أعلنت "بيروت إنستيتيوت" توصيات قمتها الثالثة التي عقدتها بأبو ظبي في أكتوبر الماضي، قدمت فيها جملة من المبادرات العملية والبراغماتية والسياسات الاستباقية التي قد تساهم في إنهاء نمط إخفاق الدول ونماذج الحوكمة. أتت التوصيات في خمسة محاور: تولي مسؤولية بناء السلام برعاية أطراف متعددة وبناء دول عصرية وتحقيق الازدهار وتمكين المرأة والشباب وحماية البيئة.

إيلاف من دبي: عقدت "بيروت إنستيتيوت" قمتها الثالثة في أبو ظبي في 13 و14 أكتوبر 2019، تحت شعار: "العشرينيات – ماذا نتوقع؟ كيف نستعد؟"، حشدت فيها جمعًا من الأكاديميين وصناع القرار وقادة الأعمال والصحفيين والشخصيات البارزة من القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني.

اعتمدت القمة على الأفكار التي خرجت من رحم القمتين السابقتين المنعقدتين في عامي 2015 و 2018، حيث تناول المشاركون القضايا المتكررة من وجهات نظر جديدة، وقدموا آراءهم حول آخر التطورات التي تجري في المنطقة.

أصدرت القمة توصياتها، وقد تبلورت في خمسة محاور استراتيجية: أولًا، تولي مسؤولية بناء السلام برعاية أطراف متعددة؛ ثانيًا، بناء دول عصرية؛ ثالثًا، تحقيق الازدهار؛ رابعًا، تمكين المرأة والشباب؛ وخامسًا، حماية البيئة.

تولي مسؤولية بناء السلام برعاية أطراف متعددة

في أعقاب انهيار آمال موجة الربيع العربي التي انطلقت في عام 2011، عاد المواطنون العرب في كثير من البلدان العربية إلى رفض الوضع القائم، الذي يتجلى في ضعف مؤسسات الدولة أو فشلها. وتشمل شكاوى المواطنين ضعف الخدمات العامة وانتشار البطالة ونقص فرص العمل وتفشي الفساد وغياب الشفافية والمساءلة من السلطات على جميع مستويات الدولة. إضافة إلى البعد الدولي للاضطرابات الأهلية الأخيرة في إيران نظرًا إلى المخاوف من نشوب حرب إقليمية بين طهران وجيرانها العرب في الخليج.

أجمع المشاركون في القمة على أن مواجهة هذه التحديات المتشابكة كلها تتطلب تضافر الجهود بين جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة والتعاون بين القوى العالمية. ولتحقيق السلام والاستقرار الدائمين، تحتاج الدول العربية إلى المواءمة بين أهدافها الاستراتيجية الوطنية والتطلعات الجماعية للشعب العربي. ويتطلب بناء السلام عملًا دؤوبًا متعدد الأطراف بقيادة الدول العربية، مع الاستفادة بعلاقاتها مع قوى خارجية رئيسية.

إن تحقيق ذلك كله يستدعي إعادة الانخراط في الدبلوماسية الدولية وإشراك عدد أكبر من الدول الرئيسية والمؤسسات العالمية؛ وتولي مسؤولية التعاطي مع مشكلات المنطقة لتحقيق استقرار دائم من خلال مبادرات متعددة الأطراف بقياد ة عربية؛ واستخدام القوة الاقتصادية الناعمة للدفع باتجاه إيجاد حلول دبلوماسية وسياسية للصراعات.

بناء دول عصرية

يتعرض عدد من الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط إلى قوى جيوسياسية خطيرة تقوض دعائم الاستقرار، لكن تظل أكبر نقاط الضعف في هذه الدول هي المشكلات الداخلية فيما يتعلق بالحكم والكفاءة المؤسسية. وتتجسد هذه المشكلات في غياب المساءلة والفشل في تطبيق سيادة القانون بعدالة وشفافية.

وفي خلال العام الماضي، عانت عدة دول في المنطقة من التقلبات السياسية وسط اشتعال جذوة السخط الشعبي. 

ساهمت هذه الحوادث في تسليط الضوء على الحاجة الماسة إلى إبداء المؤسسات العامة مزيدًا من الاستجابة للمطالب الاجتماعية والنهوض بمستوى الإدارة والحوكمة، انطلاقًا من قاعدة سيادة القانون. ويستلزم هذا التغيير اتباع منهج إصلاحي تصاعدي يُمكن المواطنين من أن يكونوا شركاء إيجابيين في تحديث مجتمعاتهم.

وبحسب التوصيات، هناك أربعة إجراءات أساسية ربما تساعد في معالجة التحديات التي تتشاركها جميع الدول العربية. أولها، بناء مؤسسات تتميز بالكفاءة والشفافية بما يضمن إمكانية مساءلتها والارتقاء بأداء القطاع العام؛ وثانيها، استخدام تقنيات قائمة على البيانات لتعزيز المشاركة والتمكين؛ وثالثها، المكافحة المنهجية لفساد القطاع العام من خلال سن تشريعات صارمة وتنفيذها بحسم وحيادية؛ ورابعها، تعزيز مكانة المدن لتقديم مبادرات وسياسات تنموية مبتكرة لصالح المنطقة ككل. 

تحقيق الازدهار

من الثابت أن تحقيق ازدهار دائم يستلزم أن تنفذ الدول العربية رؤية موسعة تقوم على التعاون الإقليمي وتعزيز الروابط مع آسيا وزيادة مشاركة القطاع الخاص والتحول الرقمي. ومن المنتظر أن يؤدي تحقيق هذه الأهداف إلى زيادة الفرص الاقتصادية المتاحة أمام السكان الذين يتزايد عددهم يوماً بعد يوم وتعزيز الاستقرار.

وتسري التوصيات في هذا الشأن على البلدان الأكثر ثراءً بالأموال والموارد التي تسعى حالياً لتنويع مصادرها الاقتصادية بعيداً عن الوقود الحفري وخلق المزيد من فرص العمل في القطاع الخاص وكذلك على البلدان التي تعاني ارتفاعًا في معدلات الفقر والبطالة ولا سيما بين شريحة الشباب.

يستدعي تحقيق الازدهار دفع عجلة التكامل الاقتصادي الإقليمي في إطار سوق عربية مشتركة، فتقتضي الضرورة ما يأتي: التوصل إلى إبرام اتفاقية اقتصادية إقليمية في أقرب وقت ممكن لتسهيل التعاون بين الدول العربية؛ وتعميق التكامل العربي مع المجتمعات والاقتصادات الغربية؛ وتوسيع وتعميق التعاون مع الاقتصادات الآسيوية سريعة النمو مثل الصين، ما يستدعي وضع استراتيجية مشتركة للطاقة بين الصين والمنطقة العربية، وتوسيع التنسيق بين المؤسسات الصينية والعربية، وإنشاء منطقة تجارة حرة بين مجلس التعاون الخليجي ومنظمة الآسيان، والتنسيق مع دول آسيا الصاعدة والشراكات الاقتصادية مع الصين؛ وتسريع وتيرة التحول الرقمي والانتقال إلى عصر اقتصاد المعرفة؛ ووضع برامج وحاضنات أعمال لتشجيع الحرف التقليدية وبناء جيل جديد من الحرفيين.

تمكين المرأة والشباب

تعاني المنطقة من قضيتين رئيسيتين لهما جذور ثقافية واجتماعية وتحتاج كل منهما إلى اهتمام عاجل، وهما: تمكين المرأة ومساعدة الشباب على رسم ملامح مستقبلهم. ومن المنتظر أن تساهم معالجة هذه التحديات في تحقيق الاستقرار والنمو والازدهار. لكن كيف؟

إن المطلوب اليوم زيادة مشاركة المرأة في مجالي الأعمال والسياسة من خلال حصص مشاركة مخصصة للمرأة ومعالجة أوجه التمييز في القانون، بتحديد حصص لتوظيف المرأة في القطاعين العام والخاص، ومقارنة الأجور والترقيات، ومعالجة التمييز في القانون؛ وتمكين الشباب من رسم مستقبلهم بأنفسهم من خلال التعليم وغرس الخبرات الثقافية - المشتركة في عملية صنع القرار من أجل توحيد صف شباب المنطقة.

وتركز توصيات قمة بيروت إنستيتيوت في مجال تمكين الشباب في المنطقة واستغلال طاقاتهم الكاملة على نقطتين أساسيتين: أولهما التعليم، من خلال إعادة النظر في المناهج الدراسية في جميع المستويات للتحول من الحفظ والتلقين، وترسيخ ثقافة التعليم المستمر، وإيجاد مؤسسات تعليمية تؤكد على المهارات العملية؛ وثانيهما التحول الثقافي، من خلال دمج التجارب والخبرات الثقافية المشتركة، وتشجيع الوعي بالقيم الجوهرية، وتأسيس صندوق ثقافي إقليمي، وتشجيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية واتخاذ القرارات.

حماية البيئة

بحسب توصيات قمة بيروت إنستيتيوت الثالثة، لم يعد الاعتراف بالحاجة إلى التعامل مع أثر التغير المناخي واجباً سياسياً فحسب، بل أصبح مسؤولية أخلاقية أيضًا، فيجب أن تتصرف دول المنطقة لتأمين بيئة قابلة للحياة فيها بها ما يكفي من الموارد الطبيعية المستدامة للأجيال الحالية والمستقبلية، وعلى الدول العربية التي تعتمد اعتماداً خالصاً على تصدير النفط واجباً خاصاً في مضاعفة جهودها لحماية البيئة وتعزيز الاستدامة من خلال الاستثمار في الطاقة المتجددة والموارد المتجددة ولا سيما المياه النظيفة والقابلة للاستعمال. وينبغي أن تؤدي هذه الجهود إلى تسريع التحول إلى الاقتصاد الدائري وتطبيق حلول فنية وسياسية لمعالجة قضايا جوهرية متمثلة في الأمن الغذائي والتدهور البيئي.

ذلك كله يستدعي، بحسب القمة، وضع سياسات واضحة وتوفير رقابة مشددة لضمان إدارة النفايات بشكل سليم وتعزيز مفهوم الاقتصاد الدائري، وزيادة البرامج الموسعة لتخفيف تبعات تغير المناخ وإحداث زيادة جوهرية في الحوافز الرامية إلى منع تسارع ظاهرة الاحترار العالمي، من خلال تشجيع النقاش حول تغير المناخ والموارد الطبيعية والبيئة، وزيادة التعاون وتحسين التخطيط الوطني والإقليمي لإدارة الضغط المتزايد على الموارد ولا سيما الموارد المائية، وزيادة الوعي العام بتأثير تغير المناخ، وإنشاء فرق عمل من القطاعين العام والخاص لاقتراح استراتيجيات محتملة لتخفيف الآثار وبحثها، إلى جانب تقديم إرشادات للتخطيط العمراني لحماية البنية التحتية من إتلافها بالمياه الناشئة عن ارتفاع منسوب المياه في البحار، وإعداد إرشادات لتحويل الاستثمار في البنية التحتية العامة عن المناطق التي تتزايد فيها مخاطر الفيضان، والاستعداد للآثار المحتملة لتغير المناخ على الزراعة، والاستثمار في محطات وتكنولوجيا تحلية المياه.