&في المشهد السعودي تحتفظ ذاكرة الناس بصورة تاريخية، التقطها أبرز مصور سعودي، وهو الراحل صالح العزاز، هذه الصورة تُظهر طفلة في سنوات عمرها الأولى وهي ترسل ابتسامة ساحرة، وتنتشر هذه الصورة في محلات التصوير ومعارض الفنون والمطويات والمجلات التي تحكي عن المملكة كصورة تعبيرية.

أما المشهد الحديث فينتقل إلى مدريد في بلاد إسبانيا، إذ تأتي الصور &والأخبار من هناك، أن مهندسة معمارية سعودية تشق طريقها بسرعة وذكاء، اسمها شهد العزاز، إنها هي تلك الطفلة وابنة ذلك الرجل الفنان.

قبل رحلة عمل من الرياض إلى المدينة المنورة، ومن ثم العودة إلى مدريد، تحدثت العزاز لـ"إيلاف" عن نفسها منذ تلك الصورة إلى الصورة الواسعة اليوم، حيث تحمل مسمى مسؤولة المشاريع في الشرق الأوسط لدى مكتب رافاييل دي لا هوز للهندسة في مدريد، وهو مكتب عالمي شهير في مجاله، ونشاطاته العابرة للقارات، وهي على الرغم من ذلك تقول بأنها لا تسمح للعمل الإداري أن ينسيها مهمتها الأقرب لنفسها، إذ ترى في نفسها مهندسة مشاريع أولاً.

شهد العزاز، تتذكر كل التفاصيل، منذ السنوات الأولى لعمل والدها وإبداعاته في طول المملكة وعرضها بالصور، إذ لم يكن يعرف السعوديون حينها مصوراً يملأ معارضهم في الداخل والخارج أكثر منه، ولذلك أسرها العمل الفني وإن كان هذه المرة من خلال المشاريع والتصميم، إذ لاحظت شقيقتها الكبرى المحامية "شيهانة" ذلك، &ونصحتها بإكمال دراستها خارج المملكة في هذا المجال.

شريط الماضي القريب بالنسبة لشهد كان مليئاً بالتحديات، وفاة والدها كان محوراً مهماً في حياتها، إذ تقول " فاجعة رحيل والدي –رحمه الله- في مرحلة مبكرة من عمري، كنت في المرحلة المتوسطة حينها، &والأثر النفسي و المعاناة الاجتماعية التي استمرت معنا لفترة طويلة بسبب ارتباطنا العاطفي القوي بوالدنا، &فقد كان سندًا لنا ويتمتع بوعي سبق عصره،&كل ذلك&جعل الحياة &ومعايشة الواقع تزداد صعوبة، إلا أن الدعم المعنوي واحتضان أمي لنا التي ساهمت في تماسكنا وتقويتنا لمواجهة الصعوبات ووضع هدف تعليمنا قبل كل شيء، حقق هذا الانجاز. و لا أنسى دور اختي المحامية شيهانة التي لبست ثوب الوالد لتقوم بدوره وكأنه موجود بيننا، فقد استمديت منها العزيمة والقدرة على مواجهة الصعاب".

شهد حصلت على نسبة تقدير قاربة المائة بالمائة في نهاية المرحلة الثانوية في العاصمة السعودية الرياض،&ومن هناك تقول "بعد التخرج من الثانوية، حصلت على القبول من أهم جامعتين في الهندسة في بريطانيا و الطب في ايرلندا. و كانت مشورة شيهانة أن استثمر موهبتي الفنية &واتخصص في الهندسة وقد حصلت على البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة مانشستر في بريطانيا. التحديات في هذه المرحلة هي التحديات التي يمر فيها أي طالب مبتعث من غربة &ووحدة والمنافسة مع الطلبة المتواجدين من كافة دول العالم. لكن مسيرة شيهانة الحافلة بالنجاح كانت دعماً وقدوة وحافزاً لي للصبر والالتزام لتجاوز التحديات".

وتنتقل شهد بالحديث إلى مراتع العمل الأولى في مدريد،&من قوم جدد ولغة جديدة،&ووظيفة مرموقة في أحد أهم بيوت الهندسة العالمية، فتقول إنها تعلمت اللغة الاسبانية في 9&أشهر لتستطيع التأقلم مع الوضع الجديد،&وتواصل "بعد التخرج من الجامعة، حصلت على فرصة عمل مع مكتب رافاييل دي لا هوز للهندسة في مدريد، وبعد فترة عيّنت مسؤولة المشاريع في الشرق الأوسط، واضاف ذلك اليّ مسؤولية ادارية بالإضافة الى مسؤوليتي الفنية كمهندسة مشاريع. أما التحديات التي واجهتني قبل الحصول على فرصة عمل هي عدم امكانية حصول المرأة السعودية على رخصة لفتح مكتب استشارات هندسية (معمارية) بالإضافة الى أن معظم الوظائف التي عرضت عليّ هي وظائف مكتبية لا تمكنني من ممارسة تخصصي، كما أن من اهم التحديات للحصول على فرصة عمل في مكاتب عالمية في تلك الفترة تتلخص في سببين الأول الازمة الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة، وبالأخص في أوروبا، وثانيًا المنافسة مع الكفاءات العالمية، إن حصولي على فرصة عمل في مكتب عالمي كان أكبر تحدٍ لي استطعت المنافسة وتجاوزه".

في شهر فبراير من&هذا العام، حصلت شهد على &درجة الماجستير في الهندسة المعمارية والادارة،&وحصلت على المرتبة الأولى من أفضل الجامعات في العالم، جامعة أي إي (Instituto de Empresa) في مدريد، بالإضافة إلى جائزة أفضل مشروع تخرج، وترى شهد أن مرحلة الدراسات العليا كانت من أصعب المراحل لان فترة الدراسة صاحبت مسؤوليات العمل وكثرة السفر لمتابعة المشاريع خارج اسبانيا. كما أن المنافسة الدراسية ازدادت بسبب أن معظم الدارسين هم& أصحاب خبرات و مخضرمون، في حين أنها كانت الطالبة الأصغر سناً بينهم.

وجدت شهد في تلك الفترة رغم صعوبتها وحجم العمل والدراسة فيها، الكثير مما يمكن أن تقوله، وتعيشه، فهي تسرق ساعة وساعتين للرياضة، أما الإجازات فتخصصها بأكملها للراحة والاستجمام، إذ تختلس أياماً لتقضيها في أوروبا وأميركا وكذلك آسيا.

في حين تعترف شهد بأنها معجبة بطريقة تعامل المجتمع الاسباني معها، فتقول عنهم بأنها وجدت في مدريد مجتمعاً منفتحاً متقبلاً للآخر، و "لا ينظر لي كامرأة أو كمسلمة أو كعربية، بل نظرتهم الانسانية واحتواؤهم لي ساعداني على النجاح، وأن أقضي أيامًا مريحة وسعيدة".

حين تعود شهد بالمشهد وترى الصورة كاملة، وهي في وسطها، ترى جمعاً من أهلها وأحبابها وأصدقائها الذين تعهدوها بالرعاية، من البيت ووالدها الراحل وأمها القوية وشقيقها عبدالله، إلى السفير السعودي في مدريد الأمير منصور بن خالد بن عبد الله الفرحان آل سعود، وتصل إلى أصدقائها من الطلبة السعوديين الذين اختاروها لتكون نائبة رئيس النادي السعودي في الجامعة في مدريد، وكذلك فعل معها زملاؤها الإسبان في العمل والجامعة، وبالطبع لا تنسى رئيس ومؤسس المكتب رافاييل دي لا هوز ، الذي آمن بموهبتها وفتح لها باب الإنجاز.

شهد التي أتمت دراستها من خلال منحة الابتعاث التي أطلقها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز، &ترى أن &التحديات امام المرأة السعودية أضعاف ما يواجهه الرجل، إلا أن المرحلة الحالية تشهد بحسب قولها تغييراً للأفضل بدعم الملك عبدالله، وترى أن ذلك &يضيف المزيد من المسؤوليات على المرأة لإحداث التغيير، "إذ أن التغيير لا يأتي فقط بالتمنيات بل بالعمل و انتهاز الفرص و السعي المتواصل للوصول للهدف".

تختم شهد حديثها لـ"إيلاف"، بأنها حققت حلمها رغم وفرة الطموح، ورغم أنها تريد المزيد، وتقول: "حلمي ببساطة تحقق لأني اندفعت بتركيز ودعم إيجابي وتقبل من حولي لي بعيدًا عن الانتقادات أو التقييم الشكلي، لذلك أتمنى أن نتحد، رجالاً و نساء، في تحقيق النجاحات لهذا الوطن وخاصة النجاحات العلمية بكل حب وتقبل للآخر لتكون لنا مكانة متميزة على مستوى عالمي".
&