في لحظة الاندماج والتكامل بين الصحافة التقليدية وبين الفضاء الالكتروني والشبكة العنكبوتية، ولدت التسريبات الكبرى، بحيث تخطت الصحافة القيود، وانطلقت نحو نهاياتها القصوى.

بنما: مرت أربع سنوات بين أول تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز عن اوراق البنتاغون ونهاية الحرب الفيتنامية. ومرت سنتان بين اول تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست عن تورط ريتشارد نيكسون في السطو على مبنى ووترغيت واستقالته من الرئاسة.&

ومؤخرًا استقال رئيس الوزراء الايسلندي زيغموندور غونلاوغسون بعد أقل من 48 ساعة على كشف اسمه في اوراق بنما، بوصفه احد المتهربين من الضرائب. وامتدت تداعيات اوراق بنما الى الصين وبريطانيا وروسيا والأرجنتين ونحو 50 بلدا آخر في انحاء العالم.

ولكن التسريب اعاد التذكير بأمر آخر بالغ الأهمية مر دون ان ينتبه اليه أحد، وهو اقتراب الصحافة المتعارف عليها من العمل على طريقة ويكيليكس، فعملية دمج تجري بين السلطة الرابعة، ممثلة بصحافييها من الطراز التقليدي الذين يعملون مقيَّدين نسبيًا، وبين السلطة الخامسة التي تدفع الحدود المرسومة للعمل الصحافي الى نهاياتها القصوى، معتمدة على المدوّن والقرصان الالكتروني والناشط الصحافي في عصر التسريبات الكبرى.

انتصار كوني

وكان فجر "صحافة التسريبات الكبرى" بزغ بنشر وثائق ويكيليكس الدبلوماسية والعسكرية بالتعاون مع نيويورك تايمز ودير شبيغل والغارديان وصحف أخرى، وقد تساءل رئيس تحرير نيويورك تايمز التنفيذي وقتذاك بيل كيلر عما إذا كان نشر الوثائق "انتصارا كونيًا للشفافية".

ونسب مراقبون دورًا الى تسريبات ويكيليكس في الربيع العربي بكشفها فساد الرئيس التونسي السابق زين الدين بن علي وافراد عائلته وبذلك إشعال شرارة الانتفاضات التي اعقبت سقوطه في تونس.&

وفي عام 2015 طعن قاض فيدرالي اميركي في دستورية برنامج وكالة الأمن القومي للتجسس على الاتصالات ومستخدمي الانترنت بعد ان سرب الموظف السابق في وكالة المخابرات المركزية ادورد سنودن تفاصيل البرنامج على الانترنت.

الآن &سُربت 11.5 مليون وثيقة في ما أصبح معروفا باسم اوراق بنما، من شركة موساك فونسيكا البنمية للمحاماة المختصة بتأسيس شركات وهمية وتوفير ملاذات ضريبية لمئات من اصحاب السطوة والمال في العالم. وتسبب اوراق بنما الآن صداعا قد يتطور الى علة لا شفاء منها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، لا سيما بعد ما آل اليه مصير رئيس الوزراء الايسلندي.&

ولكن المعلومات الحساسة التي تزخر بها هذه التسريبات تطرح تحديات جديدة على الصحافيين والمحررين الذين اعتادوا جمع معلوماتهم بالاتصالات الهاتفية والمقابلات مع بشر أحياء ملموسين.&

وظهرت هذه التحديات بقوة في التعاون مع تسريبات ويكيليكس، فإن صحف نيويورك تايمز والغارديان وشبيغل وغيرها حذفت من تقاريرها المستندة الى وثائق ويكيليكس اسماء مصادر حساسة، ولكن وثائق بحوزة ويكيليكس نُشرت على الانترنت لاحقًا بأسماء مصادر حساسة اثارت اتهامات بأن هذا النشر عرّض ارواحًا للخطر.

مخالفة القوانين

واعلن جوليان اسانج ومؤيدوه ان أي أذى جسدي لم يلحق بأحد جرّاء نشر الوثائق، ولكن هذا لم يسعف الجندي برادلي ماننغ الذي حُكم عليه بالسجن 35 عاما بعد إدانته بتهريب وثائق سرية الى ويكيليكس، وجاء الحكم &في اطار محاولات الحكومة الاميركية لإنهاء عصر التسريبات الكبرى.

ويعمل الصحافيون الاستقصائيون ومصادرهم في خوف شديد من السجن، ولكن ليس بقدر خوفهم من نجاح &الحكومات في لجمهم ومنع تقاريرهم من الوصول الى الجمهور.

ويزداد الأمر تعقيدًا إذا كانت المعلومات والوثائق التي وقعت بأيدي الصحافيين الاستقصائيين سُربت بطريقة غير قانونية، كما في حالة اختراق كومبيوترات شركة سوني الذي اتُهمت كوريا الشمالية بتدبيره، &ففي هذه الحالة تصبح القضية نشر معلومات جرى الحصول عليها بطرق مخالفة للقانون.

وقال منظمو مشروع اوراق بنما في الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين انهم وضعوا هذا الأمر نصب أعينهم حين اقتفوا خيوط القاعدة البيانية لشركة موساك فونسيكا التي تقول إن المعلومات نُقلت اليهم باختراق كومبيوتراتها في عملية قرصنة الكترونية غير قانونية، وأكد رئيس الاتحاد جيرالد رايل لصحيفة نيويورك تايمز انهم لم يعرفوا ان الوثائق كانت نتيجة اختراق لكومبيوترات موساك فونسيكا. &واضاف رايل ان الاتحاد كان حريصًا بصفة خاصة على ألا ينشر كل ما بحوزته من معلومات، لا سيما المعلومات الخاصة عن اشخاص لا صلة لشؤونهم بالمصلحة العامة. &

واشار رايل الى ويكيليكس قائلا: "نحن نحاول ان نستعيد ما سرقوه أو أخذوه"، وسمحت لهم الصحافة بذلك، "لأننا اصبحنا كسالى وغير منظمين ومتعالين على ما يُفترض ان نفعله، وهو تسليط ضوء على الأماكن المظلمة".&

ورد موقع ويكيليكس على ذلك بتغريدة قال فيها: "إذا مررتم مقص الرقابة على 99 في المئة من الوثائق، فانكم تمارسون الصحافة بنسبة 1 في المئة". ولكن هذا النقد ليس عامًا في دوائر السلطة الخامسة.&

وكانت زعيمة حزب القراصنة الايسلندي المعارض بريجيتا يونزدوتير عملت متطوعة مع ويكليكس ومؤسس الموقع جوليان اسانج. وتحدثت لصحيفة نيويورك تايمز معربة عن اهتمامها البالغ بأوراق بنما. &وقالت إن حزبها يطمح في الوصول الى الحكم على اساس برنامج يتضمن تحويل ايسلندا الى "مكان يمكن ان يستضيف المعلومات دون خطر يهدد مصادرها"، أي ان تكون ايسلندا ملاذًا لصحافة التسريبات الكبرى.&
&