الثلاثاء: 08. 11. 2005
بقلم: أمين هويدي
الجامعة العربية هي نظامنا الإقليمي الذي عرفناه منذ أكثر من نصف قرن, وهو الآن في خطر يجعلنا نتساءل: هل سيصمد خلال السنوات القليلة القادمة أمام المتغيرات العالمية والإقليمية والقطرية التي تحدث أمامنا؟! ويصبح السؤال أكثر إلحاحا في ظل التناقض الواضح بين المحاولات الجادة النشيطة لتفكيكه والقضاء عليه والمحاولات المتعثرة التي تريد الحفاظ عليه.
محاولات التفكيك غرضها إعادة ترتيب النظام الإقليمي وتتم في هدوء وعلي نار ساخنة داخل إطار إستراتيجية الاقتراب غير المباشر بخلق قضايا فرعية ذات أهمية خاصة تشغل المنطقة وتحول أنظارها بعيدا عن المشروع الأساسي الذي يحاولون بناءه... أهل الدار مشغولون تماما بقضايا مثل الانتخابات وتقرير ميليس والمصالحة العربية وأحداث الإسكندرية. هي قضايا مهمة ولكنها تدخل في النطاق التكتيكي, بينما يتحرك الآخرون في المجال الإستراتيجي. والتحرك التكتيكي ـ كما نعلم ـ قد يكسب أو يخسر معركة, بينما التحرك الاستراتيجي قد يكسب أو يخسر حربا.
نظامنا الإقليمي الذي يسعون إلي تفكيكه لإعادة تركيبه كما يحلو لهم نظام هش مكشوف. من المسئول عن ذلك؟ موضوع لا نريد الخوض فيه. إذ لو أننا توقفنا عند محاسبة الحاضر للماضي فإننا سوف نخسر المستقبل ونصبح كأهل بيزنطة الذين إستمروا في جدلهم والعدو يقتحم الأسوار!!! وأسوارنا ضعيفة وهشة سمحت للغير بتخطيها ليصبح وسط الدار يتربع بنفوذه وضغوطه وقواته لإعادة تشكيل منطقة أصبحت عجينة لينة يسهل إعادة تشكيلها.. أو هكذا يظن.
من الواضح أننا نعني الولايات المتحدة الموجودة بنفوذها وقواتها تحارب في العراق وغرضها الاستراتيجي إعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير ليحل محل النظام الإقليمي الحالي الذي تري أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. وكان هذا غرضها في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي بمشروعات جون فوستردالاس وزير الخارجية الامريكية كحلف بغداد لفرض استراتيجية الاحتواء للإحاطة بالاتحاد السوفيتي والتي كان نصيبها الفشل للتصدي الذي قامت به مصر بقيادة عبدالناصر وسوريا والسعودية وبغداد نفسها بعد سقوط نظامها الملكي...
واشنطن تعتقد أن الموقف الآن يسمح بتنفيذ ما فشلت فيه في منتصف القرن الماضي مع ملاحظة الآتي: الغرض ثابت وهو الإحاطة بروسيا تحسبا للمستقبل ويضاف إلي ذلك القضاء علي ما تسميه التطرف الإسلامي في عقر داره, كانت إسرائيل عضوا غير معلن عنه في حلف بغداد, أما الآن فالظروف تسمح بذلك,علنا, تطبيق مبدأ تفكيك الدول ثم إعادة تركيبها كما يحدث الآن في العراق وقد تليها سوريا ليصبح البناء الجديد أكثر تقبلا, لا ضرورة لتغيير النظم والقادة بل الأفضل والأرخص تغيير سلوكهم, كما حدث في ليبيا وكما يحدث الآن في سوريا والبلاد الأخري بما يسمي بصفقة ليبيا التي أصبحت تعبيرا في الأدب السياسي.
وحلف الأطلنطي دخل الدار برشاقة وهدوء فبعد أن غير مسئولياته بعد انتهاء الحرب الباردة من مجرد الدفاع ضد اختراق حدود دولة إلي الدفاع عن مصالحه في العالم أصبح الشرق الأوسط جزءا من استراتيجية الحلف مما دعا قيادته إلي الدخول في حوار مع بعض دول المنطقة علي أساس أن الأمن الاوروبي يرتبط بتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وأعلن عن اهتماماته فيما عرف بمبادرة أسطنبول التي دعت في مجملها إلي قيام مشاركة بين النات ودول المنطقة لتحقيق الأمن والسلام والمساهمة في حل النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بتقديم قوات تحتاجها الإتفاقيات المتوقعة وفي الموقف في العراق,
وسارع بالحصول علي موطيء قدم في المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية وأصبح له بعثة تدريب حجمها200 فرد لتدريب القوات العراقية ووحدات الشرطة وإعداد القادة, وأصبح يشرف علي كليتي الأركان والدفاع الوطني. كل ذلك لمقاومة الإرهاب والذي يقصدون به المقاومة العراقية.
وهناك لاعبون ثلاثة آخرون يمارسون اللعب في المنطقة التي أصبحت سداحا مداحا في تفاهم وبتنسيق كامل مع المايسترو الكبير الأمريكي لتنفيذ مبادرة الشرق الأوسط الكبير التي تم الإعلان عنها في مؤتمر القمة الصناعية للدول النامية في جورجيا الأمريكية والدول الثلاث هي: تركيا وباكستان, وإسرائيل وجهودها قديمة ومعروفة في مناهضة النظام العربي. فكانت تركيا أول دولة اسلامية تعترف بإسرائيل في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي وتسبب ذلك في قطيعة مع أغلب الدول العربية, وكانت باكستان وتركيا إلي جانب العراق وإيران الملكيتين في ذلك الوقت وبريطانيا والولايات المتحدة تشكل حلف بغداد مما تسبب في فتور العلاقات بين باكستان وبعض البلاد العربية. أما اسرائيل فدورها معروف لا يحتاج إلي مزيد من كلام.
ولكن الجديد في الموضوع أن العلاقات التركية الإسرائيلية تزداد قوة ربما إلي المستوي الذي يؤثر في أمننا القومي مثل التعاون العسكري في مجال الصناعات الحربية, ومثل اتفاقية خط أنابيب البترول ساسان ـ جيهان التركي ليتصل مع أنبوب إيلات ـ عسقلان الإسرائيلي وخط غاز طبيعي من تركيا إلي إسرائيل ثم إمداد إسرائيل بالمياه التركية وعلينا أن نلاحظ أن ميناء جيهان التركي سوف يصبح بذلك ملتقي خط أنابيب البترول كركوك ـ جيهان مع الأنبوب الذي يتم جنوبا من جيهان إلي عسقلان... كل هذا يتم دون حوار أو اعتراض!!!
باكستان بواسطة تركيا تنشيء علاقات مع إسرائيل لم تكن موجودة للاستفادة من الحضارة الإسرائيلية علي قول الرئيس الباكستاني دون حوار أو اعتراض!!!
ولكن كيف يكون هناك إعتراض وقد أنشأت بعض البلاد العربية علاقات كاملة مع إسرائيل وبعضها الآخر يقيم علاقات معها دون إعلان؟ أصبح الجميع لا يتوقفون أمام التاريخ ويتعاملون مع الواقع والجغرافيا, فالتاريخ مضي وولي والواقع الجغرافي بما فيه من دماء وضياع للحقوق هو أساس السياسة الواقعية!!!
وإذا كانت تركيا تعتقد أنها اللاعب الأساسي في المنطقة لأنها بوابة للدخول إلي الدول العربية والإسلامية, فإن إسرائيل تنافسها في ذلك فهي بوابة إلي الولايات المتحدة الأمريكية التي تتوافق مصالحهما علاوة علي أن إسرائيل هي الحارسة علي المصالح الأمريكية بالوكالة ولذلك فإسرائيل تكسب.
نخلص من ذلك أن المنطقة تمر الآن بمرحلة تمهيد وتجهيز المسرح مع عمليات تفكيك في البني الأساسية, وتغيير في السلوك والعقائد والأفكار للسادة الكبار, ومن المعروف أن مرحلة التمهيد والتجهيز تتلوها مرحلة البناء بعد أن يكون المسرح جاهزا وأصحاب القرار أكثر تقبلا. وسوف يتم البناء علي مراحل نعتقد أن مرحلته الأولي إسرائيل وتركيا والعراق وقد تكون باكستان رابعها ولكن أين مصر في أفكارهم؟
نخمن أنهم يعتقدون أن مصر بلد افريقي قد ينضم غربا إلي بعض الدول وقد ينضم جنوبا إلي دول أخري, الأن مصر هي قلب العروبة, ولذلك يجب إبعاده عما يحدث في الشرق!!! وأين الجامعة العربية من كل ذلك؟!! إرادتها من إرادة أعضائها وعلاوة علي ذلك فهي تعاني من عمليات هدم من بعض اعضائها, وكما نعرف فإن الحصون لا تسقط إلا من عبث يجري بداخلها, واذا تم ذلك فسنجد الخرائط التي بيدنا مرسوما عليها خريطة الشرق الأوسط الكبير قد يقبلها البعض وقد يمزقها آخرون... كل هذا يحدث ونحن كالجالس يري ويسمع. ولكنه لا يتكلم..!!!
