ما زال طفيلي الملاريا يقتل نحو 2,7 مليون إنسان سنويًا في العالم، بينهم أكثر من 800 ألف في أفريقيا. وبعد أن كان العالم قبل ثلاثين سنة يكافح الملاريا بتوزيع الناموسيات على سكان القارة السوداء، صار اليوم يوزع الهواتف الجوالة عليهم تحقيقًا لنفس الغرض.
&
حقق العلم والوعي الصحي خطوات واسعة على صعيد الوقاية من مرض الملاريا، والقضاء على بعوض الانوفليس الحاضن والناقل له، لكن الطفيلي ما زال يهدد حياة 3,3 مليار إنسان، معظهم من سكان البلدان الاستوائية وشبه الاستوائية، بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية. ولا يودي هذا المرض بحياة الملايين فحسب، في هذه البلدان الفقيرة، وإنما يلقي بثقل اقتصادي هائل على كاهلها، وتقدر الأمم المتحدة أن مكافحة المرض وتداعياته تلحق أضرارًا اقتصادية بالبلدان المبتلية به، ترتفع إلى 9,54 مليار يورو سنويًا.
على هذا الأساس، يبدو تخصيص بضعة ملايين من الدولارات لشراء الهواتف الجوالة للسكان، بهدف ربطهم بشبكة مكافحة انتشار المرض، ضئيلًا جدًا أمام هذا الرقم الهائل من الأضرار الاقتصادية. وعملت منظمات إنسانية متعددة، تدعمها البرامج الإنسانية في بعض الشركات العالمية الكبيرة، على توفير ملايين الهواتف الجوالة البسيطة التي تتيح للسكان التبليغ عن مناطق انتشار بعوض الأنوفليس، بل وحتى تصوير هذا البعوض، وتؤهلهم للتبليغ السريع عن الاصابات.&
وتثبت خبرة عشرات السنين في مكافحة الملاريا أن طفيلي البلازموديوم ينتشر كثيرًا في القرى النائية والمناطق البعيدة عن المدن، ويكون هناك عادة أكثر فتكًا بالسكان، نتيجة لندرة طرق المواصلات السريعة وانعدام الاتصالات مع العالم الخارجي. وثبت أيضًا أن الملاريا لا تفرق بين فقير وغني، طالما بقيت خطوط الاتصالات مع مراكز المكافحة المنتشرة في المدن الأفريقية مقطوعة.
&
"SMS for Life"
وإذ يخفق رش المبيدات الكفيلة بقتل بعوض الأنوفليس في تحقيق مهمته، ويخفق السكان في الوصول إلى مراكز مكافحة المرض للتبليغ عن الإصابات، يمكن الهاتف الجوال أن ينجح في ذلك، بحسب مارتن ايدلوند من منظمة "مالاريا نو مور" (لا ملاريا بعد اليوم) الاميركية غير الحكومية.
عملت هذه المنظمة، بالتعاون مع شركات كبرى مثل نوفارتيس ومايكروسوفت، على تزويد السكان المحليين في كينيا بهواتف جوالة تحتوى على بطاقة الكترونية تحمل كامل المعلومات عن المرض، وقادرة على تحديد موقع الاتصال عبر الأقمار الصناعية. وجرى كل ذلك بالتعان مع شركة "سافاري.كوم" التي تنشر شبكة الاتصالات اللاسلكية في كينيا.
شملت الحملة أكثر من 15 مليون إنسان جنوب الصحراء في كينيا، مع الملاحظة أن أعدادًا كبيرة من السكان كانت تمتلك الموبايل سلفًا، لكن بطاقة الملاريا الإلكترونية ستعينهم على الارتباط بشبكة واسعة من السكان الذين يراقبون المرض، ويراقبون انتشار البعوض، ويبلغون عن كل ذلك بواسطة الرسائل النصية القصيرة. كما خصصت بلدة صغيرة بين نيروبي وبحيرة فكتوريا نقطة اتصال يجري منها تنظيم عمل الشبكة، وتنظيم عملية نقل نماذج الدم للفحص.
اعتمدت نفس استراتيجية الجوال في الكاميرون أيضًا، وتم ربط أكثر من 7 ملايين انسان بشبكة مكافحة الملاريا العاملة على الجوال من قبل "ملاريا نو مور". وترافقت الحملة مع توزيع ناموسيات صغيرة للأطفال، هدفها حماية مليوني طفل من البعوض. ونجحت الرسائل النصية الصغيرة التنويرية، التي ترسلها مراكز المكافحة إلى السكان المحليين، برفع نسبة استخدام الناموسيات بنسبة 12بالمئة خلال الأشهر الأخيرة. كما نجحت في تقليل عدد الإصابات بنسبة الثلث.
&
امدادات أحسن
الملاريا تعزز مشاكل بلدان أفريقيا الاقتصادية، والعكس صحيح أيضًا، إذ انقطع وصول امدادات أدوية معالجة الملاريا إلى القرى البعيدة في كينيا بسبب انخفاض تجارة السكر في المنطقة. وكان توزيع الأدوية يجري مع شحنات السكر، وتوقفت هذه الشحنات بفعل انخفاض إنتاج السكر.
وبفضل الهواتف الجوالة، صار بامكان المراكز المحرومة من الأدوية أن تبلغ عن ذلك وأن تستعين بمخزون أقرب مركز. وتمكنت منظمة "ملاريا نو مور"، بفضل الرسائل النصية الصغيرة، من تزويد أبعد القرى عن مراكز المدن بالأدوية.
تكلف عملية "SMS for Life" حتى الآن، سواء بتزويد الفرد بالجوال، أو تزويده بالبطاقة الطبية الخاصة بالملاريا فقط، نحو 80 دولار سنويًا، لأن هذه الهواتف مخصصة أساسًا للتبليغ عن المرض بواسطة الرسائل النصية القصيرة. وتتبنى وزارة الصحة الكينية، بالتعاون مع المنظمات العالمية، مشروع "SMS for Life.2" الذي يوزع أجهزة اللابتوب الصغيرة، والاجهزة اللوحية على بعض السكان بكلفة 250 دولار سنويًا.
وواضح أن استخدام الكومبيوترات في تعزيز الشبكة سيضمن وصول وبث معطيات أوسع وأدق عن مناطق انتشار المرض. فضلًا عن ذلك، تنفذ "ملاريا نو مور" برنامجًا تثقيفيًا للناس عبر هذه الأجهزة الصغيرة، والأهم انها تبث برامج خاصة لإعداد بعض السكان المحليين كمختصين في مكافحة الملاريا.
مضاعفة عمليات الفحص
على أية حال، يمكن للطبيب في القرية النائية أن يرسل صورة عن فحص الدم بواسطة الكومبيوتر إلى مراكز مكافحة المرض في المدن، كي يجري تشخيص الاصابة. وهذا ضاعف عمليات فحص الدم لتشخيص المرض، لأن هذه الفحوصات كانت تشمل واحدة من كل خمس حالات حمى يشتبه بأنها الملاريا فقط، لأسباب تتعلق بقلة الموارد وضعف التجهيزات وقلة طرق المواصلات.
عمومًا نجح مشروع "SMS for Life"، ومن بعده مشروع "SMS for Life.2"، في خفض عدد القرى التي تنعدم فيها أدوية معالجة الملاريا من 42% إلى أقل من 6%. وتضمن المنظمات العالمية ديمومته بسبب انخفاض كلفته، وبسبب دعم الشركات الكبيرة. وكانت الكلفة العالية، وانقطاع الدعم للمشاريع السابقة بين فترة وأخرى، من أهم عوامل فشل هذه المشاريع.
المهم أيضًا انضمام تنزانيا ونيجريا إلى المشروع أيضًا، وهناك تم تطوير البطاقة الإلكترونية الطبية، المخصصة للجوال، عبر تعبئتها بأنظمة لمراقبة انتشار الأمراض المعدية أيضًا.
&
مراقبة الفيضانات أيضًا
يتحدث العلماء منذ عقود عن علاقة واضحة بين الفيضانات وزيادة انتشار الملاريا في افريقيا، وسبق للأمم المتحدة أن استأجرت قمرًا صناعيًا خاصًا لمراقبة منسوب المياه في أنهر وبحيرات أفريقيا بمثابة جهاز انذار مبكر ضد انتشار المرض.
في خطوة لاحقة، يخطط مشروع "SMS for Life" لتزويد الجوال بنظام لمراقبة منسوب النهر والبحيرات وتدريب بعض السكان المحليين على استخدام الجهاز لقياس ارتفاع المياه. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تسهم أكثر في تطويق انتشار طفيلي الملاريا الذي ما انفك يطور مقاومته للأدوية.
وكان العلماء الأوروبيون، من مركز الابحاث الأوروبي المشترك في اسبرا/إيطاليا، رفعوا تقريرًا إلى المفوضية الأوروبية يقول إن المجاعات والجفاف في أفريقيا ستترك محلها لأمطار وفيضانات "كارثية" في المستقبل. واقترح العلماء على الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع الأمم المتحدة، بناء مركز أفريقي للانذار المبكر من الفيضانات على غرار نظام الإنذار الأوروبي من الفيضانات.
ستتكرر
وكتب البروفيسور الان بيلوارد أن فيضانات كالتي جرت في أفرقيا في العام الماضي، ستتكرر خلال السنة القادمة أو خلال السنوات الثلاث القادمة. ويقوم بيلوارد وفريق عمله بمتابعة وتحليل التغيرات المناخية، والتقلبات التي تطرأ على مناسيب المياه، والتغيرات الحاصلة على المياه الجوفية وعلى الأشجار منذ العام 2000.
وتهدد الأمطار والفياضانات، التي تعتبر الأسوأ من نوعها خلال الثلاثين سنة الماضية، حياة ووجود ملايين الناس في الصومال والسنغال وغيرهما. وأغرقت المياه مئات الآلاف من البيوت ومعظم المحاصيل المزروعة، وبشكل يهدد بإصابة 200 مليون إنسان بالجوع والأمراض.
وهذا ليس كل شيء، لأن مياه الفيضانات المفاجئة فتكت أيضًا بالطيور والماشية في منطقة شاسعة تمتد بين موريتانيا وبوركينا فاسو وبنين ونيجيريا.
&

