إيلاف من مراكش: انطلقت، الأربعاء، بمراكش، أشغال الدورة الرابعة عشرة لقمة الأعمال الأميركية – الإفريقية، تحت شعار "لنبن المستقبل معا".
وتتميز هذه القمة، التي تنعقد تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس،بشراكة مع "مجلس الشركات بإفريقيا"، بمشاركة وفد حكومي أميركي مهم ، ووزراء أفارقة وصناع قرار بأكبر الشركات الأميركية متعددة الجنسيات ورجال أعمال أفارقة.
وتمثل هذه القمة، التي تتيح إحداث شراكات أعمال ثلاثية بين الولايات المتحدة والمغرب وإفريقيا موجهة نحو المستقبل، فرصة لتعزيز التموقع الاستراتيجي للمغرب، باعتباره قطبا إفريقيا وشريكا اقتصاديا مرجعيا للولايات المتحدة.
ويتضمن برنامج القمة تنظيم حوارات رفيعة المستوى وجلسات عامة وحلقات نقاش وموائد مستديرة وأنشطة أخرى حول أولويات القارة في مجالات الأمن الغذائي والصحة والفلاحة والانتقال الطاقي والتكنولوجيات الجديدة، والبنيات التحتية واندماج المنظومات الصناعية.
دلالات متعددة
أكد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي والمغاربة المقيمين بالخارج، أن تنظيم قمة الأعمال الأميركية - الإفريقية في المغرب، يعد تكريسا لدور المملكة الطبيعي كبوابة لإفريقيا وحلقة وصل مع شركائها العالميين، كأوروبا، والولايات المتحدة وأميركا الجنوبية.
صورة تذكارية للمشاركين في قمة مراكش
أوضح بوريطة، الذي كان يتحدث في جلسة الافتتاح، أن انعقاد القمة على أرض المملكة المغربية يكتسي دلالات متعددة، مشيرا إلى أنه يجسد التزام المغرب الكامل بانتمائه الطبيعي لإفريقيا، وحرصه على مواكبة استقرارها وتنميتها الاقتصادية المستدامة.
ورأى بوريطة أن انعقاد هذه القمة بالمغرب هو "تعبير عن نضج الشراكة الاستراتيجية المغربية - الأميركية، التي بقدر تطورها على المستوى الثنائي، تسهم بشكل مباشر وفعال في خدمة الأمن والاستقرار في فضاءات جغرافية أخرى، خاصة افريقيا والشرق الأوسط".
أكد بوريطة أن العلاقات المغربية – الأميركية تتميز بقوتها وغناها وريادتها على المستوى الإفريقي، مشيرا إلى أنه إذا كان من المعروف أن المملكة المغربية، تاريخيا، أول دولة اعترفت باستقلال الولايات المتحدة ، فإنها أيضا الدولة الإفريقية الأولى والوحيدة التي لها اتفاق للتبادل الحر مع هذا البلد، كما أنها من الدول التي تتوفر على شراكة استراتيجية متينة ومتعددة الأبعاد مع هذا البلد الصديق، وهي شراكة قال عنها إنها "تسمح اليوم بأن يمتد التعاون، وبكل ثقة وثبات، ليشمل القارة الإفريقية برمتها".
آفاق واعدة،، أمل واضطرابات
قال بوريطة إن "الحضور القوي" لأكثر من ألف مشارك في قمة مراكش يبرز "المؤهلات والآفاق المهمة والواعدة" للشراكة بين إفريقيا والولايات المتحدة في مجال التجارة والاستثمار والأعمال؛ كما يؤكد "أهمية القطاع الخاص ومؤسسات التنمية والاستثمار كرافعة أساسية لهذه الشراكة".
وشدد بوريطة على أنه إذا كان انعقاد هذه القمة يتزامن مع "فترة أمل" في انقشاع جائحة (كوفيد)، فإنه يصادف أيضا مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي "اضطرابات عميقة، طالت سلاسل الانتاج والاستثمار، والمبادلات على حد سواء، وأنتجت تضخما وضغوطا اقتصادية مثيرة للقلق، وهو ما يحتم أكثر، من أي وقت مضى، التمسك بالتعاون سبيلا وحيدا لضمان الأمن وانسيابية التجارة والحفاظ على ثقة المستثمرين". وأكد أنه في هذا "السياق المليء بالتحديات"، الذي يشهد "إعادة تشكيل معالم الاقتصاد الدولي"، يبرز "دور القارة الإفريقية باعتبارها خزان نمو للاقتصاد العالمي، وحليفا قويا لشركائها الدوليين".
ورأى بوريطة أنه إذا كان الأمن الغذائي في صميم المشاغل العالمية فإن إفريقيا تمتلك 23,5 بالمائة من الأراضي الزراعية في العالم، وهو ما يؤهلها لتكون من بين أهم الفاعلين في الأمن الغذائي، وإذا كان المستقبل هو للطاقات المتجددة فإن القارة الإفريقية لديها إمكانات شمسية تبلغ 10 تيراوات، و350 جيغاوات من الطاقة الكهرومائية، و11 جيغاوات من طاقة الرياح، و15 جيغاوات من مصادر الطاقة الحرارية الأرضية؛ وإذا كان الرأسمال البشري هو الثروة الرئيسية للاقتصادات فإن إفريقيا هي أكثر قارات العالم شبابا، بحيث تكمن أكبر ثرواتها في سكانها الذين ستصل حصتهم من البالغين سن العمل إلى 42,5 بالمائة بحلول 2100.
وشدد بوريطة على أنه بفضل ما تزخر به القارة من رأسمال بشري وموارد طبيعية، واعتبارا لسوقها المستقبلية المهيكلة والمترابطة في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ولتجمعاتها الاقتصادية الإقليمية ونموها الاقتصادي البالغ معدله 6٪، فإن "إفريقيا تمتلك مؤهلات تجعلها قادرة على مواجهة الأزمات"، وتمكنها من "تعزيز سيادتها" في القطاعات ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى، كالصحة والأمن الغذائي والطاقة والبيات التحتية، وذلك بما يضمن تحقيق "نمو شامل وتنمية عادلة ومنصفة".
ثمار مؤهلات
رأى بوريطة أنه "آن الأوان كي تجني إفريقيا ثمار مؤهلاتها وإمكاناتها العديدة، وشبابها النابض بالحيوية وتنهض بدورها المحوري والطبيعي على الساحة الدولية، وفي التطورات الكبرى الجارية على الصعيد العالمي"، مبرزا أنه "إذا كانت الثروات والمؤهلات التي تزخر بها دول إفريقيا الأربعة والخمسون نعمة تصنع غنى القارة وتفردها، فإنها أيضا مسؤولية على عاتق دولها وحكوماتها وتحد لروح الابداع والمقاولة لدى فاعليها الاقتصاديين، من أجل تحقيق المسار المفضي إلى النمو الشامل والتنمية المستدامة".
عمل مشترك
شدد بوريطة على أنه "لم يسبق أن كنا في حاجة أمس مما نحن اليوم إلى العمل سويا من أجل بناء اقتصاد إفريقي يتطلع إلى المستقبل، يستمد قوته من اندماجه في منظومة التجارة العالمية وسلاسل القيمة الدولية، اقتصاد سليم ومتين، يعطي الأولوية للتصنيع والتشغيل وخلق القيمة، بما يكفل لقارتنا موقعا لائقا بها على الخريطة الاقتصادية الدولية".
ناصر بوريطة وزير خارجية المغرب يلقي خطابه الافتتاحي في قمة مراكش
وأشار المسؤول المغربي إلى أن هذا لن يتسنى إلا بشرطين، أولهما قيام الدول الإفريقية بالإصلاحات الاقتصادية الضرورية لخلق مناخ أعمال مناسب وقيام القطاع الخاص بدوره الوطني، وثانيهما تعبئة الشركاء الدوليين للقارة لمواكبة برامج التنمية لدولها.
وأوضح بوريطة أن نجاح شراكات إفريقيا مع الفاعلين الدوليين لا يقاس أبدا بعدد برامجها واجتماعاتها، بل بعدد المشاريع الملموسة التي تتمخض عنها، ويجب أن يقاس بأثرها الفعلي على مسارات التنمية في دول القارة.
وتحدث بوريطة عن ضرورة إعطاء أهمية خاصة لتمويل المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا، قبل أن يقترح إرساء آلية لتتبع تنفيذ المشاريع المتمخضة عن الشراكة، وخلق تسهيلات لولوجها للتمويلات، وفق مقاربة تضع نصبها ضمان النجاعة والفعالية في التعامل مع المشاريع، لبلوغ نتائج ملموسة، وتحقيق تطور قابل للقياس، بما يسهم في تطوير علاقات اقتصادية مثمرة بين الولايات المتحدة والدول الإفريقية".
تعبئة مغربية
أكد بوريطة أن المغرب بقيادة الملك محمد السادس يعتز بانتمائه إلى قارته الإفريقية ويؤمن بمستقبلها، مبرزا أنه و"إخلاصا لانخراطه الفاعل في بناء الوحدة الإفريقية منذ سنة 1961 ، فإن المغرب ماض في تعبئته المتواصلة من أجل انبثاق قارة افريقية واثقة من إمكانياتها ومنفتحة على المستقبل، وفاء للالتزام الذي قطعه الملك محمد السادس بنهج سياسة متناسقة ومتكاملة تجاه الأشقاء الأفارقة، ترتكز على الاستثمار المشترك للثروات، والنهوض بالتنمية البشرية، وتعزيز التعاون الاقتصادي".
وأشار بوريطة إلى أن المغرب جعل من التعاون الثلاثي في صلب العمل المشترك مع الولايات المتحدة وإفريقيا، بشكل يستثمر في "دينامية خلاقة للتنمية على أساس من التكامل وتضافر الإمكانيات والجهود"، مبرزا أن "الولايات المتحدة، التي ما فتئت تساند قضايا القارة منذ استقلال دولها، كانت ولا تزال شريكا مهما لإفريقيا، شريكا يتقاسم معها جزءا من تاريخها، وجزءا من جغرافيتها كذلك، عبر المحيط الأطلسي، ويتعاون مع دولها فرادى وجماعات في جميع الميادين، وعلى جميع المستويات".
وختم بوريطة كلمته بتأكيد ثقته في أن العلاقات الأميركية – الإفريقية لها اليوم من المؤهلات والآفاق ما يمكنها من الإسهام النوعي في الاقلاع الافريقي المشترك، والاستثمار الأمثل لأوجه التكامل والتآزر المفيد للجميع".
التزام بتعزيز نمو اقتصادي "شامل ومستدام"
من جهتها ،سلطت نائبة رئيس الولايات المتحدة، كمالا هاريس،الضوء على التزام بلادها من أجل المساهمة في تعزيز نمو اقتصادي "شامل ومستدام" في إفريقيا.
وأبرزت هاريس في رسالة عبر الفيديو خلال افتتاح أشغال الدورة الرابعة عشرة لقمة الأعمال الأميركية -الافريقية، أنه "منذ أكتوبر الماضي، تعهدت الولايات المتحدة بمنح أزيد من 7 مليارات دولار من أجل المساعدات الإنسانية والأمن الغذائي لأفريقيا، بهدف تعزيز النمو الاقتصادي الشامل والمستدام وتطوير تدفق رؤوس الأموال، والنهوض بروح المقاولة والابتكار عبر القارة".
وبعد أن أكدت هاريس التزامها بتعزيز العلاقات مع جميع الدول الأفريقية، سلطت الضوء على الفرص الاقتصادية العديدة المتاحة لدى الطرفين.
كما أشارت إلى أن إفريقيا هي القارة التي تسجل أسرع نمو في العالم، مشيرة في هذا الصدد إلى أنه بحلول عام 2030، سيبلغ عدد سكان القارة 1.7 مليار نسمة، أي 1.5 في المائة من سكان العالم.
وتابعت أن القارة الإفريقية تسجل ارتفاعا متزايدا في نسبة السكان الشباب وهي أكثر تواصلا، فيما يتزايد الطلب على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والتكنولوجيا والبنية التحتية.
ومع ذلك، لاحظت هاريس، أن الحواجز، المتمثلة في محدودية الوصول إلى رأس المال وارتفاع تكلفة التمويل والتعافي من وباء كورونا وأزمة المناخ وانعدام الأمن الغذائي، تشكل تحديات حقيقية بالنسبة للقارة.
وأكدت أن إدارة الرئيس جو بايدن تلتزم بالعمل مع القارة لمواجهة كافة هذه القضايا، ولا سيما في إطار أجندة 2063 للاتحاد الأفريقي.
وبخصوص قضية انعدام الأمن الغذائي، أعربت هاريس عن رغبة الولايات المتحدة في زيادة إنتاج وتصدير المواد الغذائية بشكل عاجل داخل إفريقيا، وهو التحدي الذي تفاقم، على حد قولها، بعد الحرب في أوكرانيا.
كما أعربت عن ارتياحها للتقدم المحرز في إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، مؤكدة في هذا الصدد، استعداد بلدها للتعاون مع المنظمة من أجل ضمان نجاحها.
وأكدت أن الولايات المتحدة ملتزمة بوضع جميع الأدوات والتدابير اللازمة، بما في ذلك تطوير التمويل و المساعدة التقنية و دعم الإصلاحات القانونية والتنظيمية، بهدف مساعدة جميع الشركاء الأفارقة على الازدهار والمضي قدما.
وبالإضافة إلى ذلك، أعلنت نائبة الرئيس الأميركي عن عقد قمة بين الولايات المتحدة وعدة دول أفريقية في ديسمبر بواشنطن لمناقشة التحديات بدء من الأمن الغذائي وصولا إلى تغير المناخ.
وأشارت إلى أن هذه القمة المقرر عقدها ما بين 13 و 15 ديسمبر ، ستظهر التزام الولايات المتحدة الدائم تجاه إفريقيا وستؤكد أهمية العلاقات بين الولايات المتحدة وأفريقيا وكذا التعاون المتنامي بشأن الأولويات العالمية المشتركة.
واعتبرت أن تعاون الولايات المتحدة مع قادة الحكومات الأفريقية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والجالية الأفريقية سيساعد في مواجهة بعض هذه التحديات، وبالتالي إطلاق الفرص التي يمكن للقطاع العام أو القطاع الخاص تحقيقها.
فرص جديدة
من جهتها ، قالت أليس أولبرايت، رئيسة مؤسسة "تحدي الألفية"، أن القمة تمثل فرصة مناسبة لإقامة شراكات واستكشاف فرص جديدة وللمزيد من التعاون مع الشركاء الأفارقة.
وأشارت أولبرايت، في معرض مداخلتها إلى أن مؤسسة "تحدي الألفية" تسعى إلى إحداث "شراكة طويلة الأمد"، تكون قادرة على مواجهة التحديات الراهنة.
وشددت أولبرايت على أن قمة مراكش ستبرهن على الالتزام الدائم للولايات المتحدة تجاه شركائها الأفارقة، وهو التزام قالت عنه إنه سيكون قائما على مبادئ الاحترام المتبادل والمصالح والقيم المشتركة، وذلك بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية.
وتطرقت أولبرايت إلى فرص النمو الاقتصادي في إفريقيا، القارة التي قالت عنها إنها تشهد أسرع نمو في العالم، مبرزة الاهتمام الكبير من القطاعين العام والخاص للمشاركة في قمة مراكش.
مقاولات مغربية
بدوره ، أكد شكيب لعلج رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب أن المقاولات الخاصة والقطاع العام لهما دور أساسي في تسوية أكبر التحديات التي تواجه إفريقيا، خصوصا تلك المتعلقة بالطاقة والأمن الغذائي والتعليم والتحول الرقمي والصحة، مضيفا أن المقاولات المغربية مستعدة للعمل يدا في يد مع الشركاء الأميركيين والأفارقة من أجل تسريع هذه الدينامية.
وأشار لعلج إلى أن القارة الإفريقية تتوفر على موارد متجددة وفيرة، مثل الطاقة الكهرومائية والريحية والشمسية، والتي تشكل فرصة كبيرة يتعين اغتنامها، وتحويلها إلى طاقة جد تنافسية وخضراء لتغطية احتياجات القارة فضلا عن إمكانية تصديرها.
وشدد لعلج على أن جعل إفريقيا مستقلة من حيث الأمن الغذائي أمر أساسي، موضحا أن الأمر يتطلب زيادة الإنتاج الفلاحي، وتحويل المواد الأولية على المستوى المحلي لرفع القيمة المضافة، وتقليل الحواجز التجارية، وتحسين تنافسية المقاولات الفلاحية وتوفير التقنيات الزراعية والمياه بشكل أوسع.
ورأى لعلج أن إفريقيا تزخر بإمكانات هائلة من الموارد الطبيعية مع قدرة كبيرة على التحويل المحلي، مشيرا إلى أن هذه المؤهلات تجعل إفريقيا، ليس فقط جد تنافسية، ولكن أيضا قارة المستقبل، خاصة إذا تم الأخذ بعين الاعتبار تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي توفر ولوجا فوريا إلى سوق يضم 1.2 مليار مستهلك.
موارد إفريقيا
من جهته، تطرق أكينوومي أديسينا رئيس البنك الإفريقي للتنمية في معرض كلمته إلى الدينامية التي يعرفها المغرب، قبل أن يستعرض آفاق التنمية على مستوى إفريقيا، مشيرا إلى أنها مورد مهم للغاز نحو أوروبا، فضلا عن موارد طاقية أخرى، فضلا عن قدراتها الزراعية الكبيرة، مشيرا إلى آفاق تحولها إلى منطقة رائدة للتبادل الحر، مشددا على أن قارة إفريقيا تقترح فرصا استثمار مهمة، مؤكدا مواصلة العمل لاستقطاب رؤوس الأموال بتعاون مع وكالات أميركية لدعم الاستثمار في إفريقيا.

