سما حسن- إيلاف: كثيرا ما نسمع بمصطلح الأدب النسوي،وما يدور حوله من خلافات واجتهادات،فهل الإبداع يخضع لجنس صاحبه-ذكر أو أنثى-؟وهل المبدعون الذكور قادرون على طرح خصوصيات النساء في إبداعاتهم،مهما كانوا مثقفين ومتنورين؟ولماذا الأدب النسوي تحديدا؟أم أن هناك اعترافا بقضايا المرأة في مجتمعاتنا الذكورية؟ ومع إفساح المجال أمام المرأة للتعليم في غالبية الدول العربية ndash;رغم القيود المفروضة- فقد ظهرت أقلام نسوية كتبت في مختلف فنون الإبداع،كتبت وأجادت وتفوقت ،وفلسطين ليست استثناء طبعا،فالفلسطينيات رائدات في مختلف مجالات الحياة، وللوقوف على الأدب النسوي في فلسطين،كان لنا لقاء مع بعض المهتمين إناثا وذكورا،ووجهنا لهم السؤال:عن تعريف الأدب النسوي؟ وأهم مشاكله وتحدياته في فلسطين؟ والخطوات التي تتخذ للنهوض به؟
الكاتبة ديمة جمعة السمان أبدت رأيها قائلة:
ما هو المقصود بالأدب النسوي ؟ هل يقصد به الأدب الذي تكتبه المرأة؟ وإذا كان كذلك فلماذا هذه الخصوصية للمرأة؟ لماذا لم يتم يوما طرح السؤال التالي؟ ما هو تقييمك لأدب الرجل ؟ وهل هناك حقا أدب نسوي وأدب رجالي؟ أم أن الرجل يحتكر الأدب وقد أصبحت المرأة دخيلة عليه.. فرضت نفسها وهي غير مرحّب بها.. وبالتالي استدعى ذلك التخصيص؟؟
إن غياب التحديد الدقيق لمصطلح الأدب النسوي ساهم في شيوع مفاهيم مختلفة غير واضحة ودقيقة، أدت إلى تقسيم الأدب على أساس الهوية الجنسانية للنص الأدبي.
للأسف فقد دخل مصطلح الأدب النسوي حقل التداول في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، وقد عززت صحافتنا الأدبية هذا الاصطلاح وساهمت في تداوله وترسيخه، وقد ارتبط حقا بجنس الكاتب، وأصبح أمرا واقعا يفصّل الأدب ويقسّمه، وقد تسبب هذا الاصطلاح بتنوع في مدى تقبله بالنسبة للكاتبات، فمنهن من رفضنه بشكل قاطع، ومنهن من تمثل موقفهن بالوسطيّة بسبب وجود خصوصية تاريخية واجتماعية لتجربة المرأة ومعاناتها الطويلة. أما القسم الثالث فقد تلقفن المصطلح وأخذن يدافعن عنه ، ولكن دون وعي نظري ومنهجي واضح ومحدد.
أما أنا فلست من مؤيّدي هذا المصطلح الدخيل، وأرى أنه يزيد من التهميش في دور المرأة الإنساني، وحقها في التعبير عن نفسها في حقول الأدب المختلفة.لأن المصطلح بحد ذاته يؤثر بشكل أو بآخر على عملية استقباله من المتلقي واستيعاب حدوده ودلالاته.. وبالتالي بكيفية التعاطي معه، وهذا ليس في صالح المرأة وإبداعاتها الأدبية بشكل عام.
أعتقد أنه على الرغم من أننا نخطو خطوات كبيرة وسريعة نحو تحرّر الفكر العربي من العقلية الذكورية ، إلا أنه لا يمكن للمرأة أن تخرج من قوقعتها إلا بدعمها لنفسها.. والسعي جاهدة للارتقاء بنفسها ومعارفها .. والعمل على تثقيف نفسها بنفسها.. معبرة عن صوت الوجه الآخر للمجتمع الفلسطيني برؤيتها الخاصة والمميزة.
نسب أديب حسين قاصة وروائية من الجليل الفلسطيني فتعبر عن رأيها بقولها: في إطار تعريف الأدب النسوي على أنه الأدب المكتوب على يد كاتبة أنثى أو على أنه أدب يطرح قضايا المرأة، أجدني على عدم وفاق أو رضا عن هذا النوع من التأطير، لأن وحسب رأيي يجب التعامل مع المادة الأدبية على أنها مادة أدبية إبداعية دون أفكار مسبقة وتأطير مسبق حسب جنس الكاتب. فقد تكون المادة التي تكتبها كاتبة معينة لا تُعنى بقضايا المرأة أو تدافع عنها، فكون الكاتبة فتاة أو امرأة هذا لا يعني أن تحدد بنات أفكارها وانطلاقة قلمها لنصرة حقوق المرأة والدفاع عنها. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤالٍ آخر إلى أي مدى تختلف قضايا المرأة عن قضايا الرجل؟
يوجد في فلسطين العديد من الكاتبات والشاعرات اللواتي لمع نجمهن مثل الشاعرة فدوى طوقان التي كانت أحد رواد الشعر العربي الحديث وتركت إرثًا أدبيًا كبيرًا، وحصلت على العديد من الجوائز الدولية، والكاتبة سميرة عزام التي صدر لها خمس مجموعات قصصية، والروائية سحر خليفة والتي أصدرت حتى الآن 6 روايات، وحازت على جائزة نجيب محفوظ عام 2006 ، وتطول القائمة ويزداد عدد الأديبات الواعدات، والقلم الفلسطيني في تقدم وتطور مستمر.
أما عن اقتراحي لتطوير الحركة الأدبية الفلسطينية بشكل عام دون أن يكون توجه للكاتبات فقط والتحيز لهن كأنما هو نوع من التفضيل المصحح، هو إيجاد أداة توفر الانفتاح الأدبي والثقافي في فلسطين. فإن الأديب الفلسطيني يعاني من الحواجز وصعوبة الوصول لأخيه الفلسطيني الموجود في منطقة أخرى، فهناك أدباء فلسطين الداخل،و أدباء الضفة،وأدباء القطاع هذا عدا عن الكتاب الفلسطينيين المشتتين في أصقاع الأرض، كذلك صعوبة الوصول للعالم العربي تشكل حاجزًا ، وأقصد بالأداة مجلة أدبية يقوم على إدارتها عدد من الأدباء والنقاد، يتم توزيعها في جميع أنحاء فلسطين وتصل إلى الوطن العربي أيضًا، إذ ألاحظ أنه يوجد انقطاع ثقافي نوعًا ما بين الأدباء الفلسطينيين أنفسهم، فالصحف التي تصدر في فلسطين مناطق 1948 قلما تصل إلى الضفة، والصحف التي تصدر في الضفة لا تصل إلى فلسطين 1948.
أما الكاتب والناقد جميل السلحوت فقال : quot;بداية علينا أن نُقر بأن الأدب هو الأدب بغض النظر عن جنس كاتبه، هل هو ذكر أم أنثى؟ وهذه بديهة معروفة منذ القدم، ومما جاء في كتب التراث: أن النابغة الذبياني في سوق عكاظ زمن ما قبل الإسلام، قال للخنساء عندما أنشدته قصيدة من شعرها: (والله لولا أن أبا بصير -الأعشىndash; سبقك لقلت أنك: أشعر من في السوق)، أي لولا أنه أعطى حكماً للأعشى قبلها لحكم لها بأنها أشعر النساء والرجال .
والسؤال يحمل في طياته تناقضاً، فإذا كان هناك أدب نسوي، فهذا يعني أن هناك أدباً رجولياً، وهذا ما لم نسمع به من قبل ،أما إذا كان المقصود هو الأدب المكتوب بأقلام نسوية، فهناك إبداعات نسوية فاقت غيرها من الكتابات سواء كان الكتاب رجالاً أو نساء، والعكس صحيح أيضاً . فمن رواد الشعر الفلسطيني والعربي في القرن العشرين كانت الراحلة فدوى طوقان المولودة عام 1917 والمتوفاة في نهاية القرن الماضي، فقد تفوقت على الكثيرين من الشعراء والشواعر، ومنهم مجيدين أيضاً،وفي النصف الثاني من القرن العشرين لمع نجم الشاعرين محمود درويش وسميح القاسم.
وفي مجال الرواية هناك روائيات مبدعات ومتفوقات أمثال سحر خليفة، ليلى الأطرش، ليانا بدر وديمة السمان .
وفي القصة هناك مبدعات أمثال الراحلة سميرة عزام، ليانا بدر، ليلى الأطرش، شوقية عروق ،ميسون الأسدي ،حليمة جوهر، وسما حسن التي تميزت في مجموعتها القصصية الأولى(مدينة الصمت) تميزاً لافتاً للانتباه .
وفي الشعر سميرة الشرباتي وأنيسة درويش ومنال النجوم وأخريات .
أما إذا أخذنا عدد المبدعين فإن الذكور يتفوقون على الإناث لأسباب كثيرة أهمها:
أن هامش الحرية الشخصية وحرية الحركة متاح للذكور أكثر منه للإناث، كما أن التحصيل العلمي للذكور متاح أكثر منه للإناث، والزواج المبكر يستهدف الإناث أكثر من الذكور، حتى أن بعض الإناث يتزوجن دون إرادتهن قبل سن الخامسة عشرة .
والوقت للمطالعة والكتابة متاح للذكور أكثر بكثير مما هو متاح للإناث، فالمرأة قد تكون عاملة وربة بيت، وزوجة وأم، وأعمال البيت تقع على عاتقها، والرجل في مجتمعاتنا الذكورية هو ( السي سيد ) على رأي إخوتنا المصريين .
كما أن خضوع النساء للعادات والتقاليد البالية يعيق إبداعهن، وان كان هناك إبداع فإنه لا ينشر خضوعاً لعادات تعتبر اسم المرأة عورة، وصوتها عورة، وصورتها عورة ، وكلامها عورة، وكتاباتها كشف للعورة ... الخ . ومع ذلك فيجب الانتباه إلى أن عدد الطالبات الإناث في الجامعات المحلية في هذه المرحلة هو أكثر من عدد الطلاب الذكور، وهذه بشائر خير لفتح الطريق أمام النساء في مختلف مجالات الحياة ومنها مجال الإبداعquot; .
الكاتب والروائي الغزي غريب عسقلاني يدلي بدلوه في الموضوع قائلاً: الأدب النسوي في فلسطين يشهد تطورا ملحوظا على مستوى المنجز الشعري والسردي, وقد دخل ساحة الإبداع النسوي العديد من الأسماء التي أصبح لها أصواتها المتميزة, وهناك أصوات ما زالت تبحث عن ما يميزها من خلال تطوير التقنيات, أو التجديد في المضامين وخاصة اتساع البوح الذاتي حول ما يؤرقها كفرد يتفاعل ويحارب من أجل الوقوف على أرض صلبة، وحتى يتطور الأدب النسوي لا بد من توفير مساحة أكبر من حرية التعبير والوقوف مع المرأة في قضاياها العادلة في مجتمع ذكوري شرقي يعاني من عقد تسلط الذكور ، لا بد من إشراك المرأة في كافة مجالات الحياة حتى تنتقل من طور التابع إلى طور المشارك في القرار والمسؤولية.
الأدب النسوي في فلسطين محاولات جادة مقابل تجاهل وتهميش
هذا المقال يحتوي على 1194 كلمة ويستغرق 6 دقائق للقراءة
