مراكش: شكل افتتاح ندوة "مدونة الأسرة على ضوء القانون المقارن والاتفاقيات الدولية"، الجمعة، بمراكش، مناسبة لاستعراض واقع وآفاق التعاطي مع قضية أساسية على مستوى "حماية حقوق ومصالح مغاربة العالم داخل وخارج أرض الوطن"، تتعلق بـ"العراقيل والصعوبات التي تعترض تطبيق المدونة على الأسر المغربية المقيمة بدول المهجر".
وتتميز هذه الندوة، التي تنظمها الوزارة المنتدبة المكلفة المغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة، بمناسبة انعقاد المنتدى الثالث للمحامين المغاربة المقيمين بالخارج، بشراكة مع وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، بمشاركة المحامين المزاولين بالمغرب ونظرائهم بالخارج، فضلاً عن قضاة عن رئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وممثلين عن وزارة العدل وباقي القطاعات الوزارية والمؤسسات المتدخلة في هذا المجال.
وفضلاً عن جلسة الافتتاح، تضمن برنامج الندوة، التي تنظم على مدى يومين، محورين: "آثار الأحكام والعقود الأجنبية في المادة الأسرية على ضوء الاتفاقيات الدولية" و"حماية الطفل في ضوء الاتفاقيات الدولية".
تقوية جسور
ركز عبد الكريم بنعتيق، وزير شؤون الهجرة، في معرض كلمته في جلسة الافتتاح، على إبراز أهمية الندوة، مشيراً إلى أن من شأنها أن تكون أرضية لاقتراح حلول للإشكالات المتعلقة بالأسرة، التي اعتبرها إحدى أهم القضايا المرتبطة بتحولات المجتمع، والتي تنظم بقواعد قانونية.
وقال بنعتيق إن وزارته أخذت على عاتقها تعبئة كفاءات مغاربة العالم، وهي التعبئة التي قال إنها تعني تقوية الجسور مع المغاربة العالم أينما كانوا، مع وضعهم في صورة مغرب يتطور ويجتهد، مع حرص على مساهمة الجميع في النقاش والتدابير الموضوعة.

وأبرز بنعتيق أن المغرب لم يختر مواجهة التحديات بمنطق الهروب إلى الأمام، وإنما بــالاجتهاد الرصين والعميق وبالنقاش، والتعاطي مع الإشكالات المستجدة التي تفرضها التحولات المجتمعية، بعيداً عن "عقلية الخوف" و"المحافظة المبالغ فيها".
وذكّر بنعتيق بمؤتمر الهجرة العالمي، الذي انعقد قبل أسابيع بمراكش، والذي تمخض عن ميثاق أريد له أن يشكل منطلقاً لتدبير إحدى أعقد الإشكالات العالمية، مشيراً إلى أن الهجرة تحولت إلى ورقة ضاغطة في بلدان الإقامة، تغذيها أطروحات خاطئة واجتهادات سياسية ذات طابع انتخابي.
وقفة تأمل
اعتبر عبد النباوي الوكيل العام للملك(النائب العام) ورئيس النيابة العامة، أن تنظيم ندوة "مدونة الأسرة على ضوء القانون المقارن والاتفاقيات الدولية"، بعد مرور 14 سنة على تطبيق مدونة الأسرة، يفرض على جميع المهتمين "القيام بوقفةِ تأملٍ لرصدِ المكتسبات، والكشف عن مكامن الاختلالات لتحديد مداخل الإصلاح المرتقب"، مع إشارته إلى أن "تحقيق هذا الرهان لن تكتمل معالمه، إلا إذا تم تبني قراءة تستحضر أبعاد وآثار هذا التطبيق على المغاربة المقيمين بالخارج"، حيث أن نجاح أي نص، ولاسيما قانون الأسرة، يقول عبد النباوي، لا يتوقف بالضرورة على استيعابه للإشكالات الداخلية، ولكن بقدرته على "الانسجام والصمود أمام أي اختبار لمقتضياته داخل الأنظمة القانونية الأجنبية، في تماه مع التطورات التي تشهدها التشريعات المقارنة في هذا الصدد. سيما وأن المعنيين بأحكامه من المواطنين ينتقلون أو يقيمون بدول أخرى، ويعرضون خلافاتهم الأسرية على محاكمها، مما يقتضي أن يكون هذا القانون منسجما مع المبادئ الكونية لحقوق الإنسان ومراعياً لتطورها".

عبد النباوي الوكيل العام للملك ورئيس النيابة العامة
واعتبر عبد النباوي أن من حق وواجب بلاده التي "تواصل جهودها من دون كلل في معركة البناء الديمقراطي الحداثي ودولة القانون والمؤسسات، القائمة على ترسيخ قيم العدل والمساواة وحقوق الإنسان، أن تقف وقفة تعيد فيها قراءةَ إنجازاتها الكبرى وتقييمَ مسارِها وتقويمَه وتطويرَه وتحسينَ أدائه، بما يحقق الأهداف التي رسمتها لنفسها".
واستعرض عبد النباوي "الدور الكبير الذي تقوم به النيابة العامة في قضايا الأسرة، سواء من منظور المدونة التي جعلتها طرفاً أصلياً في جميع القضايا، مما يسمح لها بالمساهمة في نجاعة العدالة ومساعدة قضاء الحكم على إصدار أحكام تستجيب لتطلعات المتقاضين. أو فيما ينيطه بها قانون المسطرة المدنية أو قانون المسطرة الجنائية من إجراءات لحماية الأسرة عموماً، والنساء والأطفال على وجه الخصوص"، مبرزاً "الدور المهم التي تقوم به النيابة العامة بالنسبة لتطبيق اتفاقيات التعاون الدولي في مجال الأسرة والحَضانة واختطاف الأطفال، مما يجعل منها آلية أساسية لتعزيز نجاعة العدالة على المستوى الدولي".
وذكّر عبد النباوي بــ"الاعتبارات المتحكمة في إقرار المقتضيات ذات الصلة بالمغاربة المقيمين في الخارج بشأن مدونة الأسرة، والتي كان طابعها الأساسي هو التيسير، ورفع الحرج، وتبسيط الإجراءات، وهو ما يمكن لمسه على سبيل المثال من خلال إمكانية إجراءات إبرام الزواج أمام سلطات بلد الإقامة الواردة في المادتين 14 و15 من المدونة، أو من خلال ما ورد في المادة 128 من نفس المدونة فيما يتعلق بشروط التذييل بالصيغة التنفيذية، والتي اتسمت بنوع من المرونة خروجا عن الأحكام العامة المؤطرة للموضوع".
ولاحظ عبد النباوي أن "مقاربة قانون الأسرة المغربي على ضوء القانون المقارن والاتفاقيات الدولية، بقدر ما تفتح آفاق تطوير هذا النص من خلال استحضار الممارسات التشريعية والقضائية المقارنة، واستلهام المبادئ المرجعية للاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالموضوع، والتي تعد بلادنا نموذجاً رائداً للانخراط الواعي والمسؤول في أهمها، وسباقة على الصعيدين العربي والإسلامي، خاصة في تلك المرتبطة منها بحماية الطفل، كاتفاقيتي لاهاي لـ25 أكتوبر 1980، المتعلقة بالجوانب المدنية للاختطاف الدولي للأطفال، و19 أكتوبر 1996، المتعلقة بالاختطاف الدولي للأطفال أو بالاختصاص، والقانونِ المطبقِ والاعترافِ، والتنفيذِ، والتعاون في مجال المسؤولية الأبوية، وإجراءات حماية الأطفال؛ فإنها تكشف عن العراقيل والصعوبات التي تعترض تطبيق المدونة على الأسر المغربية المقيمة بدول المهجر".
وأوضح عبد النباوي أن "مبعث هذا الإشكال يرجع بالأساس إلى ازدواجية المرجعية المتحكمة في ميدان الأسرة واختلافها بين الأنظمة ذات المرجعيات الدينية، والأنظمة العلمانية، بتبني الأولى بالأساس لحلول ذات مرجعية دينية عقائدية في العديد من المواضيع الأسرية، وباختيار الثانية لتوجهات تستبعد أي تمييز أساسه ديانة أو جنس الشخص، وتمنح نوعاً من التقديس المفرط لمفهوم الحرية الشخصية، وتصوراً مثالياً للمساواة بين طرفي العلاقة الأسرية. وهو ما جعل الأسر المغربية في دول الاستقبال تعيش تأرجحا بين هاجس الحفاظ على هويتها وثقافتها الوطنية، والتي يعكسها تطبيق القانون الوطني المغربي على أحوالهم الشخصية من جهة، وسياسة الإدماج والاستيعاب التي تمارسها سلطات بلد الإقامة من خلال إحلال قانون الإقامة والموطن محل القانون الوطني كضابط للإسناد في المسائل الأسرية من جهة أخرى. وهي الميزة التي طبعت العديد من تشريعات الدول الأوربية في مجال القانون الدولي الخاص في السنوات الأخيرة. وهو ما ساهم في تضييق مجال تطبيق قانون الأسرة المغربي على المواطنين المغاربة بالدول المعنية".
ولاحظ عبد النباوي أن مما زاد من عمق الإشكال "بروز موجة من التوجهات الجديدة للاجتهاد القضائي لدى الكثير من دول الاستقبال، التي عملت على استبعاد بعض الأحكام والعقود الصادرة عن المحاكم المغربية، بمبرر مخالفتها للنظام العام الدولي".
تقييم شامل&
من جهته، قال محمد أوجار، وزير العدل المغربي، إن "مدونة الأسرة ولئن كانت تعتبر مكسبا مهما للأسرة والمجتمع المغربي، الا أنه وجب القول اليوم إنه قد آن الأوان لمراجعة بعض موادها التي أبانت التجربة العملية عن ضرورة مراجعتها، واحتواء الثغرات التي رصدها التطبيق العملي لمقتضياتها خصوصا بعد صدور دستور 2011، وَرَفْع المغرب لِتَحَفُّظِه عن بعض بنود اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة".
وأشار أوجار، في كلمة ألقاها بالنيابة عنه عبد الاله لحكيم بناني الكاتب العام ( وكيل) للوزارة، أن وزارته "بصدد إجراء تقييم شامل وموضوعي لمدونة الأسرة، ورصد مكامن الضعف والخلل فيها، ومقاربة مقتضياتها مع التطورات السياسية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة، في أفق تحديد المقتضيات التي تستدعي المراجعة والتعديل، مع نهج مقاربة تشاركية وتشاورية واسعة مع كل الفاعلين من منظومة العدالة والعلماء وفعاليات المجتمع المدني".
ورأى أوجار أن هذا الملتقى القانوني المهم يأتي في ظل "ظرفية خاصة"، تتزامن مع استكمال مدونة الأسرة ل15 سنة من التطبيق، وهي المدونة التي شكلت سنة 2004، يضيف أوجار، "بما تضمنته من مقتضيات مستلهمة من قواعد الشريعة الإسلامية السمحاء والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، تحولا جذريا في تعاطي المشرع المغربي مع القواعد التي تنظم مجال الأحوال الشخصية لمواطنينا ليس فقط بالنسبة للمقيمين منهم داخل المغرب، بل امتدت لتشمل أولئك المقيمين بالخارج، إذ لأول مرة يتضمن نص تشريعي بحجم مدونة الأسرة مقتضيات خاصة بهم تجسد الاعتراف بخصوصية وضعيتهم في بلدان الإقامة، وذلك من خلال السماح لهم بإبرام عقود زواجهم طبقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد الإقامة، وهو ما كان له الأثر الإيجابي الكبير في رفع الكثير من العنت عنهم وساهم في ملاءمة وضعيتهم الأسرية بين قوانين بلدان الإقامة وقانون أحوالهم الشخصية. ولا شك أن هذا التوجه الذي انتهجته مدونة الأسرة حري باتخاذه نموذجا في معالجة كثير من الإشكالات التي تواجه مواطنينا في المهجر".
.jpg)
جانب من الندوة
وأبرز أوجار أنه في ظل الانتشار الواسع للمغاربة في كافة بلدان المعمور، وتعدد الأنظمة القانونية التي يواجهونها في بلدان إقامتهم، وتعارضها في كثير من الأحيان مع مقتضيات أحوالهم الشخصية التي تتبعهم أينما حلوا وارتحلوا، يفرض "التفكير بأسلوب جديد ومنهجية غير تقليدية في التعاطي مع قضاياهم الأسرية".
ولاحظ أوجار أن "الأحوال الشخصية تعتبر ميدانا خصبا للتنازع بين الأنظمة القانونية لبلدان الإقامة وقانون الأحوال الشخصية المغربي، إذ أن القاضي الأجنبي قد يرفض العديد من المؤسسات المبنية على المرجعية الإسلامية بعلة مخالفتها للنظام العام، كما أن القاضي المغربي قد لا يتردد بدوره في رفض العديد من المفاهيم والمؤسسات القانونية الأجنبية لاعتبار مخالفتها للنظام العام المغربي، الأمر الذي يترجم التصادم الخفي أحيانا والظاهر أحيانا أخرى، بين دول الإقامة التي تسعى إلى استيعاب المهاجرين المغاربة وإدماجهم الكلي في مجتمعاتها، وبين بلدهم الأصلي الذي يسعى دائما إلى الحفاظ على هويتهم وثقافتهم الأصلية وتمتين الروابط والوشائج الإنسانية معهم"، مشيراً إلى أن المغرب حاول "التقريب بين هذه الأنظمة القانونية لبلدان الإقامة ونظام الأحوال الشخصية المغربي عبر عدة وسائل".
تحديات
بدوره، لاحظ المصطفى فارس الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن "التحولات الجارية رفعت من سقف التحديات الموضوعة أمام كل الدول وأدت إلى ظهور مفاهيم جديدة غيرت من هيكلة بنيات المجتمعات وطبيعة العلاقات وأفرزت قيما جديدة جعلت من مدونة الاسرة وكل الترسانة القانونية المرتبطة بقضايا الأسرة تقف عاجزة عن الإحاطة &بكافة النوازل بحكم سيرورة التغيير وحتميته".
وشدد فارس، في معرض كلمته التي تلاها بالنيابة عنه حسن فتوخ المستشار بمحكمة النقض، على أن القضاء الأسري المغربي أظهر قدرته على "إخضاع القانون لسنة التطور"، و"تقريب المسافة بين الحقيقة الواقعية والحقيقة القانونية"، و"التفاعل الإيجابي مع التحولات الاجتماعية والثقافية والتعامل السلس مع القضايا الأسرية ذات البعد الدولي خاصة تلك المتعلقة بمغاربة العالم".
وأشار فارس إلى بعض القرارات المبدئية المهمة التي تحمل "نفحة حقوقية ومقاربة حمائية"، استند فيها القضاة المغاربة على "مرجعية اجتهادية وقراءة مقاصدية للنصوص ونظر في المآلات مستهدفين تكريس قيم المساواة والعدل والمعاشرة بالمعروف بين مكونات الأسرة خاصة بين الزوجين، ومراعاة كل الأوضاع الخاصة ذات البعد الأجنبي". وفي هذا الاتجاه، أشار إلى "بعض النماذج التي تؤكد توجه القضاء المغربي إلى تبني مقاربة متوازنة موضوعية تعلي من قيمة الاتفاقيات الدولية والحقوق الدستورية الأساسية وتراعي خصوصية القضايا التي يتدخل فيها عنصر أجنبي دون إخلال بنص وروح مدونة الأسرة المغربية"، تتعلق بـ"طعن يتعلق بعقد زواج مبرم خارج المغرب" و"تفعيل الاتفاقيات القضائية الثنائية" والتفاعل مع "القيمة الثبوتية للأحكام الأجنبية" وحين تكون "الأحكام الأجنبية حجة فيما فصلت فيه" و"حماية حقوق الطفل" و"المصلحة الفضلى للطفل المحضون" و"عدم جواز تعديل نظام الزيارة والحضانة، ما دام أن ارتباط المحضون بالأم الحاضنة ما زال قويا لدرجة لا يمكن فراقه عنها في البلد، فبالأحرى أن يتم السفر به خارجه"، و"حماية الأموال المكتسبة أثناء قيام العلاقة الزوجية".

عمر ودرا رئيس جمعية هيئة المحامين بالمغرب&
ورأى فارس أنه يبقى "على القضاء الأجنبي التفاعل بدوره بنفس المقاربة والمنهجية مع القضايا التي يكون المواطنون المغاربة طرفا فيها وألا يعقد الكثير من أوضاعها الأسرية بعلل وذرائع مختلفة".
ولاحظ فارس أن "العولمة تفرض علينا اليوم جميعا توحيد جهودنا ومعاييرنا بخصوص القضايا المشتركة حتى نستطيع حل الإشكاليات وضمان الأمن الأسري للجميع"، معتبرا أن "هذا مجال سيكون لشبكة المحامين المغاربة عبر العالم دور كبير للمساهمة فيه وبذل كل الجهود لخلق جسور للتواصل خاصة مع الدول التي تعرف قضايا أسرية كثيرة للمواطنين المغاربة".
عوائق
بينما استعرض هلال تاركو لحليمي، رئيس جمعية المحامين المغاربة من أصول مغربية الممارسين بالخارج، أهداف وآفاق اشتغال جمعيته، قال عمر ودرا رئيس جمعية هيئة المحامين بالمغرب إن تطور قوانين الأسرة بالمغرب "لا يمكن أن يتم بمعزل عن النقاش المفتوح وطرح الإشكاليات التي يفرزها الواقع بكل شفافية ومسؤولية في أفق تعديل مدونة الأسرة"، التي قال عنها أنها "ماهي إلا جانب من جوانب تقنين العلاقة الأسرية وليست حلاً لجميع إشكالات الأسرة المغربية بل هي جزء من منظومة قانونية واجتماعية أشمل". كما استعرض ودرا بعض العوائق التي قال إنها صادفت تطبيق المدونة، من قبيل اعتماد مقاربة شمولية للإصلاح الذي جاءت به.

