أن هناك جفاء بين التكنولوجيا والمثقف العربي (ولا اقول الثقافة العربية) بدليل أن تميز بعض من مثقفينا كتابة لم يترجم على مستوى الفضاء الافتراضي...لدرجة يخال له أن الشبكات تقلل من مقداره أو لا تقدم إبداعه في شيء. هذا جانب. الجانب الثاني يكمن في التساؤل (من لدني على الأقل) في لجوء بعض وزارات الثقافة (وتحديدا بالمغرب) إلى طبع الأعمال الكاملة لبعض المثقفين دونما إعمال من لدنها على إدماجها بشبكة الإنترنيت. أنا لا أعتقد أن العملية مكلفة أو مستهلكة للوقت الكبير. هي مرتبطة بذهنيات وبسلوك وبعقليات ترى في الشبكات تكسيرا لمبدأ احتكار المعرفة. يخال لي الأمر إذن ولكأن هناك حيطة وحذرا شديدين بإزاء الشبكة. وهو ما يتطلب دراسات ميدانية للتأكد منه.
إيلاف: لماذا يخشى الكاتب والشاعر الشبكة العنكبوتية للنت. خوف من ماذا بالضبط؟
يحيى اليحياوي: هو لا يخشاها فحسب، هو لربما يجهلها ويجهل منافعها. أنا لست في موقع يجعلني أمجد التكنولوجيا عموما وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال تحديدا. أنا أرى فيها إحدى سبل الاتصال والتواصل والانتشار والاطلاع على آفاق جديدة. الإنترنيت لم يختصر المسافات وحسب بل جعلها معطى ثانويا قياسا إلى ما كان سائدا. فالبريد الألكتروني ساهم في تسريع وتيرة تبادل الرسائل، بطرق آنية ودونما تكلفة اقتصادية تذكر والمواقع المتعددة ساهمت في التعرف على ثقافات غيرنا بيسر ودونما حاجة للتنقل...هذه رحمة بكل المقاييس. أنا أعتقد أن المثقف العربي لم يتموطن بعد لديه العمل بالشبكة، فهي غير متأصلة في ثقافته ولا هي جزء من سلوكه. هي كسرت تراتبيته إلى حد بعيد لكنه لا يدري بذلك. وهو لربما يتعفف من طبيعتها "اللامادية" على خلفية من التصور أن الملموس وحده هو الواقعي. أنا أحتار بعض الأحيان في الإجابة على سؤال: من المفروض تربيته على الحوامل الجديدة للثقافة المثقف أم الجماهير؟ هذا سؤال جوهري يطول الحديث فيه هنا.
إيلاف: سبق أن عبرتم في إحدى محاضراتكم القيمة أن الإنترنيت يعمق فجوات اجتماعية واقتصادية وثقافية في المجتمع. هل لكم أن تشرحوا للقارئ الكريم هذا الحكم؟
يحيى اليحياوي: الإنترنيت لا يخلق الهوات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الترابية. هو لاحق عليها وليس سابقا. التوزيع غير العادل لأجهزة الاتصالات والمعلوماتية وما سواها كما السياسات العمومية المعتمدة بمعظم الدول العربية كما استراتيجيات إعداد التراب الوطني كل هذا هو الذي يعمق هذه الفجوات لأن هذه الأخيرة تتجسد عبرها وتتمظهر. الإنترنيت يضيف إليها ما يمكن تسميته " بالفجوة الرقمية" بين الذي يملكون والذين لا يملكون الأجهزة والعتاد، بين الذين تتوفر لهم سبل الوصول إلى المعلومة والمعرفة وبين الذين لا قدرة لهم (اقتصادية أو ثقافية أو بسبب الأمية) لبلوغ الشبكة والإبحار فيها. ما تتحدث عنه الأدبيات بصيغة "الأغنياء معلوماتيا" و"الفقراء معلوماتيا" يدخل في هذا الصدد. إذ عدم تساوي المواطنين أمام السلعة أو الخدمة أو غيرهما هو أخف من عدم تساويهم أمام المعرفة لأن المعرفة سلطة ومالكها قد يدفع بها بجهة التسلط.
إيلاف: هل يعني كل هذا أن الإنترنيت لا يساهم بالشكل المطلوب في التنمية المجتمعية؟
يحيى اليحياوي: لا. هو يساهم فيها وعلى أكثر من مستوى، لكن سياسات الربط قد تحرم هذه الجهة وتحول دون بلوغها مكامن المعلومات والمعرفة. فإذا ركنت إلى الجانب البادية كون ربطها مكلف ومستوى الاشتراك بها ضعيف فإنك تقصيها من الحركية وإن بصورة غير مقصودة. وهذا أمر قائم سيما في ظل خوصصة قطاعات الاتصالات وهوس الربح الذي يحرك المستثمرين وخصوصا لو كانوا أجانبا. المفروض إذن أن تصحح السياسات العمومية (الترابية تحديدا) هذا الخلل وتجبر الفاعلين على ربط كل المناطق وعلى قدم المساواة فيما يتعلق بالكلفة والأسعار...حتى لو ذهب بها الأمر إلى سن صناديق للتضامن بهذا الصدد. قد لا نطالب أن يكون الربط بالصبيب العالي، ولكن المطلوب أن يكون الربط وفق مواصفات تحول دون عزلة طبقات اجتماعية من الحركية التكنولوجية بعدما حالت السياسات دون استفادتهم من الدورة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. بالتالي فالعلاقة بين الإنترنيت والتنمية عموما قائمة وثابتة ومنظر لها بنماذج ودراسات متأنية ومحترمة. لكن الإشكال هو في تحديد طبيعة التنمية التي تفيد كل الطبقات القريب منها كما البعيد، صاحب الدخل المرتفع كما صاحب الدخل المتواضع، العارف بخبايا الشبكة كما الذي لا دراية له أولية بها وهكذا.
إيلاف: ماذا لو أدخلنا الإنترنيت في مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية. هل هو أمر محمود تربويا وثقافيا؟
يحيى اليحياوي: بالطبع هو أمر محمود. فربط المدارس والجامعات والإدارات والمستشفيات والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ومؤسسات التمثيل الشعبي والسفارات والقنصليات والجمارك وغيرها ...هذا أمر محمود ومطلوب ومستعجل فضلا عن كل هذا وذاك. لكن الإشكال هو: لأية غاية؟ لفائدة من؟ وفق أي نموذج تنمية؟ على أساس أية خلفية؟ هذه هي الأسئلة الجوهرية التي من المفروض طرحها قبل الشروع في هذا العمل أو ذاك. ليس المهم استجلاب التكنولوجيا والنظر في سبل إقحامها. الأهم هو تحديد السياسات العمومية (والخاصة أيضا) بدقة ووضوح والنظر بعد ذلك (وبعد ذلك فقط) في التكنولوجيا المناسبة لإنجاح هذه السياسات. قلب المعادلة هو الذي حكم سياسات اقتناء التكنولوجيا طيلة الخمسين سنة الأخيرة ولا يزال مع الأسف لدرجة يبدو معها الاقتناء غاية في حد ذاته وليس وسيلة لبلوغ غايات محددة سلفا.
ليس إقحام الإنترنيت بالمدارس مثلا أو الجامعات هو الذي من شأنه حل إشكال التعليم بالبلدان العربية والحؤول دون هجرة الأدمغة. العطب في السياسات التعليمية وفيها وحدها. بالتالي فالإنترنيت جزء من الحل وليس الحل كله.
خذ مثلا نموذج الإدارة الألكترونية التي يتحدث فيها الكل وتنظم لفائدتها العديد من المناظرات والندوات. أنا أقول هل من شأن الإنترنيت أن يحل مشكل الرشوة والزبونية والمحسوبية التي تنخر الإدارة العربية؟ هل من شأنه أن يحول دون البيروقراطية المستشرية من بين ظهراني الإدارات العمومية؟ لا أظن ذلك إطلاقا. يجب البدء بالذهنيات ثم بتحديد السياسات الناجعة ثم النظر في الإمكانات التي يتيحها الإنترنيت وغيره من التكنولوجيات لهذه الغاية.
إيلاف: لنتخيل قليلا. لو تم تعيينكم وزيرا للإعلام والاتصال هل تقبلون. وما هو أول ملف تبدأون الاشتغال عليه؟
يحيى اليحياوي: أنا أشتغل بالثقافة وأطالب بعلمنتها... أي بفصلها عن السياسة. السياسة في بلداننا العربية أفسدت الثقافة وحولتها إلى مشرعن لها في الخطاب وفي الممارسة. وهذا أمر خطير لو استمر بالطريقة التي تتماهي معها "النخب المثقفة" مع السلطة بغية الحصول على امتياز أو منصب أو غنيمة... لو استمر فستكون العواقب وخيمة. أنا أدعو إلى تكامل الحقلين واهتمام بعضهما بقضايا الآخر لكن دونما أن يتجاوز أحدهما على حقل الآخر.
بالتالي فأنا لا أعتبر سؤالك مستفزا. المستفز هو استمرار قطاع الإعلام بالمغرب في سلوكيات تجاوزها الزمن. ما قولك في ارتهان التلفزة بالمغرب مثلا من لدن السلطة لأكثر من خمسين عاما في زمن لم يعد فيه من قيمة تذكر "لتلفزة السلطان"؟ لو تسنى لي أن أؤسس لخطاب إعلامي متنور وواع وهادف وصادق فسيكون ذلك أفضل من وزير لا يدري من يحدد له سياسته؟
إيلاف: في بعض كتبك الهامة يكون التقديم فيها موكولا للدكتور المهدي المنجرة عالم المستقبليات. لماذا بالضبط الخبير العالمي المهدي المنجرة؟ أليس الأمر مجرد محاباة؟
يحيى اليحياوي: لا إطلاقا. ليس في الأمر ذرة محاباة. فالأستاذ المهدي المنجرة قدم لي كتابين نلت على الأول جائزة المغرب الكبرى للكتاب وقدم لي الثاني بيعت منه الآلاف من النسخ. وأنا بدوري قدمت له كتابان بيع منهما عشرات الآلاف من النسخ.
من يحابي من على هذا الأساس؟
إيلاف: ما هي رسالتكم الإعلامية الأخيرة لقراء إيلاف الألكترونية؟
يحيى اليحياوي: أرجو الا يكون هذا الحوار ثقيلا على أنفسهم وأن يحمل لهم بعضا من الفائدة.
الموقع على الإنترنيت
www.elyahyaoui.org
