لم تركز الدراسات الصحية حتى الآن على الغازات المنطلقة من وقود البواخر، ربما لأنها تسير في عرض البحر بعيداً عن المدن، لكن دراسة ألمانية أثبتت الآن ان ضرر وقودها على البيئة والبشر لا يقل عن ضرر البنزين والديزل.
ميونخ: الوقود الثقيل هو أحد الأجزاء الناتجة من عملية التقطير المجزأ للنفط الخام. ويستخدم مثل أي منتج نفطي سائل ثقيل بأن يحرق في الفرن أو المرجل لتوليد الحرارة أو لتوليد الطاقة الكهربائية أو الحركية. ويستخدم الوقود الثقيل عادة كوقود لتحريك المكائن الضخمة التي تشغل البواخر الكبيرة وناقلات النفط وفي تشغيل محطات إنتاج الكهرباء الكبيرة.
ويقول مركز هيلمهولز للأبحاث البيئية في العاصمة البافارية ميونخ، إن ذرات السخام التي تنطلق من البواخر كنتيجة لحرق الوقود الثقيل لا تؤدي إلى تخريب رئتي الإنسان وتعريضه لأمراض الجهاز التنفسي المزمنة فحسب، وإنما تضعف كثيراً من نظام مناعته. وتنطلق من احتراق الوقود الثقيل غازات ضارة بالبيئة مثل اوكسيد الكبريت وثاني أكسيد الكربون وأوكسيد النتروجين وذرات السخام وذرات الغبار الملوث. وعلى هذا الأساس طالب الباحثون من المعهد بحظر استخدام الوقود الثقيل في البواخر، أو الزام صناعة البواخر والناقلات بتزويد مكائنهم بمرشحات (فلترات) لترشح الغازات السامة وذرات السخام التي تنطلق عنها.
التهام الماكروفيج
وتوصل الباحث رالف زمرمان، من معهد هيلمهواتز المذكور، وفريق عمله إلى أن الغازات التي تنبعث من البواخر تلتهم خلايا نظام المناعية"الماكروفيج" المكلفة أساساً بالتهام الأجسام الغريبة التي تتسلل إلى جسم الإنسان. وقال زمرمان ان "الماكروفيج" هي خط الدفاع الأول في الرئتين بالضد من المواد الضارة التي تتسلل إلى الجهاز التنفسي(مثل الجراثيم أو ذرات الغبار أو ذرات السخام)، لأنها أكثر حساسية واسرع استجابة في المناعة من بطانة نسيج الرئة.
للكشف عن تأثير الغازات المنطلقة عن الوقود الثقيل على جسم الإنسان، جمع زمرمان وزملاؤه الغازات المنطلقة عن وقود البواخر في مفاعلات، ثم خففوه بنسبة 1:40 أو 1:100 مرة ثم سلطوها على خلايا من مختلف أنسجة جسم الإنسان تم تكثيرها في مستنبتات مختبرية.
وكانت النتيجة ظاهرة وهي ان خلايا المناعة المهمة من نوع"ماكروفيج" كانت أكثر حساسية للغازات الضارة من غيرها من الخلايا. ومات الكثير من الماكروفيج بعد اربع ساعات فقط من تسليط الغازات الضارة عليها. وبغية معرفة ما إذا كان المسؤول هي الغازات أم جزيئات السخام والغبار، سلط العلماء على هذه الخلايا الغازات فقط، مستخدمين الفلتر لفصل الجزيئات الضارة عنها. وهنا تغيرت النتيجة، لأن سميّة الغازات وحدها كانت أقل بكثير للخلايا المناعية.
الوقود الثقيل والديزل
وأكد زمرمان أن نتائج التجربة تثبت كون التأثير القاتل للنواتج العرضية لاحتراق الوقود الثقيل يتركز في ذرات السخام والغبار أكثر مما يتركز في الغازات.
وعند مقارنة تأثيرات مخلفات الديزل والوقود الثقيل على الإنسان، لاحظ الباحثون أن ذرات السخام والغبار الناجمة عن الوقود الثقيل مسؤولة عن بدء عمليات التهابات في الخلايا والأنسجة، في حين ان هذه الذرات الناجمة عن حرق الديزل تؤثر أكثر في بيولوجيا الخلايا.
وكان هناك فرق أيضاً من ناحية تأثير الوقودين على خلايا"ماكروفيج" المناعية. وذكر زمرمان أنه تفاجأ حينما لاحظ ان التأثيرات السلبية على نظام المناعة في الوقود الثقيل أقل مما هي في الديزل رغم ان عدد جزيئات السخام والغبار في مخلفات الوقود الثقيل أكثر. وهذا يعني ان الأضرار الصحية التي تسببها مخلفات حرق الوقود الثقيل على الموانئ والمدن الساحلية أقل من الأضرار الصحية للديزل في المدن. ويستنتج زمرمان من هذه الفوارق ان تزويد البواخر بالفلترات يكفي حالياً لتجنب الأضرار الصحية للوقود الثقيل على مدن الساحل، وبانتظار العثور على بديل مناسب لهذا النوع من الوقود. هذا في حين ان هناك صيحات بيئية عالية في ألمانيا لحظر استخدام الديزل في السيارات في مراكز المدن.
ومعروف ان حرق الوقود الثقيل يؤدي إلى تلويث الجو بنسبة 14 % من غاز ثاني اكسيد الكربون نسبة الى مجموع الغازات المنبعثة من عملية الحرق . وهناك عدة محاولات لتقليل هذه الأضرار عن طريق استخدام نظام حقن مادة اكسيد المغنسيوم، التي ترفع درجة الحموضة وتقلل نشوء حامض الكبريتيك، وتؤدي الى تحسين الاحتراق. ويلجأ بعض العلماء إلى خلط الوقود بالماء بنسبة 20 %، ومن ثم تحريكه بشكل يحوله إلى مستحلب. وهذا عندها يؤدي الى تحطيم جزيئات الوقود واصدار طاقة حرارية اعلى وذرات سخام أقل.
5 ملايين سيارة!
تعليقاً على نتائج الدراسة، تحدث لارس مونش من دائرة البيئة الاتحادية، عن دراسات أخرى تدين الوقود الثقيل بالتسبب بأمراض القلب والدورة الدموية وسرطان الرئة. وقال ان عدد البواخر، مقارنة بالسيارات، ليس بالقليل ويكفي ان نعرف ان شركة ملاحة كبيرة مثل كوستا كونكارديا تستخدم 60 ألف باخرة في اسطولها. إن باخرة كبيرة لنقل الركاب تطلق من الغازات وذرات السخام يعادل ما تطلقه 5 ملايين سيارة وهي تقطع المسافة نفسها.

