من مفارقات الحياة الفكرية والثقافية في المغرب أن القضايا الراهنة الضاغطة لا يتم التصدي لها في غالب الأحيان المفكرون والمتخصصون ممن لهم دراية وتجربة في الميدان، وإنما تترك للناشطين المنتشرين كالفطر في شبكات التواصل الاجتماعي، ليناقشوها على هواهم ووفق إدراكهم.

إيلاف من الرباط: تحتل معضلة التربية والتعليم الصدارة في سلم المشاكل التي تؤرق المجتمع المغربي برمته. وهي مشاكل متوارثة ومتراكمة على مدى العقود الماضية، بعضها طبيعي تعاني منه حتى الدول المتقدمة وملازم لتطورها، وبعضها الآخر ناتج من سوء السياسات والاختيارات، وكذا ضعف الوسائل المادية والبشرية، أمام شدة الإقبال على المدرسة، باعتبارها مدخل ووسيلة الرقي الاجتماعي.

الملاحظ في هذا السياق أن المسألة اللغوية وعلاقتها بمنظومة التربية والتعليم تطل بين الفينة والأخرى وبشكل مباغت على المشهد التعليمي المغربي.

على سبيل المثال فقد أثيرت مسألة تدريس الدارجة (العامية) قبل أكثر من سنتين، لتحل محل الفصحى على المدى القريب، في طور التعليم الأساسي أولًا؛ فأثارت في حينها لغطًا شديدًا وردود فعل غاضبة ومنددة، لأن الداعي إلى العامية ليس فقيهًا في اللغة ولا عالمًا باحثًا فيها من زوايا معروفة عند المتخصصين في اللغويات، وخاصة ما يتصل بنظرية التعلم واكتساب اللغة وأثر الازدواجية &والتعدد على المتلقي والتحصيل المدرسي، إضافة إلى انعكاسات التعايش بين الفصحى والعاميات في المجتمعات العربية.

صاحب المبادرة التي أثارت الزوابع ضده ناشط وفاعل مجتمعي ورجل أعمال، وتبين من خلال النقاش التلفزيوني الذي جرى بينه وبين المفكر عبد الله العروي أن الأول ترامى على موضوع أكبر منه، لا يمتلك مؤهلات للخوض فيه، وبالأحرى إقناع المجتمع بصواب دعوته؛ وبالتالي حسمت تلك المناظرة بينه وبين العروي، النقاش في المسالة اللغوية، واعتقد الرأي العام المغربي أن لا أحد سيتجرأ على طرح الموضوع ثانية في ساحة النقاش.

لكن المتحمس نفسه لاستبدال &تدريجي للفصحى بالعامية بحجج بسيطة يروّجها منذ زمن، خصوم العربية؛ عاد إلى الساحة بكيفية &غير مباشرة، وحشر نفسه في الحملة المعترضة على إدراج كلمات بالعامية المغربية في كتاب مدرسي موجّه إلى التعليم الأولي، قوبل بالاستهجان، ووصف بأنه اجتهاد في غير محله.

وكان اعتذار وزارة التعليم المغربية وقرارها سحب الكتاب المدرسي المرفوض من التداول كافيين لإنهاء المشكل، بصرف النظر إن كانت تقف وراء العملية جهة معينة أو إنه يخدم أجندة معادية للعربية. ما أثار الريبة أن صاحب الدعوة أطل برأسه مجددًا، متضامنًا مع مؤلفي الكتاب المدرسي المذكور، ومعبّرًا في الوقت عينه عن ارتياحه من الخطوة الأولى، من دون أن يخجل من ضعف الحجج والمبررات غير العلمية التي دافع بها عن أطروحة إدماج العامية في المدرسة المغربية.

النتيجة أن "الداعي" نال من النقد والسخرية والتشهير ما لم ينله في الخرجة الأولى، لدرجة اضطراره اللجوء إلى القضاء لردع خصومه ومنتقديه الذين انتشروا في شبكات التواصل، ساخرين منه ومن أطروحته بأساليب معيبة أحيانًا. ولكن على نفسها جنت براقش، كما يقال.

علاقة بهذا الإشكال الذي يبدو أنه لن يختفي نهائيًا، سألت "إيلاف المغرب" متصفحيها إن كانوا يعتقدون أن السجال بخصوص إدخال العامية إلى المدرسة واعتمادها كلغة التلقين له، (أي النقاش)، سند علمي ومبرر تربوي يبرره إسهامًا في الارتقاء بمستوى المدرسة المغربية؟.

وكان من الطبيعي أن ينقسم المستجوبون إلى فئتين: الرافضون أولًا، وهم الغالبية، مجاورين نسبة السبعين في المائة، فيما بقي المؤيدون في أكثر من الثلاثين بقليل. أما المحايدون فظلت خانة إجابتهم فارغة، ما يدل على إحراج الموضوع إياهم شعورًا بأنه أكبر منهم.

أية قراءة ممكنة وتأويل موضوعي للإجابات؟.. هل الرافضون للنقاش والمؤيدون له كتلة صماء، قطعيون في مواقفهم لا يقبلون التزحزح عنها قيد أنملة، أم إنه ينبغي قراءة متأنية وتأويل واقعي للإجابات والمواقف.

باستحضار التوجهات والتجاذبات التربوية والفكرية التي برزت من خلال ما كتب ونشر وأذيع في وسائل الإعلام المغربية خلال الحملة الأخيرة، يمكن القول إن الاستفزاز الذي أحس به الغيورون على الفصحى مصدره وسببه أن من اتهموا لغة الضاد بالعجز والابتعاد عن العصر، ربما تجاوزوا الحدود الوطنية والدينية، لأنهم لا يعرفون العربية الفصحى، وعاجزون عن تذوق جمالها وأسرار بيانها؛ وبالتالي يستحيل عليهم أن يقنعوا الأطراف الأخرى بأن العامية، وهي أشتات وفروع، يمكن أن تنوب عن الفصحى وتعوضها في نقل المعارف والمفاهيم الملموسة والمجردة، باعتبار العامية خليطًا من لهجات المناطق ورواسب اللغات الأجنبية الرائجة في المغرب، إذ لا وجود لعامية مكتملة قائمة الذات بنحوها وصرفها ومعجمها. هي دائمة التطفل على لغات أخرى. وهذا لا ينفي عنها أنها صفة التواصل بين الجماعات في مواكبة تطور المجتمع في سلوكياته وقيمه.

ويجب أن لا يفهم اعتراض غالبية المستطلعين على أنه موجّه ضد العامية وتحريمها، وهي المستعملة على نطاق واسع في الحياة الاجتماعية. هم يعلمون أن المدرسين يستعينون بها في شرح بعض المسائل التعليمية الغامضة. لا يوجد مناصر للعامية يؤمن بجدواها في تلقين الفلسفة. تلك خاصية تنفرد بها اللغات العالمة التي تتوافر على تراث رمزي مدون على مدى &العصور.

يلتقي هذا التأويل المعتدل لأجوبة الفئة الغالبة من المستطلعين مع الفئة الثانية، التي ترى فائدة في نقاش مجتمعي بخصوص المسألة اللغوية في ارتباطها بالتعليم والإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا. لا أحد ينكر أن العربية، كونها ليست اللغة الأم، تفرض على المتعلم &صعوبات موقتة، ثبت بالتجربة أنه يمكن تجاوزها.

تجدر الإشارة إلى الرأي الذي لا يحرم استعمالًا جزئيًا للعاميةً عند الضرورة، وليس بغاية استبدالها بالفصحى، وإنما بغاية ردم الهوة بينهما، والاجتهاد في رصد أوجه التوافق بينهما، بالانطلاق من مبدأ أن العامية هي تحريف وتحوير للفصحى متحررة من ظاهرة الإعراب. &

وإذا اتهمت العربية الفصحى بالفقر والعجز عن التعبير عن المفاهيم الحديثة، فالحقيقة أن العامية يجب أن ترتب في أدنى درجات السلم اللغوي. وهذا ليس احتقارًا لها وإعلاء مطلقًا للفصحى.

الخلاف بين المعارضين والمؤيدين، بصدد اللغة واللهجة، يمكن التخفيف منه بتشجيع النقاش العلمي بين اللسانيين والتربويين، ولا ضير إن طال، فقد يفضي إلى تبني مقاربة تعليمية بديلة، تستعين بمنجزات التكنولوجيا الرقمية التي ستنهي ثنائية الصراع بين العامية والفصحى.

هناك طرق وقنوات حديثة يتم تجهيزها لتمر منها المعرفة بأقصى سرعة متخيلة، تنطلق من مصادرها إلى متلقيها مكتفية بلغة الإشارة، وهذه ليست فصحى وعامية. &
&
&